بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”
محمد كريم مخرج مصري كبير يعد شيخ المخرجين وصاحب أهم كلاسيكيات السينما المصرية وأحد الرواد الأوائل للسينما المصرية ولذا فقد لقب بأنه عميد السينما المصرية برغم أنه لم يكن أول مخرج تشهده شاشاتها حيث كانت بدايات السينما المصرية علي يد أجانب يعيشون في مصر خاصة من الإيطاليين ولكن مع ذلك كانت لمحمد كريم الريادة حيث كان هو أول من قدم للسينما المصرية والعربية أول فيلم مصري روائي ناطق وهو فيلم أولاد الذوات ليوسف بك وهبي عام 1932م وفضلا عن ذلك فقد كان محمد كريم أول نقيب للسينمائيين عند تأسيس النقابة عام 1943م ومخرج أول فيلم مصري يعرض رسميا في مهرجان برلين الدولي عام 1953م وأول من أخرج فيلم مصري بالألوان مستحدما تقنية السينما سكوب وهو فيلم دليلة في عام 1956م وأول عميد للمعهد العالي للسينما في عام 1959م وأول من كتب مذكراته الفنية في جزئين بعنوان خمسين سنة سينما وما لا يعرفه الكثيرون أن محمد كريم كان قد بدأ حياته في مجال السينما كممثل فكان هو أول ممثل سينمائي مصري في عام 1917م عندما شارك بالتمثيل في الفيلمين القصيرين شرف البدوي وفيلم الأزهار المميتة واللذان أنتجتهما الشركة الإيطالية المصرية وذلك قبل أن يترك التمثيل ويصبح المخرج الكبير وكانت مدة كل منهما حوالي 40 دقيقة وتم عرضهما في أوائل عام 1918م في دار سينما شانتكلير بالإسكندرية إلا أنهما فشلا تجاريا ويرجح البعض أن السبب في ذلك هو إنخفاض مستوى الفيلمين فنيا وفضلا عن ذلك كان محمد كريم مثالا للفنان الملتزم بفنه وصاحب مبادئ لم يحد عنها طوال حياته حيث كان فنان يحترم فنه ويرفض أن يخلط بين الفن والتجارة وأخذ على نفسه عهداً بعدم الإبتذال منذ بداية مشواره السينمائي ولذا لم يكون ثروة طوال حياته علي الرغم من مكانته الرفيعة فنيا وقد ولد محمد كريم في يوم 8 ديسمبر عام 1896م في حي عابدين بالقاهرة في أسرة متوسطة الحال وبدأ عشقه للسينما في سن العاشرة عندما كان يتردد على سينما أمبير التي كانت من أوائل دور العرض السينمائي في القاهرة حبث كان والده يصطحبه لحضور العروض السينمائية بها وبهره هذا الفن الجديد والغريب الوافد من الخارج وشد إنتباهه وإهتمامه كثيرا وملك عليه كل مشاعره خصوصاَ بعد أن شاهد فيلمي أسرار نيويورك وفانتوماس ومن ثم إرتبط بالفن منذ صغره كما أثرت فيه الموسيقي وتفتح ذهنه على أفق أوسع وبدأ يجمع قصاصات المجلات الفنية وصور الممثلين .
وكان كلما كبر محمد كريم كبرت معه هوايته للسينما والتمثيل فإشترى من مصروفه الخاص كاميرا فوتوغرافية وحول سطح المنزل الذي يسكنه في حارة الهدارة بعابدين إلى إستوديو وكان في البداية يعشق التمثيل وكان شديد الحرص على تقليد الممثلين في الأفلام الأجنبية التي كان يشاهدها حيث كان يقف أمام كاميرته ويصور نفسه في حالات متعددة بعد أن يضع الماكياج لوجهه ليستطيع التعبير عن الشخصية التي يمثلها كما كان يقوم بتصميم ديكورات مشابهة لما يراه وملابس للممثلين وكون ما يشبه فرقة تمثيل مع جاره يوسف وهبى الذي جمعهما حبهما للسينما وضما إليهما على شقيق يوسف وزميلهم مختار عثمان وقدما العروض التمثيلية لأبناء الحي أمام منزلهم بعد أن حولوا المصطبة أمامه لمسرح ثم تحول المسرح إلى دار عرض سينمائي بحجرة يوسف وهبي بعد إنتقاله إلى حى المنيرة وإستأجر الصديقان كريم ووهبي آلة عرض سينمائي من شركة جومون ووقف كريم خلف الستار ليقوم بالمؤثرات الصوتية بإستخدام أدوات الطعام المختلفة فتحولت الأفلام الصامتة لتكون أكثر تشويقا لجمهورهم الصغير من أبناء الحي وإستحق ذلك أن يدفع كل شخص مليمين نظير مشاهدة العرض وإنضم الصديقان بعد ذلك إلى أحد فرق الهواة وفي عام 1917م راسل محمد كريم بنك روما بالإسكندرية بمجرد أن علم بتأسيسه شركة إنتاج سينمائي هي الشركة الإيطالية المصرية المشار إليها في السطور السابقة وأرفق مع رسالته 18 صورة في مشاهد تمثيلية محتلفة إلا أنه تلقى جواباً بالرفض لعدم حاجتهم لممثلين فتعلم اللغة الإيطالية وأعاد مراسلتهم بها فطلبوا منه الحضور على نفقته الخاصة للخضوع للإختبار وتم قبوله للعمل بها وكان المصري الوحيد فيها وشارك كما ذكرنا في فيلم شرف البدوي والذى قام فيه بدور شاويش وإشترى على حسابه حذاء شرطي ثم في في فيلم الأزهار المميتة وإستمر مع هذه الشركة وبلغ أجره 20 جنيهاً إلا أن الشركة صفت أعمالها وأغلقت أبوابها وبعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى في عام 1918م وبحلول عام 1919م بدأ محمد كريم في كتابة مقالات عن السينما في الصحف المصرية وكان تفكيره في الكتابة منصب على تمصير السينما كما قام أيضاً بترجمة ونشر الأخبار الفنية من بعض المجلات السينمائية الأجنبية التي كانت تصله من الخارج حيث كان يراسل أكثر من خمس عشرة شركة سينمائية أوروبية ثم قرر السفر إلى إيطاليا ليكمل حبه بالدراسة ووصل إلي العاصمة روما في يوم 21 أبريل عام 1921م ثم عاد إلى مصر بعد أن وجد الإهتمام هناك بالمسرح لكنه لم ييأس وسافر مرة أخرى لكن إلي المانيا وفي عاصمتها برلين إستطاع أن يلتحق بإستوديوهات أوفا السينمائية التي كانت قد بدأت نشاطها السينمائي منذ عام 1911م حيث عمل في قسم المونتاج ودرس هناك الإخراج على يد المخرج الألماني فريتز لانج وعمل معه كمساعد في عدة أفلام وفي خلال سنة ونصف السنة فقط أصبح أحد مساعديه الأساسيين مما أكسبه خبرة ودراية بفن الإخراج السينمائي وشارك أيضا كممثل في بعض الأفلام كما درس كتابة وإعداد السيناريو والتصوير والمونتاج في عدة معاهد سينمائية هناك وإنضم إلى عضوية نقابة الممثلين الألمانية وتزوج من فتاة المانية سمت نفسها نعمة الله وعملت معه مساعدة فيما بعد في جميع أفلامه وأنجب منها إبنته ديانا .
وبعد عودته من المانيا في يوم 28 أغسطس عام 1926م وقف محمد كريم على خشبة مسرح رمسيس مع يوسف وهبي ليؤدي دور ضابط في مسرحية تحت العلم وقام بمحاولات لإقناع يوسف وهبي بإنتاج فيلم سينمائي يقوم هو بإخراجه وذلك في إطار سعيه من أجل تأسيس صناعة سينما مصرية خالصة بعد أن سيطر عليها الأجانب لمدة حوالي 30 عاما وفي هذه الفترة كان محمد كريم أول من صور أفلاماً سينمائية لبعض المناظر الخارجية التي تقع في بعض مسرحيات يوسف وهبي وهي التي تأتي موصوفة بالحوار على لسان الممثلين وعمل على إدماجها في أحداث المسرحية لتعرض في أثناء التمثيل وقد نجحت هذه التجربة الرائدة في مسرحية العدالة ونجحت بالتالي محاولات محمد كريم في إقناع صديقه بدخول مجال السينما وفي البداية قام بإخراج فيلمً تسجيلي عن حديقة الحيوان في عام 1928م كان من إنتاج شركة مصر للتمثيل والسينما التابعة لبنك مصر ويعينه طلعت حرب باشا مخرجا في الشركة بمرتب 12 جنيها شهريا ثم أسس مع يوسف وهبي شركة رمسيس وإختار بعد بحث طويل رواية الأديب الكبير محمد حسين هيكل باشا زينب لتكون أول فيلم مصري خالص صامت وقام بدور البطولة به بهيجة حافظ ودولت أبيض وسراج منير وزكي رستم وعرض بالسينما لأول مرة في يوم 14 يوليو عام 1930م ويعتبره النقاد البداية الحقيقية للسينما المصرية وحقق نجاحا كبيرا وقدم محمد كريم فيه أول اللقطات الملونة التي عرفتها السينما المصرية ومما يذكر أنه أعاد إخراجه كفيلم ناطق عام 1952م وكانت البطولة فيه لراقية إبراهيم ويحيي شاهين ولم يكتف كريم أن يكون صاحب أول فيلم مصري صامت بل هو كان صاحب أول فيلم مصري ناطق وهو فيلم أولاد الذوات في عام 1932م وكان بطولة يوسف وهبى وسراج منير وأنور وجدى ودولت أبيض وأمينة رزق وقد صورت أغلب مشاهد هذا الفيلم في باريس لأنه لم تكن قد أقيمت بعد إستوديوهات كاملة في مصر مجهزة بمعدات الصوت أو حتى الإضاءة أما المشاهد التي لم يكن قد تم تصويرها في باريس فقد صورت صامتة في إستوديو رمسيس وأدخلت عليها مؤثرات صوتية فيما بعد وحتي ذلك الوقت لم تكن صناعة السينما في مصر قد عرفت فن المونتاج إلا عندما أُخرج هذا الفيلم حيث تم عمل مونتاجه في باريس وتحت إشراف كريم نفسه ثم قرر الإتجاه إلى الفيلم الغنائي فأقنع الفنان محمد عبد الوهاب أن يخوض تجربة التمثيل ووافق ليخرج إلى النور أول فيلم غنائي مصري خالص وهو فيلم الوردة البيضاء عام 1933م بالإشتراك مع الفنانة سميرة خلوصي الذي حقق أكبر إيرادات عرفها فيلم مصري حتى ذلك الوقت وعرض في دور السينما لمدة 56 أسبوعا وأثار معارك سياسية جانبية بين الأحزاب السياسية حين إتهمت صحف إسماعيل صدقي باشا رئيس مجلس الوزراء حينذاك غريمه الزعيم مصطفي النحاس باشا رئيس حزب الوفد بركوب موجة الوردة البيضاء ليحظى بالتصفيق وكان هذا الفيم عن قصة لمحمد متولي وإقتباس محمد كريم وظهر فيه الموسيقار رياض السنباطي لأول مرة كعازف وقد تميز هذا الفيلم بكلمات الحوار الرقيق وبشاعرية حالمة لا علاقة لها بالواقع الخشن .
وبنجاح فيلم الوردة البيضاء قرر محمد عبد الوهاب تأسيس شركة إنتاج سينمائي بإسمه وعهد إلى محمد كريم بإدارتها وإشترط عليه أن يخرج أفلامه القادمة والتي بلغ عددها 6 أفلام حيث أتبع فيلم الوردة البيضاء بستة أفلام أخرى قام ببطولتها محمد عبد الوهاب تمثيلا وغناءا كان أولها فيلم دموع الحب في عام 1935م عن رواية ماجدولين للأديب مصطفي لطفي المنفلوطي وشاركته البطولة الفنانة والمطربة نجاة علي وكان ثانيها فيلم يحيا الحب في عام 1937م عن قصة للكاتب عباس علام وفيه يقوم عبد الوهاب بدور إبن الباشا الذي يخفي عن حبيبته أصله وبعد عدة مغامرات يكشف عن الحقيقة ويتزوجها وشاركته البطولة الفنانة والمطربة ليلي مراد أما ثالثها فكان فيلم يوم سعيد في عام 1939م وشاركته البطولة الفنانة سميحة سميح وكان رابعها فيلم ممنوع الحب في عام 1942م وشاركته البطولة الفنانة رجاء عبده والتي يقع عبد الوهاب في حبها ثم يكتشف إنها إبنة العائلة التي ناصبت عائلته العداء منذ سنين لكن في النهاية ينتصر الحب بين الشابين ويتزوجا وخامسها فيلم رصاصة في القلب عام 1944م عن رواية للأديب الكبير توفيق الحكيم وشاركته البطولة الفنانة راقية إبراهيم بينما كان آخرها في عام 1946م وهو فيلم لست ملاكا وشاركته البطولة الفنانة نور الهدى والفنانة ليلي فوزى ومحمود المليجي وسليمان نجيب وبشارة واكيم وعبد الوارث عسر ورياض القصبجي ومن خلال هذه الأفلام تم إكتشاف الكثير من النجوم وتم تقديمهم كأبطال في أفلامه وغيرها منهم غير الفنانات المذكورات بهيجة حافظ وإلهام حسين ومديحة يسري وزوزو ماضي كما كان هو المخرج الوحيد الذي سجل طفولة سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة على الشاشة حيث ظهرت وهي في الثامنة من عمرها في فيلم يوم سعيد وفي الثالثة عشر في رصاصة في القلب وفي الرابعة عشر في دنيا ومن خلال أفلام عبد الوهاب حقق محمد كريم في مجال الريادة السينمائية عدة إنجازات فمن الناحية الفنية وفق في أثناء إخراجه لفيلم يحيا الحب إلى إكتشاف جديد أطلق عليه في مصر باك بروجكشن ومؤداه أن تعرض الصورة من الخلف على شاشة كبيرة بحجم شاشة السينما مناظر شارع مثلا والناس تجئ وتذهب والسيارات تمر مسرعة وطبق هذا الإكتشاف في تسجيل أغنية عندما يأتي المساء وفي فيلم يوم سعيد ظهرت فيه لأول مرة مناظر ضخمة لشوارع بأكملها يسير فيها الأوتوبيس وجزء من شارع فؤاد الذى أصبح شارع 26 يوليو حاليا وبيوت مودرن وأخرى ريفية ومجموعات كبيرة من الكومبارس من جميع الأجناس .
وجدير بالذكر أنه في كل أفلام عبد الوهاب السابقة تتحدد شخصية النجم المغني التي أصبحت أحد أسس الفيلم المصري طوال هذه السنوات بحيث كانت تنعكس ملامح هذا النجم الذي كان يعد في ذلك الوقت العاشق الأعظم والمثل الأعلى لكثير من شباب الثلاثينيات والأربعينيات والذى يعيش أيام الحب والبراءة والحلم وبحيث يبدو الناس على الشاشة طيبين وبلا هموم لا يشغلهم إلا الحب الذي بات مفتاحا لكل شئ في مجتمع ناعم هادئ يغني الكل فيه ويرقص ومن ثم ففي هذه الأفلام ولدت أسطورة النجم المغني في الفيلم العربي حيث يبدو عبد الوهاب شابا حالما باحثا عن الحب والجمال ونموذجا لدون جوان عصري ليس لديه مشاكل في الحياة ولا يحمل هما وفي هذه الأفلام كل الناس طيبون الباشا والإقطاعي والفلاحون والأفندي القاهري والفتاة الأرستقراطية والبواب الذي يقرض الساكن المفلس والعاشق الذي يضحي بخاتمه الثمين ليزوج صديقه من حبيبته كل الناس كانوا يعطون ولا أحد يأخذ ومن الصحيح أن واقع المجتمع كان شيئا آخر وأن هؤلاء الناس لم يكونوا أناسا حقيقيين يعيشون في الواقع لكننا مع ذلك عندما نشاهد سينما محمد كريم نحب هذه الحياة ونتمني تحقيقها وعموما فبعد هذه الرحلة بين محمد كريم ومحمد عبد الوهاب والتي إستمرت 13 عاما من عام 1933م وحتي عام 1946م تم خلالها ظهور عدد 7 أفلام شعر محمد كريم أنه قد ضاق بالأفلام الغنائية وأنه لم يستفد وأنه ما زال كما هو ولم يتغير أو يطور من أداءه ويعترف أن أغاني عبد الوهاب السينمائية كانت طويلة أطول من اللازم فأي أغنية في المتوسط كانت تستغرق أكثر من ست دقائق فإذا حسب ما تستغرقه ثماني أغان لكان الوقت حوالي خمسين دقيقة الأمر الذي يضطره إلى ضغط موضوع القصة وحذف كثير من حوادثها ووقائعها وفي الحقيقة فقد كان محمد كريم في معظم أفلام عبد الوهاب التي قدم الأغاني فيها يفاجأ بعددها وبمدتها في أثناء العمل فيطلب من عبد الوهاب أن يختصرها لكن عبد الوهاب كان يرفض ولا يسمح بقص أو حذف أي جزء من موسيقاه حتى ولو كانت متكررة فيضطر كريم إلى إقتضاب وإختصار بعض حوادث الفيلم وتكون النتيجة على غير ما يبغي وفي غير صالح المستوى الفني للفيلم ولذا فقد إكتفي محمد كريم بما قدمه مع عبد الوهاب .
وفي نفس العام الذى أخرج فيه محمد كريم آخر أفلام عبد الوهاب لست ملاكا عاد إلى الأفلام الدرامية بفيلم دنيا في نفس العام 1946م وكان من تأليف أحمد شكري وتمثيل الفنانين سليمان نجيب وأحمد سالم وراقية إبراهيم ودولت أبيص ثم تلاه بفيلم الحب لا يموت في عام 1948م من تأليف إبراهيم المصري وتمثيل راقية إبراهيم أيضا ووداد حمدى وزوزو شكيب وعبد الوارث عسر وعباس فارس ووحيد صالح والذى مثل في هذا الفيلم لآول وآخر مرة في السينما كما ظهرت في هذا الفيلم الفنانة نعيمة عاكف وهي تلقي مونولجا فكاهيا قصيرا وكان ذلك أحد الأسباب الرئيسية التي جعلتها تتعاقد بعد ذلك على بطولة أول أفلامها العيش والملح مع المخرج حسين فوزي وفي عام 1952م عاد محمد كريم إلى رواية زينب التي كان قد أخرجها كفيلم صامت عام 1930م كما ذكرنا في السطور السابقة ليجعلها تنطق على لسان راقية إبراهيم ووداد حمدى وسناء جميل وسليمان نجيب ويحيى شاهين وفريد شوقي والسيد بدير وغيرهم وفي العام نفسه قدم فيلم ناهد من تأليف يوسف وهبي ومحمد كريم وعبد الوارث عسر وتمثيل راقية إبراهيم ويوسف وهبي ومحمود المليجي وفي عام 1954م قدم فيلم جنون الحب من إنتاجه وتأليفه مع عبد الوارث عسر وتمثيل راقية إبراهيم وأنور وجدي وعماد حمدي وكان آخر أفلامه الدرامية قلب من ذهب عام 1959م من تأليف محمد كريم وعبد الوارث عسر وتمثيل مريم فخر الدين وعزيزة حلمي وفردوس محمد وسناء جميل وعماد حمدي وصبرى عبد العزيز وقد إعتبر أنه أخرج هذا الفيلم وفي الوقت نفسه لم يخرجه نظرا لتدخلات منتجه حسن رمزي في عملية الإخراج مما أفسد العمل فخرج علي غير ما يتمني كريم وفي نفس العام 1959م تم تأسيس المعهد العالي للسينما علي يديه وتولي عمادته وإشتهر عنه إهتمامه الشديد بالنظافة ودقته الشديدة في ضرورة الإلتزام بالمواعيد من جانب كل من الطلبة والأساتذة وإستقال من العمادة في عام 1963م مع تخرج أول دفعة من المعهد ونود أن نشير هنا إلى أن محمد كريم في فترة عمله الطويلة مع محمد عبد الوهاب قدم فيلمان آخران هما فيلم ليلة الفرح بطولة محمود ذو الفقار وعزيزة أمير وفردوس محمد وزوزو شكيب ونجمة إبراهيم وقامت بإنتاجه شركة إيزيس فيلم والتي كانت تمتلكها الفنانة عزيزة أمير وفي عام 1945م قدم الفنان والمطرب محمد فوزي لأول مرة في السينما في فيلم أصحاب السعادة والذى شارك كريم في بطولته مع رجاء عبده وميمي شكيب وفتحية شاهين وسليمان نجيب وإستيفان روستي وعبد الوارث عسر ومختار عثمان وهو فيلم غنائي مملوء بالكوميديا كذلك قدم محمد كريم أول فيلم مصري كاملا بالألوان بتقنية السينما سكوب في سادس أفلام الفنان عبد الحليم حافظ دليلة عام 1956م مع شادية وزبيدة ثروت وفردوس محمد ورشدي أباظة وعدلي كاسب وإعترف بعدم إرتياحه وإعجابه بأسلوب وطريقة الفنان عبد الحليم حافظ في العمل والذى كان مشاركا في إنتاج الفيلم وعندما نصحه رد عليه عبد الحليم دي فلوسي وأنا حر فيها إن شالله أرميها في البحر ما حدش له دعوة .
ومن جانب آخر كان من دلالات الريادة عند محمد كريم في السينما المصرية والعربية أنه كان مخرجا يملك حسا تاريخيا واعيا وكان أهم ما يمتاز به أسلوبه في الإخراج عموما هو العناية الدقيقة بالمنظر ولوازمه ومحتوياته إلي جالب إهتمامه بأدق تفاصيل كل مشهد فكان يدقق في إختيار الموضوع والممثلين والفنيين ويميل دائما إلى تصوير الطبيعة وعند تصويره للبيئة المصرية كان يجعلها في صورة ما ينبغي أن تكون عليه أي أنه كان يحاول كثيرا تجميل الواقع وأن يقدمه كما يجب أن يكون وكان معروفا عنه أنه عصبي المزاج يثور لأقل الأشياء لكنه في نفس الوقت كان يحمل قلب فنان كبير حتى قال عنه الكاتب والمؤرخ الفرنسي الشهير صاحب كتاب تاريخ السينما في العالم جورج سادول في شهر فبراير عام 1965م إن من خير رواد السينما الأوائل المخرج والفنان محمد كريم حيث تمتاز أفلامه بالعناية والإهتمام بأصغر التفاصيل وقد نال محمد كريم جوائز تقديرية عديدة من الدولة ففي عام 1955م نال جائزة الدولة في الإنتاج والإخراج والسيناريو عن فيلم جنون الحب وهو الفيلم الذي إضطره لبيع أثاث منزله ليقوم بإنتاجه كما حصل على وسام الدولة في الفنون من الدرجة الأولى عام 1963م وحصل أيضا على عدة جوائز من مهرجانات محلية وعالمية منها مهرجان موسكو السينمائي الدولي ومهرجان كان السينمائي الدولي ومنح إسمه بعد وفاته جائزة الدولة التشجيعية في الفنون ومما يذكر عنه أـنه قبل وفاته بأربع سنوات قدمت له الدولة منحة تفرغ لكتابة تاريخ السينما المصرية حيث عكف على البحث والدراسة معتمدا في ذلك على ذكرياته وذكريات أصدقائه المقربين إليه ومات قبل أن يكمل كتابة هذا التاريخ في يوم 27 مايو عام 1972م عن عمر يناهز 76 عاما وعهد بتكملة ما بدأه محمد كريم بخصوص تاريخ السينما المصرية الى المخرج المخضرم أحمد كامل مرسي وأخيرا وليس آخرا فقد بلغت حصيلة أفلام محمد كريم عدد 9 أفلام تسجيلية وعدد 17 فيلما روائيا وتم إختيار فيلمين من الأفلام التي أخرجها ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية في إستفتاء النقاد عام 1996م وهما فيلم زينب وفيلم رصاصة في القلب . |