بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”
شادى عبد السلام مخرج مصري يعد من أبرز مخرجي السينما المصرية على الرغم من أن إنتاجه لم يكن بالعدد الكبير لكنه تميز بالتأثير الكبير والممتد عبر أجيال متعددة وكان قد إختير من رابطة النقاد الدولية بالعاصمة النمساوية فيينا ضمن أهم 100 مخرج عالمي نظرا لتميزه في جوانب متعددة في المجال السينمائي فقد مارس فنون الإخراج والتصميم والديكور لعدد من الأعمال التي إرتبطت بالثقافة المصرية والفرعونية أهمها فيلم المومياء وفيلم الفلاح الفصيح وقد وصفه النقاد بأنه موهبة نادرة وفذة في تكوينه الشخصي وإنعكس ذلك على أعماله والتي كان من أبرزها بالتأكيد فيلم المومياء والذى تم عرضه في أحد دورات مهرجان كان السينمائي وأشاد به الكثيرون وإعتبروه عملا إبداعيا حفر أبجديات السينما المصرية وعبر عنها في صورة جمالية بديعة بالملامح والظلال وحركة الممثلين وفضلا عن ذلك فقد أحاط الفنان والمخرج المصري شادي عبد السلام نفسه بالكثير من مفردات وعناصر الحضارة المصرية وكان يعيش عالما خاصا متنوعا وثريا عمقه بدراسات في الموسيقى والرسم والتصوير وتصميم الديكور وكان مكتبه بوسط القاهرة يمتلئ بالمراجع والكتب المصرية والأجنبية التي تتحدث عن حضارة المصريين القدماء التي كان من فرط إستغراقه فيها يريد أن يجعل ماضيه الفرعوني مطابقاً للمستقبل يزدهر بقيم العدالة والحق ولذا فهو يعد شخصية فنية متفردة وهناك العديد من المواقف المؤكدة على تفرده فمثلا كان يتمسك بأن يرسم الكادرات لأعماله ويضع كل التفاصيل قبل التصوير وهو ما يعد من وجهة النظر العادية أن باقي التفاصيل يستطيع أن ينفذها أي مخرج آخر لكن ذلك لم يحدث فحين توفى شادي عبدالسلام قبل أن يتم مشروعه الكبير فيلم إخناتون رأي وقتها صلاح مرعي أقرب أصدقائه أن العمل مستحيل أن يكتمل دون روحه التي يبثها في المشاهد وظهر ذلك بشكل واضح عندما عرض مهرجان الإسماعيلية السينمائي بعض من أعماله القصيرة غير المكتملة بلمسته النهائية فظهرت في شكل باهت وسئ للغاية بما يمكن وصفه بتعبير نصف شادي لا يكفي .
ولد شادى عبد السلام في مدينة المنيا في يوم 15 مارس عام 1930م وتخرج من كلية فيكتوريا بالإسكندرية عام 1948م ودرس فنون المسرح في لندن ما بين عام 1949م وعام 1950م وبعد عودته من لندن إلتحق بقسم العمارة بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة وتخرج منها عام 1955م وأتاحت له تلك الفترة أن يكون تلميذا للمعماري السكندري الشهير صاحب كتاب عمارة الفقراء حسن فتحي فتعرف من خلاله علي الفنون الإسلامية وبعد التخرج لم تكن لديه الرغبة بالعمل كمهندس معماري فبدأ يفكر بالعمل في السينما بعد أن قضى مدة الخدمة العسكرية ومن ثم بدأ يدخل للساحة السينمائية عن طريق المخرج الكبير صلاح أبوسيف في فيلم الفتوة عام 1957م وكان عمله وقتها يقتصر على تدوين الوقت الذي تستغرقه كل لقطة كما عمل مساعدا للمهندس المعمارى رمسيس ويصا واصف عام 1957م ثم عمل كمساعد مخرج مع المخرج حلمي حليم في فيلم حكاية حب ومع عز الدين ذو الفقار في فيلم الرجل الثاني عام 1959م وفي عام 1962م قام بتصميم الملابس الخاصة بفيلم شفيقة القبطية للمخرج حسن الإمام وأيضا قام بتصميم الملابس الخاصة بفيلم ألمظ وعبده الحامولي للمخرج حلمي رفلة في نفس العام 1962م وفضلا عن ذلك فقد عمل مساعدا للإخراج في عدة أفلام لمخرجين أجانب حيث عمل مساعدا للمخرج أندرو مارتون في فيلم وا إسلاماه عام 1961م وللمخرج روبرتو روسلليني في الفيلم الإيطالي الحضارة عام 1963م وللمخرج جوزيف مانكوفيتش في الفيلم الأميريكي كليوباترا في نفس العام 1963م وفي عام 1966م كانت نقطة البداية الحقيقية لمشواره الفني حيث شارك في إعداد ديكورات وأزياء وإكسسوارات الفيلم البولندي الفرعون مع المخرج البولندى جيرزى كافليروفيتش والذى تم تصويره بين مصر وبولندا وأوزبكستان وعرض في مهرجان كان عام 1966م ورشح في العام التالي 1967م لنيل جائزة الأوسكار وعلاوة علي كل ما سبق فقد عمل شادى عبد السلام خلال المدة من عام 1963م وحتى عام 1969م بالتدريس بقسم الديكور والملابس والإخراج في المعهد العالي للسينما لكن كل تلك الخطوات كانت تمهيدا لخطوته الكبرى والمركزية في مشروعه وهي صناعة فيلم المومياء .
وبالفعل فبحلول عام 1969م بدأ شادى عبد السلام في تحقيق حلمه الخاص بإنتاج فيلم المومياء والذى كان إسمه في البداية يوم أن تحصي السنين والذى يعتبر من أهم الأفلام العربية التي قدمت في تاريخ السينما وحصل علي المرتبة الثالثة في إستفتاء النقاد عام 1996م ضمن قائمة أفضل 100 فيلم مصري في تاريخ السينما المصرية كما تم إختياره كأفضل فيلم عربي في إستفتاء عام 2013م لذلك أشرف على عملية ترميمه المخرج الأميريكي مارتن سكورسيزين وهي النسخة المتاحة حاليا للعرض على الإنترنت وفي جناح خاص بمكتبة الإسكندرية ولعب دور البطولة فيه الفنانون أحمد مرعي وعبد العظيم عبد الحق ومحمد خيرى وأحمد خليل وزوزو حمدى الحكيم بالإشتراك مع النجمة نادية لطفي والتي قالت عن ذكرياتها عن هذا الفيلم إن أيام تصويره كانت من أجمل الأيام التي عاشتها بقرية القرنة بالأقصر وكان من أجمل المناظر عندما سافرت المومياوات إلى القاهرة ووقفت النساء بالأقصر بملابس سوداء يصرخن لرحيل أجدادهن من بلدهم وهذا الفيلم يعالج قضية الهوية والحفاظ على التراث الحضاري لمصر فقد كان شادي يرى أن الحضارة المصرية القديمة هي عبارة عن تجربة إنسانية وفكرية عميقة تستحق أن تدرس وتستلهم لتكون مصدر لنهضة وتقدم مصر وقد إستهل شادي فيلمه المومياء بهذه الكلمات يا من تذهب سوف تعود يا من تنام سوف تصحو يا من تمضي سوف تبعث وكأنه يريد أن يقول من خلال هذه المقدمة وهذا الفيلم أن الجد القديم سوف يعود وكما يقول هو عن الفيلم أريد أن أعبر عن نفسي وعن مصر أريد أن اعبر عن شخصية الإنسان المصري الذي يستعيد أصوله التاريخية وينهض من جديد وقد حظي هذا الفيلم بشهرة عالمية واسعة ليس فقط بسبب الموضوع الذي تناوله العمل ولكن بسبب الجماليات والفنيات التي أبدعها المخرج وفريق العمل سواء في تصميم وإختيار الملابس أو الديكورات أو أماكن التصوير حيث قام شادي عبدالسلام بتصميم ملابس الفيلم أما الديكورات فقد قام بتصميمها مجموعة من أهم المهندسين على رأسهم أنسي أبو سيف والذين قاموا بتصميم نماذج مطابقة للتوابيت الفرعونية المكتشفة عام 1881م وكانت تمثل جزءا أساسيا في أحداث الفيلم ولذا فقد قد نال فيلم المومياء العديد من الجوائز في المهرجانات العالمية منها جائزة سادول وجائزة النقاد في مهرجان قرطاج عام 1970م وغيرهما وإستحق شادي عبد السلام عن جدارة أن يكون واحداً من أبرز مخرجي العالم حيث تم إختياره ضمن أهم 100 مخرج خلال تاريخ السينما في العالم من رابطة النقاد الدولية في فيينا كما إحتل المومياء المرتبة الأولي في إستطلاع الأفلام الأجنبية الذي أجري في فرنسا عام 1994م.
وتتلخص أحداث فيلم المومياء في وجود قبيلة كانت تسمى الحربات في صعيد مصر إشتهرت بالتنقيب عن الآثار الفرعونية وبيعها سواء للأجانب أو للمصريين المهتمين بالآثار وحدث بعد موت شيخ القبيلة أن قرر أولاده التوقف عن سرقة الآثار ولكن يتم قتل أحد الأبناء على يد عمه فيما ينجح الثاني في الهرب من أجل إبلاغ الشرطة وبعثة الآثار وكانت القصة الحقيقية التي إقتبس مكنها هذا الفيلم أنه في عام 1871م شاءت الأقدار أن يتم إكتشاف سر ما عرف بخبيئة الدير البحرى علي يد 3 أشقاء من عائلة عبد الرسول والذين فوجئوا بالعثور علي كنز ضخم ليس له مثيل عبارة عن مقبرة ملكية تقع على البر الغربي لنهر النيل في مواجهة مدينة الأقصر الحالية وضمت المومياوات والتجهيزات الجنائزية لأكثر من خمسين شخصية فرعونية عالية المقام ما بين ملوك وملكات وأمراء ونبلاء من أسرات مختلفة تناوبت على حكم مصر مثل الملك سكنن رع وأحمس الأول وتحتمس الثالث وسيتي الأول ورمسيس الثاني ورمسيس الثالث ورمسيس التاسع وغيرهم وكان السبب في تجميع هؤلاء الملوك في مقبرة واحدة هو السرقات التي تعرضت لها مقابر الفراعنة مع بداية حكم الأسرة العشرين حينما نهبت مومياوات العديد من الملوك والكهنة في منطقة البر الغربي بالأقصر مما دفع ملوك الأسرة الحادية والعشرين أن تفكر في إيقاف هذه السرقات الخطيرة وإقترح عليهم الكاهن الأكبر لآمون حينذاك المدعو بانجم وأولاده تجميع مومياوات الفراعنة السابقين وكبار الكهنة وتخبئتها في مقبرة بالقرب من معبد الملكة حتشبسوت بالدير البحري بالأقصر وظلت هذه الخبيئة في مأمن لم تصل إليها يد اللصوص ولم يعرف مكانها بشر حتى وصل لها الأشقاء الثلاثة المشار إليهم من عائلة عبد الرسول عام 1871م وذلك عندما كان إثنان منهم هما محمد وأحمد عبد الرسول يتحدثان وهما جالسان علي حجر بالقرب من معبد الدير البحري وعلي مقربة منهما كان هناك بعض الماعز تبحث عن شئ تأكله داخل الأرض وفجأة إبتعدت واحدة من الماعز لترعى فقام أحمد ليتبعها فخافت الماعز وإتجهت نحو الصخور إلا أنها إختفت فجأة وعندما وصل أحمد إلي مكان إختفائها وجد أن هناك تجويف في الأرض كأنه بئر وجذب إنتباهه سريعا مدخل هذا البئر فمال عليه فهاله وجود بئر فى هذا المكان وما يعنيه ذلك فعاد جريا لكي يخبر أخاه محمد بما شاهده وإقترب الأخوان من البئر حاملين معهما مصباحين وحبل حيث كان الليل قد خيم على المكان وألقي محمد بإحدى طرفي الحبل إلي أحمد الذى ربطه بصخرة وقام محمد في ذات الوقت بربطه حول خصره وبدأ في النزول داخل البئر تحت ضوء المصباح الذى كان يحمله أخوه أحمد والذي ظل واقفا أعلى البئر ووجد محمد أن البئر عمقه تقريبا 10 أمتار فطلب من أخيه الإسراع بإطالة الحبل لكى ينزل إلي قاع البئر وهو يشعر بخوف كبير من المكان المجهول وعندما لامست قدماه قاع البئر وجد الماعز ولكنه وجد أيضا مدخلا إلي ممر منحوت في الصخر قام بالدخول فيه وفجاءة إصطدم بشئ إتضح بعد ذلك بفضل نور شعلة المصباح أنه تابوت ملون بالأبيض والأصفر وبالقرب منه وجد تابوتا ثانيا ثم ثالثا وبالقرب من هذه التوابيت التي كانت تصطف علي الأرض كانت هناك تماثيل وأواني حفظ الأحشاء وزهريات من البرونز وبعض المشغولات الذهبية وعدد من البرديات والأثاث الجنائزي وذهل الأخوان بهذه المفاجآة وأخبروا أخاهم الثالث بهذا الأمر وأخذوا عهدا على أنفسهم أن يظل هذا الأمر سرا بينهم وظلوا يترددون علي المقبرة علي فترات إستمرت عدة سنوات وإختلسوا منها عدد غير قليل من القطع الأثرية والبرديات التي تخص عدد من الملوك مما خف وزنه وغلى ثمنه غير مهتمين وعابئين بالمومياوات حيث كان فى ذلك الوقت لا قيمة لها في نظرهم إلا بما يغطيها من الذهب والأحجار الكريمة وكان الأخوة الثلاثة يضعون ما يختلسونه من المقبرة فى أجولة أرز ويخزنونها فى مخبأ سرى بمحل العطارة الذى يمتلكونه بمدينة الأقصر وكان يتم بيعها للأجانب والبعثات الأجنبية التي كانت تعمل في الأقصر آنذاك والذين كان نشاطهم الأساسي شراء الآثار المصرية وتهريبها للخارج ثم يقومون بدورهم ببيعها في دول أوروبا.
ولكن شاءت الأقدار في عام 1881م أن ينكشف سرها عندما قام فاروق البرجوازى المصرى بشراء زهريتين تعودان إلي العصر المصري القديم في حالة رائعة ولكن لسوء حظهما كان يراقبهم ويراقب المخبأ أحمد كمال باشا عميد الأثريين المصريين وأحد مساعدى العالم الفرنسي جاستون ماسبيرو المسؤول عن مصلحة الآثار المصرية حينذاك بشكل حذر وذلك بعد أن نما إلي علمه ظهور العديد من القطع الأثرية والبرديات الفرعوتية يتم الإتجار بها في بعض دول أوروبا والذى إشترى الزهريتين من فاروق فيما بعد وقام بعرضهما على ماسبيرو والذى أعجب بجمالهما ودقتهما النادرة وعرف أنهما لملوك عظام فذهب لعائلة عبد الرسول وطلب منهم معرفة المكان الذى أحضروا منه الزهريتين فرفضوا فابلغ عنهم رئيس شرطة الأقصر الذي أمر بالقبض علي أحمد عبد الرسول ورغم كل ما تعرض له فى السجن من الإستجوابات والرشاوى لكن رفض الإفصاح وخرج بعد شهرين وتم وضعه تحت المراقبة وبمجرد خروجه إجتمع مع أخوته وأراد أن يستغل الموقف لصالحه ويزيد نسبته نظرا لما تعرض له داخل السجن من أذى فرفضوا وحدث خلاف بينهم مما أدى إلى ذهاب أحمد عبد الرسول إلى رئيس شرطة الأقصر وإعترف له بمكان الخبيئة وفي ذلك الوقت كان ماسبيرو يقضي أجازة في باريس فإنطلق مساعده عالم المصريات الألماني إميل بروجش إلى المقبرة في يوم 6 يوليو عام 1881م وقام علي وجه السرعة بتطهير المقبرة خلال 48 ساعة وتم تسليمها لجاستون ماسبيرو الذى أعلن فى خطاب عالمى رسميا إكتشاف هذه الحبيئة وكان هذا الكشف الآثرى يعتبر من أكبر الإكتشافات الأثرية العظيمة التى لا يضاهيها عظمة بعد ذلك التاريخ إلا إكتشاف مقبرة توت عنخ آمون في الأقصر عام 1922م علي يد المستكشف الإنجليزى هوارد كارتر وفى النهاية تم نقل جميع المومياوات إلى متحف آثار بولاق فى ذلك الوقت حيث كان لم يتم بناء المتحف المصرى بالتحرير حينذاك وتم غلق فوهة المقبرة ومن الجدير بالذكر انه عند وصول المومياوات إلى القاهرة كان هناك منطقة جمارك ورفض موظف الجمارك دخول المومياوات لعدم وجود مثل هذا الصنف بالدفاتر ولذلك أشار عليه رئيسه بوجود كلمة سمك مملح وبالفعل دخلت المومياوات القاهرة على أنها سمك مملح .
وفي عام 1970م وبعد الإنتهاء من فيلم المومياء أخرج شادى عبد السلام فيلم ملون قصير مدته 20 دقيقة بإسم شكاوى الفلاح الفصيح وكان هو أيضا من كتب له السيناريو وكان من إنتاج مركز الفيلم التجريبى ولعب فيه دور البطولة الفنانون أحمد مرعى وأحمد حجازى وأحمد عنان وهذا الفيلم مأخوذ عن بردية من الأدب المصرى القديم عمرها حوالى أربعة آلاف عام بإعتبارها أول قصة فى التاريخ لا علاقه لها بالدين أو الأساطير حيث كانت مشكلة إجتماعيه لقروى بسيط يتجه بسلعته إلى السوق فيسرقه اللصوص ويطلب من العدالة أن تعيد له ما سلب منه لكن العدالة صامتة فيصرخ فى وجه السلطة بالشكاوى مطالبا إياها أن تكون على مستوى المسئولية موضحا صفات الحاكم العادل وتتوالى شكاواه وتزداد عنفا حتى يسترد ما سلب منه ويدون الحاكم شكاواه كى تحفظ للأجيال القادمة وقد حصل هذا الفيلم علي جائزة أسـد سان مارك الفضية بمهرجان فينسيا بإيطاليا وعلي شهادة الإشتراك بمهرجان لندن السينمائى الدولى عام 1970م وفي العام التالي 1971م حصل علي جائزة العلم الذهبى بمهرجان فالادوليد بأسبانيا وعلي جائزة أحسن فيلم بالمهرجان المصرى القومى للأفلام التسجيليه والقصيرة وفي نفس الوقت وبداية من عام 1970م عكف شادي عبد السلام علي تجهيز وإعداد مشروعه الكبير الثاني والذي لم ير النور حتى الآن وهو فيلم مأساة البيت الكبير أو كما عرف بإسم إخناتون نسبة إلى الشخصية المحورية فيه وهي شخصية إخناتون وكان إختيار شادى عبد السلام لهذه الشخصية لكي يقدمها في فيلمه ولتكون محورا لعمله يعكس خلفيته الفكرية فالرجل كان من دعاة العودة للفرعونية وعرف عنه بأنه قارئ نهم للتاريخ المصري القديم وقد وقف بإطلاعه الواسع على خصوبة سيرة إخناتون وقابليتها لأن تتحول إلى فيلم سينمائي فالفراعنة العظام مثل الملك مينا موحد القطرين وأحمس الأول قاهر الهكسوس ورمسيس الثاني قاهر الحيثيين ومشيد العديد من المعابد والمسلات على قيمتهم ليس في سيرهم ما يغري سينمائيا إذ غالبا ما يكتب المؤرخون بأن الفرعون الفلاني وحد مصر العليا والسفلى وإهتم بتشييد المعابد والمنشآت ودانت له البلاد الأسيوية المتاخمة وكانت له صولات وجولات مع الأعداء المتربصين بمصر وشهدت مصر تحت حكمه عهد رخاء إزدهرت فيه العلوم والفنون والعمارة أما إخناتون فقد كان على النقيض من ذلك فرعونا تراجيديا عاش في عالمه الروحي الخاص تاركا الإمبراطورية المصرية تتهاوى أمام عينيه .
وقد ظل شادى عبد السلام يعيد ويعدل في كتابة سيناريو هذا الفيلم عشر سنوات كاملة ما بين عام 1975م وعام 1985م وأثناءها قام بإعداد تصميمات وديكورات الفيلم بالإضافة إلى الأزياء والإكسسوارات الخاصة به مع فريقه التقني المصغر الذى كان رفيقا له في أعماله والذي يضم صلاح مرعي وكلفه بالديكور وتصميم الحلي والإكسسوارات وأنسي أبو سيف وكلفه بتصميم الملابس فيما تفرغ هو لإعداد مختلف الرسوم لصور التقطيع التقني من لوحات القصة وإسكتشات وغيرها ولشدة الحماس للعمل تم تنفيذ أجزاء عديدة من الديكور بكيفية فعلية وبعدها جاءت عمليات الكاستينج وكانت الفنانة نادية لطفي هي المرشحة الأولى لدور نفرتيتي زوجة إخناتون الأولى والمفضلة لديه إلا أنه مع تعثر المشروع وتوالي السنوات لم يعد عامل السن في مصلحتها فأقنعها شادي عبد السلام بقبول دور رئيسي آخر هو دور الملكة القوية تي زوجة الفرعون أمنحوتب الثالث وأم إخناتون وفي سعيه لتحقيق الكمال الفني ظل الهم الرئيسي لشادى عبد السلام هو البحث عن وجوه تطابق قسماتها وجوه باقي الشخصيات التاريخية كما وصلتنا من التماثيل والرسوم على جدران المعابد والمقابر وبعد حيرة في الوجه الذي سيجسد شخصية إخناتون صافحت أعينه في إحدى المطبوعات صورة معيد في المعهد العالي للفنون المسرحية يؤدي دور هاملت في مسرحية فأصر على الإنتقال بصحبة الكاتب لويس عوض والفنانة نادية لطفي لمعاينته عن قرب بعد أن جلس إلى المعني بالأمر الذي لم يكن سوى الفنان محمد صبحي والذى ظل يرمقه طويلا قبل أن يبادره بالقول أنا مغرم بوجهك وفي نهاية السبعينيات عثر شادي عبد السلام على الممثلة المثالية لدور نفرتيتي وكانت سوزان بدر الدين والتي تحول إسمها بعد ذلك إلى سوسن بدر وكانت طالبة بمعهد الفنون المسرحية حين إكتشفها شادي عبد السلام وهاله الشبه الكبير لقسمات وجهها مع التمثال النصفي لنفرتيتي المتواجد بمتحف برلين ويحكي أنه قد مازحها بدعابته المعهودة قائلا لها يخرب بيتك ده إنتي هربانة من معبد فرعوني قديم ولم يحتفظ شادي عبد السلام من فريق عمل المومياء بنادية لطفي فقط حيث رشح بطل فيلم المومياء أحمد مرعي لدور رئيسي مهم هو دور حور محب قائد جيوش إخناتون وسافر شادي بصحبة أعضاء فريق عمله لإختيار مواقع التصوير في المنيا والأقصر ثم بدأت بعض البروفات بين نادية لطفي ومحمد صبحي الذي أجرى تجارب بالماكياج والملابس على الشخصية مقدما نموذجا لما كان سيظهر على الشاشة وظل المخرج يجيب عندما يسئل عن الفيلم بأنه يحفظ عمله عن ظهر قلب وأن الفيلم مرسوم في ذهنه مشهد مشهد ولقطة لقطة وهو ينتظر فقط التمويل ليبدأ في التنفيذ .
وفي بداية التحضير لفيلم إخناتون خلال عام 1971م قدرت الميزانية التقديرية للفيلم ما يناهز نصف مليون جنيه مصري وكانت ميزانية فلكية بالمقارنة بما كان يكلفه أضخم إنتاج مصري حينها وكما هي العادة في السينما فكلما مر الوقت كلما تضاعفت الميزانية مع توالي السنين وأصبح شادي عبد السلام يرى أمام أعينه ميزانية مشروعه تتزايد سنويا بنفس مقدار الميزانية التقديرية الأولية لتستقر في عام 1975م علي مليونين ونصف المليون جنيه وكان خطأ شادي عبد السلام أن راهن على الدولة وقطاعها العام لإنتاج فيلمه ولم يقرأ المشهد الجديد جيدا حيث كانت قد تغيرت الظروف السياسية وحتمت سياسة الإنفتاح على الدولة الإنسحاب تماما من الإنتاج السينمائي كما تغيرت الأشخاص المسؤولة في الدولة فلم يكن يوسف السباعي وأنور السادات مثل ثروت عكاشة وجمال عبد الناصر مما تسبب في ضياع الكثير من الوقت في وهم التمويل العمومي ونقل عن كثيرين ممن كانوا قريبين منه ترديده بأن فيلم إخناتون لن ينجز إلا بأموال مصرية وأن العمل مشروع قومي ولن يقبل أن يتضمن تمويله أي رأس مال أجنبي وذلك علي الرغم من وجود تقليد بنسبة الأعمال السينمائية لبلدان مخرجيها وعلى سبيل المقابلة وخلال نفس الفترة التي كان فيها شادي عبد السلام يحاول جاهدا أن ينتج فيلمه لم يكن يوسف شاهين لينجز مجمل أعماله لولا الإنتاج المشترك فلقد بات مسلما به بأن أفلام الفن والتجريب المكلفة لا يمكن أن ترى النور إلا عن طريق الإنتاج المشترك أو بالتمويل الأجنبي التام وقيل في ذلك الوقت ولا نعلم إن كان ذلك حقيقة أم خيال إن مستثمرين إسرائليين عرضوا تمويل المشروع إلا أن المخرج رفض مناقشة العرض حتى لا يمنحهم إدعاء فضل إنجاز الفيلم كما إدعوا بناء الأهرام وقيل أيضا أن دولا عربية كثيرة عرضت تمويل الفيلم منها ليبيا والعراق وسوريا وإذا كان رفض التمويل الإسرائيلي يبدو مبررا فإنه ثار تساؤل يبقى مطروحا عن سبب تنحية المخرج عروض هذه الدول خاصة أمام تخاذل القطاع العام في مصر ويجيب علي هذا التساؤل من عايشوا الرجل بأن كل هذه العروض كانت لها شروطها الخاصة التي لم يكن شادي ليقبل بها كأن يستعين مثلا بعدد من الممثلين والفنيين من مواطني هذه الدول ووصلت الملهاة ذروتها حين إشترط أحد هذه العروض الذي يرجح أن يكون ليبيا إبراز عروبة إخناتون وفضلا عن ذلك فقد عرض منتج أميريكي مستقل تمويل إنتاج الفيلم بشرط إسناد دور إخناتون للنجم العالمي عمر الشريف وكان حينها كهلا قد تعدى الخمسين عاما وهو ما إعتبره شادي عبثا لأن إخناتون نفسه مات وهو دون الخامسة والعشرين من عمره وهو طبعا ما رفضه حيث كان يرفض المنطق التجاري من أساسه ومن جانب آخر ظل يسعى إلى أن تقوم وزارة الثقافة بإنتاج الفيلم الذي يتطلب تكلفة إنتاجية عالية لكن جهوده في النهاية باءت بالفشل .
وبلا شك أن شادي عبد السلام قد أضاع وقتا طويلا في إستجداء التمويل العمومي للفيلم ولو توجه إلى بحث فرص الإنتاج المشترك لخرج بفيلمه مع بعض التنازلات التي لن تمس جوهر الرؤية الفنية وبالفعل إقتنع في النهاية بهذا الطريق بعد أن أصابه اليأس من التمويل داخل بلده سواء من القطاعين العام أو الخاص وبعد معاناة وطول إنتظار حصل علي عرضين جديين قدما له دون شروط إحداهما من المؤسسة العامة للسينما بدولة الجزائر والثاني من إحدى الجهات الإنتاجية الفرنسية إلا أنه مع الأسف لم يمهله القدر لينجز حلم حياته ليسلم الروح بالقاهرة يوم 8 أكتوبر عام 1985م عن عمر يناهز 56 عاما متأثرا بمضاعفات مرض سرطان البروستاتا وتكريما له عندما إحتفلت مكتبة الإسكندرية بمرور 75 عاماً على مولده في عام 2005م تم تخصيص قاعة بالمكتبة لأعماله تتضمن أزياء وديكورات وإكسسوارات ورسومات وضعها خلال مسيرته الفنية كما تأسست جمعية أصدقاء شادى عبد السلام بعد وفانه وقامت بجمع تراثه السينمائي المكون من لوحات وإسكتشات رسمها لمناظر وأزياء في أفلام شارك فيها سواء من إخراجه أو من إخراج غيره إلى جوار الإحتفاظ بمكتبته وأوراقه الخاصة وصوره المختلفة التي تجمعه مع أقرانه المبدعين العرب والعالميين في مناسبات عديدة ومع أطقم أفلامه من الممثلين والفنيين كما تضم نصوص سيناريوهات أفلامه وملخصات لأفكار حضارية وثقافية وكتب في شتى المعارف الإنسانية ومن ضمنها الحضارة المصرية القديمة وأيضا هناك مقتنيات خاصة به منها بعض من ملابسه والحلي والإكسسوارات الخاصة والجوائز وشهادات التقدير التي حصل عليها . |