بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”
عبد الرحمن بن حسن جاويش القازدوغلي والمعروف بإسم عبد الرحمن كتخدا أي محافظ مصر كان أميرا وبناءا ومهندسا مصريا عظيما وهو يعد واحدا من أعظم الراعين للحركة المعمارية وربما كان الأنشط في تاريخ القاهرة كلها خلال العصر العثماني خلال الربعين الثاني والثالث من القرن الثامن عشر الميلادى وبالتحديد خلال عصر علي بك الكبير والذى كان قد حكم القاهرة كشيخ للبلد مرتين حيث كان يتطلع إلى هذا المنصب ولم يكن الوصول إلى هذا المنصب سهلا ميسورا بل كان دائما مفروشا بالصعاب والعقبات وممتلئا بالخصوم والمنافسين فبدأ بشراء المماليك والإكثار منهم وتدريبهم على فنون الحرب والقتال والإستعداد للساعة الحاسمة التي يفوز فيها بالمنصب الكبير وجاءت هذه الساعة في عام 1763م حيث إعتلى كرسي مشيخة البلد بالقاهرة لكنه لم ينجح في الإحتفاظ به وأجبره خصومه على الفرار من القاهرة إلى الصعيد تارة وإلى الحجاز تارة وإلى الشام تارة أخرى ولم يثنه ذلك عن التطلع إلى منصب شيخ البلد مرة ثانية فلم ييأس ويستسلم لهذا الأمر وعمل من جديد لكي يصل إلي منصبه الذى فقده وبالفعل إستطاع العودة إلى منصبه الأثير عام 1767م وهو أعظم قوة وأكثر عددا ولما إستتب له الأمر إلتفت إلى من بقي من خصومه ولم يسلم من هذه الإجراءات أيضا من قدموا له العون والمساعدة وإتسمت إجراءاته معهم بالقسوة والعنف حتى وصفه الجبرتي بأنه هو الذي إبتدع المصادرات وسلب الأموال وإقتدى به غيره فيما بعد حيث صادر أموال بعضهم وبطش ببعضهم ونفي بعضهم إلى خارج البلاد وكان ممن نفاهم بطلنا عبد الرحمن كتخدا لشدة حقده وغيرته من مكانته في مصر وحب الشعب له وذلك في أول شهر ذي القعدة عام 1178 هجرية الموافق 21 أبريل عام 1765م وكان منفاه في أرض الحجاز وإستمر منفيا هناك لمدة 12 عاما وبذلك بسط علي بك الكبير سيطرته على البلاد لكن علي الرغم من ذلك ظلت ذكراه وسيرته العطرة مستمرة في ذاكرة الشعب المصري وخاطره مع مر الأيام وتوالي السنين وكلما مروا أمام مبانيه العظيمة التي شيدها في أنحاء القاهرة تتملكهم مشاعر الغضب المكبوتة لظلم الحاكم الطاغية علي بك الكبير لمحبوبهم عبد الرحمن كتخدا .
وكان الأمير عبد الرحمن كتخدا قد تدرج في المناصب العسكرية حتى أصبح مسئولا عن الجيش ففي عام 1150 هجرية الموافق عام 1737م رقي إلى رتبة جاويش ثم باش جاويش وفي عام 1152 هجرية الموافق عام 1739م حل الأمير عبد الرحمن كتخدا محل سليمان جاويش في منصب السردار أو القائد العام وقد عشق عبد الرحمن كتخدا فن البناء وورث ميوله الفنية عن أبيه عثمان كتخدا الذي كان له ميول فنية في العمارة الإسلامية فتفوق عليه حيث كانت لعبد الرحمن ملكة وموهبة متميزة في هندسة المباني كانت دائما تعبر عن جمال وروعة العمارة الإسلامية بما لها من بهجة وطابع شرقي يجذب المشاهد برونقها وعناصرها المعمارية والزخرفية ولذا فهو يعتبر في مقدمة الساعين إلي تجميل القاهرة وترصيعها بمباني متميزة جمعت في طرازها وطريقة بنائها بين النواحي الفنية والجمالية التي تشهد وتنطق بها هذه المباني خاصة وأنه كان صاحب نفوذ قبل عصر الطاغية علي بك الكبير وإستطاع أن يشيد مما جمعه من ثروة مدرسة ومسجدا وسبيلا وكتابا وفي يوم إفتتاح السبيل والكتاب ملأ حوضا كبيرا مد يده بكل ما وصلت إليه من الأواني بالشراب المحلى بالسكر ليسقي الأهالي وكانت الأسبلة والتي تعلوها الكتاتيب التي كانت تستخدم لتعليم القرآن الكريم كصدقة جارية أيضا مثل مياه السبيل قد إنتشر بناؤها فى العصر المملوكي ومن بعده العصر العثماني حيث كانت الأسبلة تستخدم لتزويد عابري السبيل بالماء سواء داخل أو خارج مدينة القاهرة العاصمة ولكن مع ملاحظة أن هذه الأسبلة لم تغن عن دور السقا حيث كان له دوره الهام فلم تكن هذه الأسبلة منتشرة في كافة أنحاء البلاد فكان السقا يقوم بحمل الماء من السبيل لتوصيله إلى المنازل البعيدة عنه وفيها تبارى أهالي الخير في إنشاء الأسبلة وإعتبرها الأغنياء نوع من الصدقة الجارية فتبارى الأمراء والأثرياء فى تشييدها بأشكال وأحجام مختلفة وكانت في البداية تلحق بالمساجد ثم مع الوقت أصبحت تبني منفصلة عن المساجد وقد حظيت مدينة القاهرة بنصيب كبير من هذه الأسبلة فقد تركزت الأسبلة فى المناطق الآهلة بالسكان وفى الأسواق والأحياء التجارية والصناعية مثل شارع المعز وشارع الصليبة وحى الجمالية وحى الغورية وشارع التبليطة وحى السيدة زينب وشارع البتانة وغيرها وكان منها غير سبيل وكتاب عبد الرحمن كتخدا سبيل سليمان أغا السلحدار وسبيل نفيسة البيضا وسبيل خسرو باشا بشارع المعز وسبيل محمد علي بالنحاسين وسبيل محمد علي بالعقادين وسبيل أم عباس الذي يقع عند تقاطع شارع الركبية وشارع السيوفية وسبيل علي بك الكبير بطنطا عاصمة محافظة الغربية وغيرها وكان السبيل يتكون عادة من بناء بباطن الأرض لتخزين المياه ويعلوه مباشرة بناء آخر لتوزيع هذا الماء على المارة والذى كان بعلوه الكتاب وقد إختلفت أشكال الأسبلة وأنماطها من وقت إلى آخر وظهر هذا بوضوح فى عمارة الأسبلة العثمانية ومنها النمط المصرى المحلى والثانى التركى العثمانى وبالطبع كان النمط المصرى هو السائد فى القاهرة وقد بلغ عدد الأسبلة التى شيدت على هذا النمط عدد 63 سبيلا ضمن عدد 70 باقية فى القاهرة وتعود لهذا العصر . وقد تم تأسيس سبيل وكتاب عبد الرحمن كتخدا والذى يقع في شارع المعز بمنطقة القاهرة الفاطمية عام 1147 هجرية الموافق عام 1744م وهو يتكون من حجرة تسمي حجرة السبيل وهي عبارة عن مساحة مربعة تحوى بكل من أضلاعها الجنوبية الشرقية والجنوبية الغربية والشمالية الغربية ثلاث دخلات بواقع دخلة بكل ضلع معقودة بعقد نصف دائرى وتحوى كل دخلة شباك للتسبيل مصنوع من النحاس المسبوك وبأرضية كل شباك حوض رخامى مستطيل أما الضلع الشمالي الشرقي فيحوى باب الدخول لحجرة السبيل من الدركاة تجاوره خزانة حائطية يعلوها شباك يشرف على السلم المؤدى إلى الكتاب ويغشى جدران السبيل تجميعات رائعة من البلاطات الخزفية العثمانية الطراز وأهم ما يميزها أنها تتضمن لوحة خزفية تمثل الكعبة المشرفة وسقف غرفة التسبيل خشبى ذو زخارف ملونة قوامها الأطباق النجمية وأجزاءها ويرتكز على إزار ذى حنايا ركنية ووسطية مقرنصة غير ممتدة أما الكتاب فيعلو حجرة السبيل ويتم الوصول إليه من السلم الموجود أمام الدركاة وهو يتكون من مساحة مربعة لكل من أضلاعها الجنوبية الشرقية والجنوبية الغريبة والشمالية الغربية ثلاث بائكات بواقع بائكة بكل ضلع تتكون من عقدين علي هيئة حدوة فرس ويرتكزان على ثلاثة أعمدة رخامية وشغل داخل كل عقد بدرابزين من خشب الخرط ويسقف الكتاب سقف خشبى ذو زخارف ملونة ويوجد خلف البائكات الثلاث الحجرية ممر له سقف خشبى بنفس الزخارف السابقة ولهذا الممر ثلاث واجهات كل واجهة منها عبارة عن بائكة خشبية تتكون من خمسة عقود نصف دائرية ترتكز على أعمدة خشبية ويغشى أسفل هذه الواجهات الخشبية الثلاث حجاب من خشب الخرط يعلوه صف من البائكات المعقودة ويقع مدخل السبيل في الواجهة المطلة على الشارع الجانبى شارع التمبكشية على يسار الواجهة الجنوبية وهو يشبه المداخل المملوكية وهو يتكون من حائط غائر يتوجه عقد ثلاثي الفصوص سقف بنصف قبة تزخرفها صفوف من المقرنصات وهو يحتل الركن الشرقي من الواجهة الجنوبية الشرقية ويبرز عنها قليلا ويتوسط الحائط الغائر باب السبيل وهو مغطي برخام ملون ويعلوه عتب مستقيم نقش عليه أبيات من الشعر وتعلو العتب وحدة زخرفية رخامية عبارة عن دائرة متوسطة تحتوي على نص تأسيسي يحيط بها أربع دوائر صغيرة والنص التأسيسي عبارة عن نقوش خطية تضم إسم منشئ السبيل وتاريخ الإنشاء .
وإلي جانب سبيل وكتاب عبد الرحمن كتخدا توجد أيضا له العديد من الاثار الأخرى بالقاهرة منها الزاوية المعروفة بإسمه بمنطقة المغربلين والتي أنشأها عام 1142 هجرية الموافق عام 1729م ويعتبر هذا الأثر من أجمل آثاره بمدينة القاهرة فواجهته من الحجر وتمتاز بالزخارف الجميلة المنحوتة نحتا متقنا وهذا البناء مكون من طابقين يحتوي الطابق الأرضي منه علي ثلاثة حوانيت تشرف علي الشارع وتوجد خلفها من الداخل حنفيات للوضوء يصل إليها الإنسان من مدخل الزاوية أما الطابق العلوي فيحتوي علي قاعة كبيرة للصلاة يصعد إليها بدرج ولها ثلاث نوافذ مستطيلة كبيرة تطل علي الطريق وعليها خشب خرط علي شكل تربيعات صغيرة من نوع المشربيات والسقف مكون من كمرات من الخشب ومزخرف بزخارف ملونة والدرج يصل إلي ردهة تتقدم المصلي ويواجهها باب يصل إلي سلم صغير يصل الإنسان منه إلي شرفة صغيرة تقع فوق مدخل الزاوية وتحمل هذه الشرفة من الخارج عدة صفوف أفقية من المقرنصات الجميلة وهي تقوم مقام المئذنة في الدعوة للصلاة ومدخل الزاوية يعلوه عقد مدبب ذو صفين يتكون من صنجات صغيرة متقاربة ويغطي المدخل عتب يعلوه منطقة محصورة بين العتب والعقد العاتق مغطاة ببلاطات القيشاني الملون ومزخرفة بزخارف نباتية ملونة من صناعة آسيا الصغري والعقد الكبير المحيط بالمدخل مرتكز علي عمودين من الرخام من نوع الأعمدة الدورية وفتحات النوافذ الثلاثة المستطيلة الشكل المطلة علي الشارع يحيط بها عقود ذات فصوص وترتكز علي أعمدة متصلة بالحائط ولها تيجان علي شكل المقرنص أما بدن الأعمدة فمقسم إلي جزئين العلوي منها مجدول حلزونيا والسفلي مزخرف بزخارف نباتية جميلة ومجموعة الثلاثة عقود ذوات الفصوص محاطة بإطار مستطيل ويتوسط الزاوية مربع مكشوف تحيط به أروقة من جميع الجهات ويحتوى كل رواق على صف واحد من البوائك المكونة من عقود مدببة ممتدة عددها خمسة تقوم على أربعة أعمدة رخامية أما رواق القبلة فيحتوى على ثلاث بوائك فقط وقد إعتنت لجنة حفظ الآثار العربية بهذه الزاوية عام 1933م فأزالت الدكاكين التي كانت تحجب الواجهة الشمالية لها وتم إصلاحها فظهرت بعد أن كانت مختفية وفي عام 1939م ازالت منزلا كان يجاور الباب الشمالي لها وأكملت بناء الواجهة وقد تأثرت هذه الزاوية بالزلزال الذي حدث بالقاهرة في شهر أكتوبر عام 1992م وأدى إلى حدوث خلل في أسقفها وجدرانها وقامت هيئة الآثار المصرية بتجديدها تجديدا شاملا في عام 2001م .
وبالإضافة إلي سبيل وكتاب عبد الرحمن كتخدا وزاويته كان من أعماله المعمارية أيضا أنه زاد في بناء الجامع الأزهر الشريف فزاد في طوله وعرضه بخمسين عامودا من الرخام عليها بوائك مرتفعة من الحجر المنحوت وبني محرابا جديدا له وأقام له منبرا جهة حارة كتامة سمي بباب الصعايدة وبني أعلاه مكتبا بقناطر معقودة علي أعمدة من الرخام لتعليم أطفال الأيتام وهذه الزيادة تكاد تكون نصف الجزء المسقوف في جهة القبلة وحدها وهي تتميز بأنها أعلى من أرض المسجد القديم كما قام بإقامة منارة به والتي توجد في الركن الجنوبي الشرقي للجامع عند باب الصعايدة الذى قام بإضافته إلي الجامع بالإضافة إلي باب الشورية وهذه المنارة على يمين الداخل للجامع علاوة علي قيامه بإعادة بناء المدرسة الطبرسية في مدخل الأزهر وجعلها مع مدرسة الأقبغاوية المقابلة لها من داخل الباب الكبير وكانت المدرسة الطيبرسية قد بنيت في عصر المماليك وتحديدا في أوائل القرن الرابع عشر الميلادى في عصر السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون عام 1309م علي يد الأمير علاء الدين طيبرس قائد الجيوش وتم الحاقها بالأزهر وهي من أحسن المباني فخامة وعظمة كما بنى كتخدا أيضا مساجد لأحفاد رسول الله صلي الله عليه وسلم منها المشهد الحسيني ومشهد السيدة زينب ومشهد السيدة سكينة ومشهد السيدة فاطمة ومشهد السيدة رقية ومشهد السيدة عائشة والذى يقع بالقرب من باب القرافة الذى كان قد بناه السلطان صلاح الدين الأيوبي عام 1176م ويعد من أبواب القاهرة الخارجية الذي كان يخرج منه أهل المدينة إلى قرافة الإمام الشافعي ويقع حاليا في طريق صلاح سالم بمنطقة السيدة عائشة بحي الخليفة بالقاهرة وأيضا قام بتحويل زاوية الشيخ العارف بالله أبو السعود الجارحى إلي مسجد والشيخ المذكور يعد أحد شيوخ المتصوفين في أوائل القرن العاشر الهجرى الموافق لأوائل القرن السادس عشر الميلادى والتى كانت تقع بالقرب من منطقة كوم الجارحى شرق جامع عمرو بن العاص وكان قد توفى عام 931 هجرية الموافق عام 1525م ودفن بزاويته فى السرداب الذى كان يعتكف فيه ويشتمل المسجد حاليا على ثلاث بوائك وله مئذنة وبه ضريح الشيخ أبو السعود الجارحى والذى كتب عليه ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وملحق به أيضا قبور ومساكن للخدم وقد جدد هذا الضريح محمد طاهر باشا إبن الأميرة أمينة إبنة الخديوى إسماعيل وإبن عمة الملك فاروق ولهذا المسجد أوقاف خاصة به وبشكل مجمل فقد بلغ عدد المساجد التي شيدها عبد الرحمن كتخدا 18 مسجدا كما قام أيضا بتجديد المدرسة السيوفية والتي كان قد وقفها السلطان صلاح الدين الأيوبي على الحنفية عام 572 هجرية الموافق عام 1176م وكانت أول مدرسة وقفت على الحنفية بديار مصر وعرفت بهذا الإسم لأن سوق السيوفيين كان في ذلك الوقت على بابها وجدد كتخدا أيضا البيمارستان المنصوري الذى يقع بشارع المعز بمنطقة بين القصرين والذى يعد أقدم البيماراستانات في مصر وجدير بالذكر أن عبد الرحمن كتخدا قد أوقف الكثير من الأملاك للصرف من ريعها علي ما شيده من مساجد وأسبلة وفضلا عن ذلك كان من أجمل عمائره دار سكنه الخاص بحارة عابدين وكانت من الدور العظيمة المحكمة الإتقان والبناء لم تماثلها دار بمصر في حسنها وزخرفة مجالسها وبابها من النقوش والرخام والقيشاني إلي جانب بستانها البديع الذى كان بداخله قاعة متسعة بوسطها نافورة مفروشة بالرخام .
وكان من أشهر حكايات عبد الرحمن كتخدا التى رواها الجبرتى حكايته مع الدجال والعنزة وكانت في عام 1172 هجرية الموافق عام 1759م حيث أخرج كبير خدام المشهد النفيسي وإسمه الشيخ عبد اللطيف للناس عنزا صغيرة زعم أن أسارى المسلمين بأرض الفرنج قد أحضروها معهم بعد أن توسلوا بالسيدة نفيسة وهم في الأسر ليخرجوا منه وكانت تلك العنز معهم وقد عزموا على أكلها ولكن بعد أن توسلوا بالسيدة نفيسة جاء سجانهم وأطلقهم وحذرهم من ذبح العنز ولما حضر الأسرى إلى مصر صحبوا معهم تلك العنز وذهبوا للمشهد النفيسي فوجدوا أن العنز قد وقفت عند المقام ثم صعدت على المنارة وسمعوها وهي تتكلم وسمعوا السيدة نفيسة وهي تتكلم من قبرها وتوصى بتلك العنز إلى غير ذلك من الأكاذيب والخرافات وأن الشيخ عبد اللطيف هذا قد سمع كلامها وأسبغ على العنز كرامات السيدة نفيسة وتسامع الناس بذلك فأقبلوا من كل فج لزيارة تلك العنز وأتوا إليها بالنذور والهدايا فقال لهم كبير الدجالين عبد اللطيف أنها لا تأكل إلا قلب اللوز والفستق وتشرب ماء الورد والسكر المكرر ونحو ذلك فأتوه بأصناف ذلك قناطير مقنطرة وعمل النساء للعنز القلائد الذهبية والأطواق والحلي وإفتتنوا بها وشاع خبرها وسط الأمراء وأكابر النساء وأرسلن على قدر مقامهن من النذور والهدايا وذهبن لزيارتها ومشاهدتها وإزدحمن عليها فأرسل عبد الرحمن كتخدا إلى الشيخ عبد اللطيف وإلتمس منه حضوره إليه بتلك العنز ليتبرك بها هو وحريمه وكان عبد الرحمن يكره البدع وخرافات الصوفية وأراد أن يبين للناس كذب هؤلاء الدجالين فركب الشيخ عبد اللطيف بغلته والعنز في حجره ومعه طبول وزمور وبيارق ومشايخ وحوله الجم الغفير من الناس ودخل بيت كتخدا على تلك الصورة وصعد بها إلى مجلسه وعنده الكثير من الأمراء والأعيان فأمر بإدخالها إلى الحريم ليتبركن بها وقد أوصى الأمير طباخه بأن يذبح العنز ويطبخها وبالفعل ذبحت وطبخت وقدم طعام الغداء للحاضرين ومن ضمنه العنز وأكلوا منها وأكل الشيخ عبد اللطيف وكتخدا يقول له كل يا شيخ عبد اللطيف من هذا الرميس السمين فيأكل منها ويقول والله إنه طيب ومستو ونفيس وهو لا يعلم أنه عنزه فلما فرغوا من الأكل وشربوا القهوة وطلب الشيخ عبد اللطيف عنزه قال له الأمير إنها هي التي كانت بين يديك في الصحن وأكلتها فبهت عبد اللطيف فبكته كتخدا ووبخه وأمره بالإنصراف وأمره بوضع جلد العنز على عمامته ويذهب بها كما جاء بجمعيته وبين يديه الطبول والزمامير والمشايخ لتكون له فضيحة وكشفاً لأباطيله وخرافاته التي أخذ بها أموال الناس بالباطل .
وعلاوة علي كل ما سبق كان من مآثر عبد الرحمن كتخدا أيضا أنه كان أول من أعد موائد الرحمن أمام بيته فى شهر رمضان وكانت القصاع الكبيرة على حد وصف الجبرتى تخرج من قصر الأمير عبد الرحمن كتخدا عند الإفطار مملوءة باللحم المسقى بالمرق ليعطيها للفقراء وخصص مشرفاً يعطى لكل محتاج رغيفين وشيئاً من المال للسحور وكان أيضا أول من رتب للعميان الفقراء كساء من الصوف يعطيه لهم قبل حلول الشتاء من كل سنة وأول من رتب لمؤذنى المساجد ملابس ثقيلة تقيهم برد الشتاء عندما يصعدون إلى المآذن لرفع آذان الفجر وأخيرا وكما ذكرنا في السطور السابقة تم نفي عبد الرحمن كتخدا من مصر إلي أرض الحجاز عام 1765م ولما طالت به الغربة أرقه الشوق في منفاه الي أرض مصر وأضناه فراق الشعب المحبب إليه وضاق صدره بالظلم الذي وقع عليه حتي أصبح لايري النوم إلا غرارا وأخذ يتنقل بين مكة المكرمة والمدينة المنورة لكي يشعر براحة فكره ولكن حنينه لشعب مصر الطيب وترابها أخذ يلاحقه أينما ولي حتي وقع في الشيخوخة قبل أوانها فضمر جسمه وإنحني ظهره وبطأت خطاه وضعف بصره وكان وكلما حاول النوم تلاحقه الأفكار الخاصة بتجميل القاهرة وحرمانه من تنفيذ مآربه ويتمني العودة لتحقيق أمانيه وشاء الله أن يعود الي مصر في عام 1190 هجرية الموافق أواخر عام 1776م مع أمير الحج يوسف بك بعد هزيمة شيخ البلد الطاغية علي بك الكبير وتولي محمد بك أبو الدهب حكم مصر وفرح عبد الرحمن كتخدا بعودته الي محبوبته مصر ودخل داره بحارة عابدين هزيلا من مآسي الحياة وأقام فيها أحد عشر يوما ثم إنتقل الي رحمة الرحمن راضيا مرضيا وعندما علم شعب القاهرة بوفاته توافد علي داره العلماء والأساتذة والطلبة وعامة الشعب وتسابقوا في حمل نعشه علي الأكتاف من عابدين الي مدفنه الذي أعده لنفسه عند الباب الشرقي بالجامع الأزهر ويقع هذا الضريح في حجرة عليها قبة يعلوها تركيبة مزينة بعدة كتابات وحزن الشعب عليه حزنا شديدا حيث رحل رجل عظيم كان عاشقا لمصر وكانت روحه فى أرضها وفى جوها وحتي فى طيرها . |