بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”
محمود سامي البارودى باشا سياسي وعسكرى وشاعر مصري ينتمي إلي أسرة مؤثرة لها صلة بأمور الحكم وهو أحد زعماء الثورة العرابية ولقد تولى نظارة الحربية ثم رئاسة النظارة بإختيار الثوار له وقد نشأ طموحا وتبوأ مناصب مهمة بعد أن إلتحق بالسلك العسكري وقد ثقف نفسه بالإطلاع على التراث العربي ولا سيما الأدبي فقرأ دواوين الشعراء وحفظ شعرهم وهو في مقتبل عمره وأُعجب بالشعراء المجددين مثل أبي تمام والبحتري والشريف الرضي والمتنبي وغيرهم وهو يعد أيضا رائد مدرسة البعث والإحياء في الشعر العربي الحديث حيث وثب به وثبة عالية لم يكن يحلم بها معاصروه ففكه من قيوده البديعية وأغراضه الضيقة ووصله بروائعه القديمة وصياغتها المحكمة وربطه بحياته وحياة أمته ونظرا لجمعه بين المناصب العسكرية والشعر فقد لقب برب السيف والقلم وكان مولده في يوم 27 رجب عام 1255 هجرية الموافق يوم 6 أكتوبر عام 1839م في القاهرة لأبوين من أصل شركسي وكان أجداده ملتزمي إقطاعية إيتاي البارود بمحافظة البحيرة وكانوا يجمعون الضرائب من أهلها وقد نشأ البارودي في أسرة على قدر معقول من الثراء والسلطان فأبوه كان ضابطا في الجيش المصري برتبة لواء وعين مديرا لمدينتي بربر ودنقلة في السودان ومات هناك وكان محمود سامي حينئذ طفلا في السابعة من عمره وكان قد بدأ حينذاك في تلقي دروسه الأولى فتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ النحو والصرف ودرس شيئا من الفقه والتاريخ والحساب وأتم دراسته الإبتدائية في عام 1851م وكان عمره حينذاك 12 عاما وجدير بالذكر أنه لم تكن هناك في ذلك الوقت سوى مدرسة واحدة لتدريس المرحلة الإبتدائية وهي مدرسة المبتديان وكانت خاصة بالأسر المرموقة وأولاد الأكابر ومع أنه كان من أسرة مرموقة فإن والدته جلبت له المعلمين لتعليمه في البيت وبعد المرحلة الإبتدائية إلتحق في عام 1852م بالمدرسة التجهيزية والتي كان قد أنشأها محمد علي باشا عام 1836م من أجل إعداد وتجهيز طلبتها للإلتحاق بالمدارس العسكرية بهدف تكوين جيش مصري قوى يستطيع أن يدافع عن مصر وأن يحقق أحلامه في تكوين إمبراطورية تضم مصر والسودان وبلاد الشام والحجاز والتي نحولت فيما بعد في عام 1889م لتصبح المدرسة الخديوية الثانوية للبنين وإنتظم محمود سامي فيها يدرس فنون الحرب وعلوم الدين واللغة والحساب والجبر كما أنه قد بدأ يظهر شغفًا بالشعر العربي وشعرائه الفحول . وتخرج محمود سامي من هذه المدرسة عام 1855م برتبة باشجاويش وإلتحق بالجيش السلطاني وبعد سنتين وفي عام 1857م سافر إلي الآستانة عاصمة الدولة العثمانية وإلتحق بالعمل في وزارة الخارجية وتمكن في أثناء إقامته هناك من إتقان اللغتين التركية والفارسية ومطالعة آدابهما وحفظ كثيرا من أشعارهما ودعته سليقته الشعرية المتوهجة إلى نظم الشعر بهما مثلما كان ينظم الشعر باللغة العربية ولما سافر الخديوي إسماعيل إلى العاصمة العثمانية بعد توليه العرش في شهر يناير عام 1863م خلفا لعمه محمد سعيد باشا ليقدم آيات الشكر للخليفة العثماني عبد العزيز خان قابل البارودى وألحقه بحاشيته فعاد إلى مصر في شهر فبراير عام 1863م بعد غيبة طويلة إمتدت حوالي 7 سنوات وعينه الخديوى إسماعيل معاونا لأحمد خيري باشا على إدارة المكاتبات بين مصر والآستانة ولكنه ضاق ذرعا برتابة العمل الديواني ونزعت نفسه إلى تحقيق آماله في حياة الفروسية والجهاد فنجح في شهر يوليو عام 1863م في الإنتقال إلى صفوف الجيش وأُلحقَ بآلاي الحرس الخديوي وتولي قيادة كتيبتين من فرسانه وحصل علي رتبة بكباشي وأثبت كفاءة عالية في عملهِ ولذا فقد إنتدب مع جماعة من الضباط النابهين لمشاهدة بعض التدريبات العسكرية في فرنسا وسافر منها إلى لندن وعاد إلى مصر فرقاه الخديوي إسماعيل في عام 1865م إلى رتبة قائمقام في آلاي الفرسان ثم إلى رتبة أميرالاي وفي هذه المرحلة من حياته إشترك في الحملة العسكرية التي خرجت عام 1865م لمساندة الجيش العثماني في إخماد الفتنة التي نشبت في جزيرة كريت وإستمر في تلك المهمة لمدة عامين وأبلى فيها البارودي بلاءا حسنًا وجرى الشعر على لسانه يتغنى ببلده الذي فارقه ليصف جانبا من الحرب التي خاض غمارها في رائعة من روائعه الخالدة التي مطلعها أخذ الكرى بمعاقد الأجفان وهفا السرى بأعنة الفرسان وبعد عودته من جزيرة كريت عاد إلى المعية الخديوية وعين بمنصب المرافق الشخصي أو الياور الخاص بالخديوي إسماعيل وظل في هذا المنصب لمدة ثمانية أعوام حتي شهر يونيو عام 1873م ثم تم تعيينه كبيرا لياوران ولي العهد الأمير محمد توفيق باشا بن الخديوى إسماعيل ومكث في هذا المنصبِ سنتين ونصف السنة عاد بعدها إلى معية الخديوي إسماعيل كاتما لسره أي سكرتيرا خاصا ولكنه حن إلى حياة الجندية فترك معية الخديوي وإلتحق بالجيش ومابين عام 1877م وعام 1878م شارك في الحرب الروسية العثمانية التي دارت في ذلك الوقت بعد خلع السلطان العثماني عبد العزيز خان في شهر مايو عام 1876م بعد أن ساءت أحوال الدولة وإضطربت أحوالها خاصة بعد إعلان إفلاس الدولة في عام 1875م وإنتهزت روسيا الفرصة وقادت التحالف الأرثوذكسي الشرقي والذى كان يتألف من العديد من دول البلقان وهي رومانيا وبلغاريا والصرب وقد بدأت هذه الحرب بعد فشل مؤتمر ترسانة الذى عقد في يوم 28 ديسمبر عام 1876م بمبني نظارة البحرية بإلآستانة والذى كان يستهدف الوصول إلى حل بين الدولة العثمانية والصرب بحضور مندوبين من روسيا ومن عدة دول أوروبية ولم تتفق الأطراف المختلفة على حل مرضي .
وقد تمخض عن فشل هذا المؤتمر قيام الحرب المشار إليها خاصة وأن روسيا كانت تبحث عن ذريعة للتدخل في شئون الدولة العثمانية وحدث أن إستنجدت الدولة العثمانية بمصر في حربها ضد روسيا وحلفائها وإستجاب الخديوى إسماعيل لها وأعد حملة ضخمة لمساندتها وكان البارودي ضمن قادتها ونزلت هذه الحملة في وارنة أحد ثغور البحر الأسود وحاربت في أوكرانيا ببسالة وشجاعة غير أن الهزيمة لحقت بالعثمانيين وإنتهت هذه الحرب في شهر مارس عام 1878م وإستطاعت روسيا خلالها أن تحقق نصرا ساحقا علي العثمانيين حيث بنهاية الحرب خسرت الدولة العثمانية العديد من ممتلكاتها في القارة الأوروبية وأصبح لصربيا والجبل الأسود السيادة علي أراضيهما وأعلنتا رسميا الاستقلال عن الدولة العثمانية بعد ما يقرب من خمسة قرون من الهيمنة العثمانية عليهما وأُعيد تأسيس الدولة البلغارية في إمارة بلغاريا وهي تغطي الأراضي الواقعة بين نهر الدانوب وجبال البلقان كما سمح للإمبراطورية النمساوية المجرية بإحتلال البوسنة والهرسك وللمملكة المتحدة بتولي قبرص وفي الحقيقة كانت هذه الحرب بداية لسلسة من الضربات الموجعة التي وجهت للدولة العثمانية والتي فقدت تدريجيا ممتلكاتها في قارتي آفريقيا وآسيا وكانت الطامة الكبرى إشتراكها في الحرب العالمية الأولي في صفوف دول المحور مع المانيا والإمبراطورية النمساوية المجرية ضد دول الحلفاء بقيادة بريطانيا وفرنسا وروسيا وإنتهي الأمر بسقوطها وإلغاء الخلافة العثمانية نهائيا في عام 1922م وبعد عودة البارودى من تلك الحرب تم الإنعام عليه برتبة اللواء والنيشان المجيدي من الدرجة الثالثة ونيشان الشرف نظرا لِمَا قدمه من ضروب الشجاعة وألوان البطولة والإقدام خلال الحرب الروسية العثمانية ومما قاله في هذه الحرب قصيدة مطلعها أدور بعيني لا أرى غير أمة من الروس بالبلقان يخطئها العد .
وفي شهر أبريل عام 1878م تم تعيين محمود سامي البارودى مديرا للشرقية وسرعان ما نقل مديرا للقاهرة وكانت مصر في هذه الفترة تمر بمرحلة حرجة من تاريخها بعد أن غرقت البلاد في الديون وتدخلت إنجلترا وفرنسا في توجيه السياسة المصرية بعد أن صار لهما وزيران في الحكومة المصرية ونتيجة لذلك نشطت الحركة الوطنية وتحركت الصحافة وظهر تيار يقوده جمال الدين الأفغاني لإنقاذ العالم الإسلامي من الإستعمار وفي هذه الأجواء المشتعلة إنطلقت قيثارة البارودي بقصيدة ثائرة تصرخ في أمته لكي توقظ النائم وتنبه الغافل وبينما كان محمد شريف باشا الذى كان قد عينه الخديوى إسماعيل في يوم 7 أبريل عام 1879م رئيسا لمجلس النظار يحاول أن يضع للبلاد دستورا قويما يصلح أحوالها ويرد كرامتها فارضا على الوزارة مسؤوليتها على كل ما تقوم به أمام مجلس شورى النواب إذا بالحكومتين الإنجليزية والفرنسية تكيدان للخديوي إسماعيل عند الدولة العثمانية لإقصائه الوزيرين الأجنبيين عن الوزارة وإسناد نظارتها إلى شريف باشا الوطني الغيور وأثمرت مكائدهما عن صدور فرمان من الدولة العثمانية بخلع الخديوى إسماعيل وتولية إبنه توفيق في أواخر شهر يونيو عام 1879م والذى عند توليه الحكم أسند رئاسة النظارة إلى محمد شريف باشا مرة أخرى فأدخل معه في الوزارة البارودي باشا ناظرا للمعارف والأوقاف ونرى البارودي يحيي الخديوى توفيق ويهنئه بولايته على مصر ويستحثه إلى إصدار الدستور وتأييد الشورى فيقول في قصيدة له سن المشورة وهي أكرم خطة يجري عليها كل راع مرشد هي عصمة الدين التي أوحى بها رب العباد إلى النبي محمد ولكن لم تستمر هذه النظارة فترة طويلة حيث مكثت في الحكم شهر ونصف فقط من يوم 5 يوليو عام 1879م وحتي يوم 18 أغسطس عام 1879م حيث أن الخديوي توفيق نكص على عقبيه وخالف عهوده بعد أن تعلقت به الآمال في النهضة والإصلاح فقبض على جمال الدين الأفغاني ونفاه من البلاد وشرد أنصاره ومريديه وأجبر محمد شريف باشا على تقديم إستقالته وقبض هو على زمام النظارة وشكلها تحت رئاسته وأبقى البارودي باشا في منصبه ناظرا للمعارف والأوقاف وقد إستمرت هذه النظارة لمدة قصيرة حوالي 5 أسابيع ما بين يوم 18 أغسطس عام 1881م وحتي يوم 21 سبتمبر عام 1881م كما أنه بقي في منصبه أيضا في نظارة مصطفي رياض باشا التي تلتها والتي إستمرت حتي يوم 10 سبتمبر عام 1881م .
وخلال الفترة التي تولي فيها البارودى نظارة الأوقاف نهض بها ونقح قوانينها وكون لجنة من العلماء والمهندسين والمؤرخين للبحث عن الأوقاف المجهولة وجمع الكتب والمخطوطات الموقوفة في المساجد ووضعها في مكان واحد وكانت هذه المجموعة نواة دار الكتب التي أنشأها على مبارك باشا كما عني بالآثار العربية وكون لها لجنة لجمعها فوضعت ما جمعت في مسجد الحاكم بأمر الله حتى تبنى لها دار خاصة ونجح في أن يولي صديقه محمد عبده تحرير جريدة الوقائع المصرية فبدأت الصحافة في مصر عهدا جديدا وفي يوم 14 سبتمبر عام 1881م تولي البارودي نظارة الحربية في نظارة شريف باشا التي شكلها عقب مظاهرة عابدين الشهيرة التي كانت في يوم 9 سبتمبر عام 1881م خلفا لعثمان رفقي إلى جانب نظارة الأوقاف وذلك بعد مطالبة حركة الجيش الوطنية بقيادة عرابي عزل رفقي وبتوليه هذه النظارة بدأ في إصلاح القوانين العسكرية مع زيادة رواتب الضباط والجند لكنه لم يستمر في المنصب طويلا فخرج من النظارة بعد تقديم إستقالته في يوم 22 أغسطس عام 1881م نظرا لسوء العلاقة بينه وبين رياض باشا الذي دس له عند الخديوي ولكنه عاد وتولي في يوم 4 فبراير عام 1882م رئاسة مجلس النظار إلي جانب نظارة الداخلية وكان أول رئيس نظار في تاريخ مصر لا يعينه الخديوي بل ينتخبه مجلس النواب كما أنه كان أول رئيس نظار من المؤسسة العسكرية كما أنها ضمت إثنين غيره من زعماء الثورة العرابية وهما أحمد عرابي ناظرا للحربية ومحمود فهمي ناظرا للأشغال ومن أجل ذلك أطلقت على نظارته نظارة الثورة أو النظارة الوطنية .
وقوبلت نظارة محمود سامي البارودي باشا بالإرتياح والقبول من مختلف الدوائر العسكرية والمدنية لأنها كانت قد جاءت إلي الحكم تحقيقا لرغبة الأمة وكانت معقد الآمال في الحركة الإصلاحية وبالفعل كانت هذه النظارة عند حسن الظن بها فقد إفتتحت أعمالها بإعداد مشروع الدستور ووضعته بحيث يكون موائما لآمال الأمة ومحققا أهدافها وحافظا كرامتها وإستقلالها وحمل البارودي باشا نص الدستور إلى الخديوي توفيق فلم يسعه إلا أن يضع خاتمه عليه بالتصديق ثم عرضه على مجلس النواب وفضلا عن ذلك قام أحمد عرابي بصفته ناظرا للحربية ببعض الإصلاحات في الجيش المصري حيث إقتصر على ترقية المصريين بسبب أن في وزارة عثمان رفقى السابقة إقتصرت الترقيات على الشراكسة والأتراك كما أنه أزال الفوارق بين الجميع وأصبح الكل سواسية فغضب الشراكسة والأتراك وإتفقوا على تدبير مؤامرة لإغتياله وتم كشف هذه المؤامرة إلي جانب مؤامرة أخرى لإغتيال البارودي وتم تشكيل محكمة عسكرية لمحاكمة المتهمين فقضت بتجريدهم من رتبهم ونفيهم إلى أقاصي السودان ولما رفع البارودي باشا الحكم إلى الخديوي توفيق للتصديق عليه رفض بتحريض من قنصلي إنجلترا وفرنسا فغضب البارودي وعرض الأمر على مجلس النظار فقرر أنه ليس من حق الخديوي أن يرفض قرار المحكمة العسكرية العليا وفقا للدستور ثم عرضت النظارة الأمر على مجلس النواب فإجتمع أعضاؤه في منزل البارودي وأعلنوا تضامنهم مع النظارة وضرورة خلع الخديوي توفيق ومحاكمته إذا إستمر على موقفه وقد إنتهزت إنجلترا وفرنسا هذا الخلاف وحشدتا أسطوليهما في الإسكندرية منذرتين بحماية الأجانب وقدم قنصلاهما مذكرة في يوم 25 مايو عام 1882م بضرورة إستقالة النظارة ونفي عرابي وإبعاد رفيقيه عبد العال حلمي وعلي فهمي إلي الأرياف وقد قابلت وزارة البارودي باشا هذه المطالب بالرفض في الوقت الذي قبلها الخديوي توفيق ولكن عرابي باشا ورفيقيه رفضوا هذا الأمر وأيدتهم جميع طوائف الشعب فرضخ الخديوى توفيق وأبقى الضباط الثلاثة في مناصبهم .
وحدث بعد ذلك أن تطورت الأحداث بشكل سريع حيث حدثت حادثة مؤسفة سميت بمذبحة الإسكندرية يوم 11 يونيو عام 1882م ترتب عليها أعمال شغب بالمدينة والتي تم وصفها من قبل القوي الأوروبية إنها مناهضة للمسيحيين وكانت بداية الشغب عندما قام شخص إسمه مكاري من مالطة وكان من رعايا بريطانيا بقتل أحد المصريين فإستغلت بريطانيا الفرصة لتأجيج الفتنة من خلال قناصل الدول الأجنبية في الإسكندرية فشب نزاع بين الأهالي والرعايا الأجانب الذين نزحوا للإسكندرية ليصبحوا تحت رعاية وحماية الأسطول الإنجليزى وتطور الأمر إلى قتال سقط خلاله العشرات من الطرفين قتلى وجرحى وفي النهاية فر السكان الأوروبيون من المدينة وبدأ الجيش المصري الموالي لعرابي تحصين وتسليح الميناء ولم يكن أمام البارودي سوى تقديم إستقالة نظارته في يوم 17 يونيو عام 1882م وتألفت نظارة جديدة برئاسة إسماعيل راغب باشا واحتفظ فيها بعرابي ناظرا للجهادية ولكنها لم تفلح في تهدئة الأمور وتحجج الإنجليز بقيام أنصار عرابي بإصلاح طوابي الإسكندرية وبضرورة حماية الرعايا الأجانب حتي لا تتكرر المذبحة المشار إليها وكان أسطولهم علي مقربة من ميناء الإسكندرية وإعتبرت بريطانيا أن إصلاح الطوابي ونصب المدافع عليها عملا عدائيا موجه ضد الحكومة البريطانية نفسها ووجهت إنذارا الي عرابي بضرورة تسليم الطوابي يوم 10 يوليو عام 1882م وإلا ستقوم بقصف المدينة بالمدافع وبالفعل نفذت تهديدها بعد يومين وقامت بقصف مدينة الإسكندرية بالمدافع يوم 12 يوليو عام 1882م ودخل الإنجليز الإسكندرية في اليوم التالي 13 يوليو عام 1882م وإنسحب عرابي باشا برجاله إلى كفر الدوار ودمنهور وأقام التحصينات لصد الإنجليز حتي لايصلوا إلى العاصمة القاهرة وفطن أنه من الممكن ان يستخدموا الطريق البحرى ويصلوا إلى بورسعيد ويدخلوا قناة السويس وينزلوا بالإسماعيلية ومنها إلى القاهرة فعزم علي ردم القناة ليقطع عليهم هذا الطريق إلا أن فرديناند ديليسبس تعهد له بعدم السماح للإنجليز بدخول القناة إلا أنه لم يلتزم بهذا التعهد فوصل الإنجليز إلى الإسماعيلية فنقل عرابي قواته وتحصيناته إلى التل الكبير شرقي القاهرة وإستعد للصدام مع الإنجليز ولكن عرابي لم يتمكن من الصمود نظرا لخيانة بعض الضباط والعربان كما أن قواته كانت أضعف كثيرا من قوات الإنجليز وكان قد أصابها التعب والإرهاق علاوة على أن الإنجليز كانوا مصممين ومصرين إصرارا شديدا علي ضرورة دخول مصر وإحتلالها بأى ثمن وحشدوا قواتهم لتحقيق هذا الغرض وقاموا بإستدعاء قوات إضافية من مستعمراتهم في الهند وقبرص ومالطة وجنوب أفريقيا وبلغ عدد أفراد قواتهم حوالي 30 ألف جندى تحت قيادة السير جارنت ولسلي فإنهزمت قوات عرابي وإضطر للتسليم ودخل الإنجليز القاهرة يوم 14 سبتمبر عام 1882م ليبدأ الإحتلال الإنجليزى لمصر وتبدأ فترة حالكة الظلام في تاريخها .
وفي نفس الوقت أعلن السلطان العثماني عصيان عرابي وتمرده وقام الخديوى توفيق بعزله ودعا الجيش والأهالي إلى عدم مقاومة الإنجليز إيثارا للسلامة وتم القبض على زعماء الثورة العرابية وعلي رأسهم البارودى وعرابي وحكِم على البارودي وعرابي وخمسة من زملائهما وهم عبد العال حلمي ومحمود فهمي وعلي فهمي ويعقوب سامي وطلبة عصمت بالإعدام ثم خفف الحكم عليهم ليكون النفي المؤبد إلى جزيرة سرنديب وهي جزيرة سري لانكا حاليا وصادرت الحكومة المصرية أموال وممتلكات المنفيين السبعة وخصصت لكل واحد منهم مبلغ 30 جنيهًا شهريا لكن هذا المبلغ لم يكن يكفي إحتياجاتهم الضرورية وهو ما أدى إلى مرورهم بظروف مالية بالغة الصعوبة ومما يروى في هذا الصدد أن علي فهمي لم يكن يستطيع دفع ثمن علاج وأدوية زوجته وأن بناته وزوجته إمتنعوا عن الخروج من المنزل لعدم وجود ما يرتدينه من ملابس صالحة وقد أسهم وقوف الحكومة المصرية أمام الرغبات الشخصية للمنفيين وإلتماساتهم المتكررة بتحسين أوضاعهم المعيشية والعفو عنهم في زيادة معاناتهم ومتاعبهم فعند سفرهم لم يصطحب إلا ثلاثة منهم زوجاتهم وتركت باقي الزوجات في مصر إما لكون الحالة الصحية لبعضهن لم تسمح بالسفر وإما لأنهن لم يعرفن كيف ستكون الإقامة في سيلان فرفضن السفر وإما لأنهن فضلن إنتظار ما سيتم بخصوص أملاك أزواجهن وعندما إستقرت الأوضاع لم تنقطع طلبات المنفيين لإحضار زوجاتهم وهو ما أخذ وقتا طويلا وعشرات المراسلات والإلتماسات ومن ثم كانت هذه الأوضاع السيئة بمثابة منغصات لحياة البارودى باشا وعرابي باشا ورفاقهما ويضاف إلى هذه المنغصات أن بعض المنفيين عانوا من تدهور حالتهم الصحية خاصة طلبة عصمت الذي كان مصابا بمرض الربو الشعبي من قبل نفيه وزادت رطوبة الجو في المنفي من حدة مرضه ولم يتم إستجابة إلتماساته المتعددة بتغيير منفاه إلى العاصمة اللبنانية بيروت أو جزيرة قبرص وأصيب عبد العال حلمي في عام 1891م بحساسية شديدة في صدره تفاقمت بعد رفض نقله من سرى لانكا مما تسبب في حدوث نزيف في المخ أدى في النهاية إلى وفاته كما عانى أحمد عرابي من آلام الروماتيزم الذي لا يتفق مع الرطوبة الموجودة في سرى لانكا .
وعلي الرغم من ذلك فكما كانت للمنفيين أوقات سيئة كانت لهم أيضا أوقات جيدة خاصة في الفترة التي تلت وصولهم إلى الجزيرة إذ إستقبلوا إستقبال الأبطال وزارهم أهلها من أعيان المسلمين ومن جزيرة جاوة والهند والملايو بل وحضرت بعض الطوائف البوذية الإستقبال وشارك البارودى وعرابي وعدد من رفاقهما في بعض الأنشطة الثقافية خلال تواجدهم في سرى لانكا إذ شغل البارودي نفسه بتعليم أهل الجزيرة اللغة العربية ليعرفوا لغة دينهم الحنيف وبإعتلاء المنابر في مساجد المدينة ليعلم أهلها شعائر الإسلام وبتعلم اللغة الإنجليزية حتى أتقنها وأسهم عرابي في التعبئة لإنشاء دور العلم على الأسس الإسلامية وتفرغ محمود فهمي لكتابة سفر ضخم بعنوان البحر الزاخر في تاريخ العالم وأخبار الأوائل والأواخر ويمكننا القول أيضا إن الرسائل والإلتماسات والطلبات كانت جزءا أساسيا من حياة المنفيين ولكن بلا شك كان طول البقاء في المنفى سببا في أن عاني المنفيون من حالة نفسية صعبة حيث كانوا يحلمون بأن تكون سنوات البعد عن الوطن محدودة لدرجة أن بعضهم كان يعتقد أنه سيعود إلى مصر ليلعب دورا في الحياة السياسية من جديد إلا أن واقع الأمر كان غير ذلك إذ طالت مدة بقاءهم بالمنفي مما تسبب في إصابتهم باليأس والإحباط تدريجيا وتسبب أيضا في أن حالة الوئام التي ظهر عليها البارودى وعرابي ورفاقهما في بداية منفاهم لم تستمر طويلا إذ سرعان ما إنعكست حالة الإحباط واليأس والعوز التي دخلوا فيها بعد إستقرارهم في سيلان على علاقاتهم البينية فإنقسموا على أنفسهم وفرضت المنازعات نفسها عليهم وكان أحد أسباب هذه النزاعات عدم توزيع رواتب متساوية عليهم إذ خص عرابي براتب أكبر من غيره رغم أنه كان يعول أقل من بعضهم كما لم يمنح البارودى وعلي فهمي ويعقوب سامي رواتب مساوية لغيرهم بدعوى أنهم ميسورون الحال رغم أن بعضهم كان مدينا بديون كبيرة في مصر وهو ما ولد مرارة وضغينة فيما بينهم .
ومن المؤكد أن أحداث الماضي التي أدت إلى إحتلال مصر ونفي البارودى وعرابي ورفاقهما بطريقة مهينة قد ألقت بظلالها الثقيلة على علاقات الرفاق وأصبح مرور الزمن فرصة للتدبر والتفكر في الأحوال والمآل وهو ما أدى إلى إتساع نطاق المشاحنات حتى وصلت إلى آذان الصحافة المحلية السريلانكية التي سجلت فقدان التآلف بينهم وتعرضت لمنازعاتهم ووصلت أخبار الخلاف إلى مسامع عبد الله النديم في مصر فأرسل إلى عرابي قائلا إئتلفوا قبل الإياب وإقتلوا الضغائن بالعقاب وحققوا لمن عندكم ترك العدوان حتى تتركوا لكم ذكرا جميلا في سيلان وقد تجلت مظاهر الخلافات بين الرفاق خلال الإحتفال بالعيد الخمسيني لحكم الملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا إذ شكل يعقوب سامي وعلي فهمي ومحمود فهمي مجموعة وعرابي والبارودي وعبد العال حلمي وطلبة عصمت مجموعة أخرى كل منها تجلس في مكان بعيدة عن الأخرى وعندما كتبت إحدى الصحف عن مشاركة المنفيين بزعامة عرابي وفهمي كتبت المجموعة الأولى للصحيفة توضح أنهم لم يكونوا بصحبة عرابي وأن كل واحد مسؤول عن تصرفاته الشخصية كما طالبت مجموعة فهمي من الصحيفة تعريف العامة بعدم إستعمال كلمة عرابي ورفاقه حيث لا بد من ذكر الأسماء وقد يعتقد البعض أن عرابي كن البغض والكره وأظهر العداء للإنجليز الذين هزموه وإحتلوا مصر وكانوا سببا في نفيه هو ورفاقه خارجها لكن الوثائق الإنجليزية والمصرية بل ومذكرات عرابي الشخصية تقول عكس ذلك فمع بدء محاكمة العصاة كما أطلق عليهم رأى عرابي في حكومة دولة الإحتلال طوق النجاة الذي يستطيع إنقاذه هو ورفاقه من حبل المشنقة فأعلن الخضوع والطاعة ووصل الأمر إلى مطالبته بأن ينفى في لندن أرض الحرية مقسما بشرفه ألا يتدخل في الأمور السياسية عندما يكون بعيدا عن بلده حتى يأتي الله أمرا كان مفعولا حسبما ذكر في خطاب أرسله إلى صديقه الحقوقي البريطاني بلنت ولما استقر الأمر على نفي عرابي ورفاقه إلى سرى لانكا وجهوا جميعا الشكر إلى المبعوث البريطاني لمصر كما وجه بعضهم الشكر إلى بريطانيا على إكرامها للمنفيين ولم يفوت المنفيون فرصة للقاء مسؤول أو شخصية أو حتى صحفي إنجليزي دون أن يلتقوه ليتحدثوا عن أحوالهم ويطالبوه برفع شكواهم إلى الحكومة البريطانية وكثيرا ما تخلل هذه اللقاءات ثناء عليها وعلي رأفتها ورحمتها .
وأقام البارودي باشا في سرى لانكا حوالي سبعة عشر عاما وطوال هذه الفترة نظم قصائده الخالدة التي سكب فيها آلامه وحنينه إلى الوطن ورثا من خلالها من مات من أهله وأحبابه وأصدقائه وتذكر أيام شبابه ولهوه وما آل إليه حاله وكان مما قاله من قصائد نظمها حينذاك يصف بها حاله هناك قصيدة مطلعها محا البين ما أبقت عيون المها مني فشبت ولم أقضِ اللبانة من سني ومضت به أيامه في المنفى ثقيلة وإجتمعت عليه علل الأمراض وفقدان الأهل والأحباب فساءت صحته وإشتدت وطأة المرض عليه وأوشك على فقدان بصره مما أدى إلى إصابته بإكتئاب نفسي راسخ وشديد نتيجة مرضه ووحدته بأرض أجنبية وبذلت الحكومة البريطانية عدة مساع من أجل الحصول على تصريح من الخديوي عباس حلمي الثاني الذى كان قد تولي الحكم خلفا لأبيه الخديوى توفيق في شهر يناير عام 1892م بعودة البارودي وهو ما وافق عليه الخديوى في شهر يوليو عام 1899م وبالفعل عاد البارودى باشا إلي مصر في يوم 12 سبتمبر عام 1899م وبعد عودته بحوالي 10 شهور أصدر الخديوي أمرًا بمنحه كافة حقوقه المدنية وردت إليه أملاكه الموقوفة وكان الوحيد من بين المنفيين في سرى لانكا الذي نال رضا الخديوي وكانت فرحته غامرة بعودته إلى الوطن وأنشد أنشودة العودة التي قال في مستهلها أبابل رأي العين أم هذه مصر فإني أرى فيها عيونا هي السحر وبعد العودة ترك العمل السياسي وفتح بيته للأدباء والشعراء يستمع إليهم ويسمعون منه وكان على رأسهم أمير الشعراء أحمد شوقي وشاعر النيل حافظ إبراهيم وشاعر القطرين خليل مطران وإسماعيل صبري وقد تأثروا به ونسجوا على منواله فخطوا بالشعر خطوات واسعة وأُطلق عليهم مدرسة النهضة أو مدرسة الأحياء .
ولم تطل الحياة بالبارودي باشا بعد عودته فتوفي في يوم 12 ديسمبر عام 1904م عن عمر يناهز 65 عاما ونظرا لمنزلته الرفيعة في نفوس الشعراء فقد إجتمعوا على ضريحه في الإمام الشافعي يوم الأربعين من وفاته ورثوه وأبنوه بما لم يسبق له مثيل إلا ما يقال عن توافد الشعراء لرثاء أبو العلاء المعري على قبره ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن البارودى في شعره وإن كان قد قلد القدماء وحاكاهم في أغراضهم وطريقة عرضهم للموضوعات وفي أسلوبهم وفي معانيهم فإنه كان له مع ذلك تجديدا ملموسا من حيث التعبير عن شعوره وإحساسه وكان له أيضا معان جديدة وصور مبتكرة وقد نظم الشعر في كل أغراضه المعروفة من غزل ومديح وفخر وهجاء ورثاء مرتسما نهج الشعر العربي القديم غير أن شخصيته كانت واضحة في كل ما نظم فهو الضابط الشجاع والثائر على الظلم والمغترب عن الوطن والزوج الحاني والأب الشفيق والصديق الوفي وكان مما تركه لنا ديوان شعر يزيد عدد أبياته على خمسة آلاف بيت طبع في أربعة مجلدات وقصيدة طويلة في مدح الرسول الكريم محمد صلي الله عليه وسلم تقع في 447 بيت جاري فيها البوصيري وزنا وقافية وأطلق عليها كشف الغمة في مدح سيد الأمة كان مطلعها يا رائد البرق يمم دارة العلم واحد الغَمام إلى حي بذي سلم وله أيضا قيد الأوابد وهو كتاب نثري سجل فيه خواطره ورسائله بأسلوب مسجوع ومختارات البارودي وهي مجموعة إنتخبها الشاعر من شعر ثلاثين شاعرا من فحول الشعر العباسي تبلغ نحو 40 ألف بيت وعلاوة علي ذلك فقد صدرت بعض المؤلفات التي تناولت حياة وشعر محمود سامي البارودى باشا منها كتاب علي الحديدي محمود سامي البارودي شاعر النهضة وصدر عن مكتبة الأنجلو المصرية بالقاهرة عام 1969م وكتاب الدكتور شوقي ضيف البارودي رائد الشعر الحديث وصدر عن مكتبة دار المعارف بالقاهرة عام 1988م وكتاب نفوسة زكريا البارودي حياته وشعره وصدر بالقاهرة عام 1992م وكتاب سماح عبد الله مختارات من شعر محمود سامي البارودي وصدر عن مكتبة الأسرة بالقاهرة عام 2005م . |