بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”
قليني فهمي باشا هو أحد أشهر أعلام الأقباط المصريين في العصر الحديث حيث كان ينتمي إلي أسرة من أكبر الأسر القبطية التي كانت علي قدر معقول من الثروة والجاه وقد تقلد العديد من المناصب الإدارية الهامة منها مصلحة الملاحة ومصلحة الكبارى والضربخانة لصك العملة وحصل على أرفع الأوسمة والأنواط المصرية وقد كان معاصرا لفترة تاريخية هامة في العصر الحديث تمتد من عهد الخديوى إسماعيل حتى عهد حفيده الملك فاروق الأول مرورا بعهود الخديوى توفيق والخديوى عباس حلمي الثاني والسلطان حسين كامل والملك فؤاد الأول كما كان له إسهامات خيرية ظلت حتى يومنا هذا وأهمها المسجد الذي بناه في مدينة مغاغة بمحافظة المنيا وفضلا عن ذلك فقد كان قليني فهمي باشا رجل ديموقراطي المبدأ وكان محبا للسفر والترحال يقيم في مصر سبعة أشهر وفي أوروبا خمسة أشهر حيث كان له ولع بالأسفار وشديد الشغف بالسياحة وزار كل من فرنسا وإنجلترا وإيطاليا والنمسا والمجر والمانيا وسويسرا وروسيا وتركيا واليونان وبلغاريا ورومانيا بالإضافة إلي بلاد المغرب العربي المغرب والجزائر وتونس وكان مولد قليني فهمي باشا في عام 1860م في عهد والي مصر محمد سعيد باشا بنزلة والده يوسف بك عبد الشهيد وهي قرية من قرى الصعيد كانت تتبع مديرية المنيا وكان والده هو النجل الوحيد لجده عبد الشهيد والذى إعتني بتربية إبنه يوسف وغذاه بلبان الفضيلة والأدب حتى أخذ نجم يوسف بك يسطع بين كبار المفكرين في الأمة المصرية بصفته وهمته العالية فنال المكانة الرفيعة بين كبار الحكام ورجال العلم والفضل الذين كانوا يحبونه لمقدرته وكفاءته وحدة ذهنه وذكائه وكان صديقا حميما للمرحومين الشاعرين الجليلين الشيخ علي الليثي والسيد علي أبو النصر شاعر الحضرة الخديوية آنذاك والمرحومين العالمين الكبيرين الشيخ عيسى والشيخ المهدي ولما وصل صيته إلى مسامع الخديوي إسماعيل أكبر قدره وأنزله منزلة العظماء بين أمته وشمله بتعطفاته طول مدة حياته ولا عجب إذا نال هذه المكانة السامية لأنه عاش معروفا بين قومه بعمل الإحسان والبر وتعضيد كل عمل خيري أو أدبي وكان يميل بفطرته إلى فض المشكلات والمنازعات التي كانت تقوم بين الأهالي والحكام حتى كان الناس يقصدونه من كل الأقاليم القبلية ليتوسط لهم في أمر أو يحسم لهم نزاعا كما كان عمد وأعيان البلاد يعتبرونه كأب شفيق لهم لا يعملون عملا إلا بعد إستشارته والأخذ برأيه ولا يسيرون في طريق إلا بعد نصيحته لهم التي كانت تصدر من نفس رجل طيب طبع على التقوى والورع وقلب إنسان جبل على محبة الإنسانية وتأدية فروض الذات الإلهية بما يرضيه تعالى ويرضي عباده أجمعين وقد قام بتشييد وإصلاح وترميم عدة كنائس للأقباط في جهات مختلفة منها الكنيسة الدمشيرية ببلدة دمشير بمديرية المنيا وكنيسة طحا العمودية بمركز سمالوط بمديرية المنيا وكنيسة أخرى بقريته كما ساعد بماله على تشييد كنيسة المنيا الكبرى .
وإعتني الأب يوسف بك عبد الشهيد بتربية إبنه قليني ولما توسم فيه دلائل الفطنة والنجابة أدخله عندما بلغ عمره 12 عاما القسم الداخلي بمدرسة الأقباط الكلية في القاهرة وأقبل الطفل قليني علي تحصيل الدروس والعلوم وتفوق علي أقرانه من التلاميذ وذاعت شهرته على ألسنتهم وبين المعلمين وتعلم اللغة العربية على يد الشيخ محمد القنائي النحوي الشهير وتعلم اللغة الفرنسية علي يد مصطفى بك رضوان أشهر العارفين بها في ذاك الزمان وحفظ ألفية إبن مالك وشرح إبن عقيل وكان مولعا بالكتابة والمناظرة ينتقد كل فاسد من الأخلاق والعادات ونال من نظارة المعارف العمومية مدة دراسته جوائز جمة مكافأة له على جده وإجتهاده وفوزه ونجاحه كما إشتهر بالجرأة على مخالطة وجهاء وكبار القوم والتحاور معهم وفي يوم 18 أبريل عام 1875م تم تعيين الصبي قليني الذى كان لم يكمل 16 عاما سكرتيرًا بديوان جفالك أي أبعاديات الدائرة السنية والمقصود بها الأراضي الزراعية التي يمتلكها الخديوى إسماعيل وكان موضع ثقة جميع الناس لما عرف به من النشاط والصدق والأمانة في أدائه عمله وكانت أعمال الدائرة السنية في تلك الأيام سائرة بطريق السخرة فالزارعون والحاصدون وحافرو الترع يؤتى بهم من أقاصي بلاد الصعيد أفواجا وجماعات وكلهم عاملون من غير أجر فكان يرى القائمين بهذه الأعمال الشاقة شيوخا وولدانا كهولا وشبانا نسوة ورجالا أرامل وأيتاما ومنهم المرضى وذوى العاهات ومنهم الحبالى من النساء وأخريات يحملن في يد رضيعهن وهن مثقلات بالأحمال في اليد الأخرى وكان لهذا النظام الجائر من نفس قليني فهمي موقع إستياء وإشمئزاز يدب في إحساسه ويستفز من عواطفه كلما شاهد من آثارها أثرا ولكنه لم يستطع أن يشير بما يشتم منه رائحة اللوم أو عدم الرضا حيث كان كل من يعترض علي هذا النظام في ذلك الوقت تنصب عليه مصائب الطرد والحرمان ولم يزل قليني فهمي ساخطًا على تلك السخرة الممقوتة ناقما عليها إلى أن تشكلت في مصر نظارة أي وزارة للمرة الأولى برئاسة نوبار باشا في يوم 28 أغسطس عام 1878م وبدأت يد الإتتظام تتناول كل مختل من الأحكام فدار في خلد قليني فهمي أن يضع حدا ونهاية لتلك المظالم الفادحة لذلك تكلم في أمر هذه السخرة مع محمد سلطان باشا رئيسه والذى كان من كبار أعيان مديرية المنيا حينذاك مبينا مضارها بمصلحة البلاد والعباد طالبا إليه بذل كل ما بوسعه في أن يؤدي أعمال الدائرة عمال يتقاضون أجورهم التي يستحقونها على شروط عادلة وقال في ذلك كلمة حق إن كل عمل لم يؤده خبير به يرى إليه نفعه ومنه كسبه ساءت فيه آماله وإنثنت عنه أمياله ووافقه المرحوم محمد سلطان باشا على هذه المبادئ فتابعه فيها وإتفق معه عليها وكتب في هذا الصدد كتابا وأنفذ به معاونه قليني فهمي إلى رئيس النظارة نوبار باشا والذى قابله بالترحاب وكان أن إستدعى المرحوم محمد سلطان باشا إلى القاهرة وتناقش معه طويلا في أمر هذه السخرة وإنتهى الأمر بإلغائها وقام بتنفيذ ذلك المرحوم محمد سلطان باشا وكان قليني فهمي عضده الأقوى ومعاونه الأمين في تنفيذ ذلك الأمر .
وفي عام 1882م عين قليني فهمي وكيلا لديوان عموم الجفالك وكانت قد إنتابت البلاد في تلك الأثناء الثورة العرابية المشهورة وألصق بالمرحوم شاكر باشا مدير المنيا وقتها تهم باطلة أخذ من أجلها مغللا بالقيود ولاقى من جرائها ضروب الذل والهوان فلما رأى ذلك المرحوم نعماني باشا مفتش عموم الجفالك حينذاك خاف أن يصيبه ما أصاب هذا المدير فتمارض وإستصدر الإذن في القيام بأجازة وغادر ديوان الجفالك وتركه لقليني فهمي لكي يديره ويتولى جميع أمره ووقف قليني فهمي إزاء هذا الموقف الحرج بثبات قلما يثبت في مثله غيره وما لبث أن جاءته ثلاثة أوامر من مدير المنيا الذي تم تعيينه بعد مديرها الأول يقول له فيها إنه بناءا على ما صدر من حامي حمى الديار أفندينا عرابي باشا يلزم تنفيذ الأوامر الآتية فيما لا يتجاوز 24 ساعة وهي أولا قطع قضبان السكك الحديدية الزراعية في أرض التفاتيش جميعها وإرسالها هي والأدوات المتعلقة بها إلى مخازن نظارة الحربية وكذا أخشاب ومهمات التلغراف الزراعي وثانيا قطع كل أشجار تفاتيش الدائرة وتهيئتها لمطابخ الجيش وثالثا إنفاذ كل المحصولات الموجودة في الجفالك والفابريقات وقد تلقي قليني فهمي ذلك بإستغراب شديد وكتب إلى المدير يقول له إنني أود تنفيذ الأوامر التي بعثتم بها إلي إذا كنت في مقام المالك لهذه التفاتيش ولكني موظف بها أتبع في مثل هذه الحال أوامر مجلس الإدارة الأعلى فهو رقيب علي في جميع أعمالي محاسب لي على كل كبيرة وصغيرة آتيها وهو وإن كان لكل دولة عضو عامل فيه إلا أنه لا يعظم على قوة الجيش أن يستصدر أمره بكل شئ أراده ثم قال ولو فرضنا بصدور أوامر بإجابة الطلبات المنوه عنها فليس من المعقول أن يتيسر نفاذ كل ذلك في مدة ٢٤ ساعة وكان عاقبة هذا أن تم إعتبار قليني فهمي من العصاة وجاء الأمر بإرساله إلى الطوبخانة أي مقر سلاح المدفعية مكبلا بالأغلال فدعاه المدير إليه لإبلاغه هذا الأمر فلم يجزع ولم يضطرب وقال له إنني آسف أن مديرا مثلك لا يفهم ما يكتب إليه فيؤديه جهله به إلى سوء العاقبة والإضرار بالناس فإني ما عصيت أمرا ولم أعارض فيه ولكني بسطت لك الحالة وكأني أريك به الباب الذي منه تدخل توصلا إلى نيل مطلوب العرابيين ولكي أنال تخلصا من شر التبعة فيه وأطال معه الكلام على هذا الأسلوب المؤثر موهما إياه أنه سيلقيه عند العرابيين تحت ذنب كبير فلم يجد المدير مناصا من إلتماس العفو عنه وقد كان وخرج قليني فهمي من هذه الورطة فائزا بفضل ثباته وفرط دهائه وقوة بيانه وحجته وسافر قليني فهمي إلي القاهرة بعد خمود نيران هذه الثورة يوم كان المرحوم محمد سلطان باشا رئيسه السابق نائبا مكلفا بإدارة شئون البلاد ومفوضا بعمل تحقيق عمومي فكان بيته أشبه شيئا بيوم الحشر تؤمه الألوف من الناس ما بين متظلم ومبلغ ومنفذ ورسول والأوامر تتوالى بسجن كل من وجهت إليه تهمة الإشتراك في الثورة العرابية وإرجاء التحقيق إلى ما بعد وبينما كان قليني فهمي في حضرة محمد سلطان باشا في حضور العديد من أعاظم القوم إذ ورد تلغراف يبلغ فيه مرسله أن نيفًا وأربعين من عمد مديرية الفيوم ليسوا بمخلصين للذات الخديوية ومن أكبر العصاة للأوامر الحكومية فأشار محمد سلطان باشا بالقبض عليهم وترحيلهم إلي القاهرة مقيدين بالأغلال فقال له قليني فهمي أيأذن لي الباشا أن أقترح عليه شيئًا يذهب بكثير من متاعبه هذه فقال له نعم تكلم فقال قليني فهمي الأولى أن تصدر أمرا بحبس جميع أهل القطر المصرى كله فكلهم ما بين مشترك في الثورة ومجامل للعرابيين ومعتزل عنهم لا يأمن شر الواشين الآن فأطرق الباشا قليلًا وقال له إن في قولك لحكمة وعظة وإستدعى كلام قليني فهمي شفقة محمد سلطان باشا على من زج بهم في السجون إلا من ثبت عليهم أمر ما ومن ثم انتهج سبيل الرحمة بهم وتم إطلاق سراح الكثير منهم .
وفي يوم أول أبريل عام ١٨٨٦م عين قليني فهمي عضوا في الدائرة السنية وكانت هذه بمثابة مجلس إبتدائي لمجلسها الأعلى ومما يذكر له بالمدح والإطراء من أعماله فيها أن جل القواعد الأساسية التي وضعت للدائرة السنية كان قد تم وضعها بناءا علي آرائه ومقترحاته وكان له من الطرق الإصلاحية والإقتصادية في أحوالها الزراعية أعمال كثيرة نال بسببها ثقة قلما حازها غيره فكانت كتب الشكر تترى عليه من جانب المجلس الأعلى حينا بعد حين وفي شهر مارس عام 1887م أنعم الخديوى توفيق عليه برتبة المتمايز الرفيعة الشأن أي رتبة البكوية وفي أول شهر يناير عام 1888م عين مفتشا عاما للدائرة السنية وقام بحل جميع المشاكل التي صادفته حينذاك فعلي سبيل المثال لا الحصر ورد إلى الدائرة ذات يوم كتاب من مفتش لها في بلاد الصعيد وكان موثوق بقوله لديها قال فيه إنه لا ثقة له بجميع مستخدمي ذلك التفتيش وطلب نقلهم كلهم إلى تفاتيش الدائرة الأخرى مبينًا لذلك أسبابا يتوهم المطلع عليها صدقها وأن في الأمر غاية غير محمودة العقبى وقال في آخر كتابه هذا إنه إذا لم تجبه الدائرة إلى ما يطلب فلا مسئولية عليه فيما يكون فإرتجت لذلك الكتاب أرجاء الدائرة وأوشك المجلس الأعلى أن يقرر فيه بالإجابة لولا أن قام من بين أعضائه طالب يسأل التروي قبل هذا القرار وإرتأى أن يعهد إلى قليني بك فهمي بالتحقيق أولا فإذا ظهر أن القول حق تتم الإستجابة لمرسل الكتاب فذهب قليني بك وتبين له شئ ما كان ليخطر علي البال ذلك أن المفتش المذكور كان من أحقر أسر تلك الجهة وكأنه لما خفقت على رأسه راية هذه الوظيفة عز عليه أن يكون بين جماعة من المستخدمين العارفين بحقيقة نسبه فلا يرونه بالنظر الذي يود أن يروه به من الإجلال وعلو المقام فكتب ما كتب من غير أن يكون لذلك من سبب ورفع قليني بك تقريره بما إنتهى إليه في التحقيق طالبا عقاب المفتش على كذبه وإفترائه وأن تسلخ عنه كل ثقة للدائرة فيه وقال وإلا فإذا دامت الدائرة على وثوقها به فلا تجعل هذه الفئة الضعيفة من المستخدمين ضحية عاجلة له بل تعمل في نقلهم على سنة التدريج حتى لا يكون من ذلك إضطراب في الخواطر والأفكار فأجيب إلى طلبه الأول ونال مزيد من الثناء والشكر لإهتدائه إلى الحق وفضلا عن ذلك فقد كانت له مواقف عديدة أخرى من هذا القبيل منها أن الخديوي إسماعيل كان قد وهب المرحوم خيري باشا خمسمائة فدان من أراضي تفتيش طناح بمديرية الدقهلية وكان المساح الذي سلمها إليه يتوقع منه مبلغا من المال كإكرامية فلم يجبه إليها لذلك أنقص من الأرض المذكورة عشرين فدانا موهما إياه أنه حاصل على حقه تماما فلما علم المرحوم خيري باشا ذلك كتب إلى الدائرة عدة مرات يشكو معاملة المساح ويسأل إنصافه منه ومن ثم تم تعيين لجنة لهذا الغرض تلتها لجنة ثانية ثم ثالثة حتي بلغ عدد اللجان 12 لجنة وكل منها يرجع قانعا بقول المساح وفي آخر المطاف عهد إلى قليني بك فهمي حل هذه المشكلة فلما توجه إلى تلك الناحية علم مما حققه أن المساح قد غدر بصاحب الأرض فيما شكا منه فإستدعاه إليه وسأله في ذلك فأنكر فأصدر أمرا أن يمسح أطيان الدائرة السنية في طناح على حدة ثم أراضي المرحوم خيري باشا أيضا وأن يكون هذا بمحضر جماعة المساحين الذين قام قليني بك فهمي بإنتخابهم وقال له إن كان في أراضي الدائرة زيادة يقابلها نقص مثلها في أرض المشتكي فهي من حقه وإلا فلا فإرتعدت فرائص الرجل ووقع على قدميه معترفا بالحقيقة سائلا العفو مدعيا أنه فعل ما فعل على ظن أنه خدمة منه للدائرة السنية يقابل أوفى الجزاء عليها فعنفه قليني بك فهمي بشدة وطلب طرده من خدمة المصلحة وأمر بتسليم القدر الناقص إلى مستحقه مكلفا الدائرة بتأديتها إيجارا عنها في المدة التي لبثت فيها مالكة لها من غير حق .
وفي عام 1888م تم الإنعام علي قليني بك بالنيشان المجيدي من الدرجة الثالثة وفي شهر يوليو عام 1890م وقع إختيار صاحب الدولة مصطفي رياض باشا رئيس مجلس النظار ووزير المالية والداخلية وقتها عليه فعينه مديرا للإدارة العمومية ومراقبا للأموال الغير مقررة في نظارة المالية فجاءه مزودا من الدائرة السنية بجواب كله مديح له وثناء طيب عليه لما أظهره في خدمته فيها من علو الهمة والنشاط والجد بأفضل ما عرف عن كبار الموظفين فسار إلي مهمته الجديدة سيرا حميدا دل على فضله وقدرته على رتق الفتوق وإصلاح كل فاسد من الأعمال وكان محط آمال المصلحين فيما أصلحوا وفي شهر أكتوبر عام 1891م منحه الخديوى توفيق النيشان العثماني من الدرجة الثالثة وفي شهر ديسمبر عام 1892م حاز النيشان المجيدي الثاني وفي شهر يناير عام 1893م عين مراقبا عموميا للأموال غير المقررة والدخوليات فلما تولى هذه الإدارة جعل يعمل فيها بما حقق الثقة به وأطلق الألسنة بشكره والثناء عليه وكان من أجل أعماله أثناء شغله هذا المنصب أعماله الخاصة بالساحلين العظيمين في القاهرة وهما ساحل روض الفرج وساحل أثر النبي حيث قام بإتخاذ عدد من الإجراءات جعلتهما أكثر تمدنا وحضارة كما قام بتحسين أوضاع موظفي إدارته ومهد لهم درجات يرقون إليها على القاعدة المتبعة في الحكومة وجعل منهم رجالا للضبطية القضائية وآخرين في وظائف عالية ونبه عليهم تنبيها مشددا بضرورة التعامل مع الجمهور بكل اللطف والدعة من أجل التيسير عليهم وقضاء مصالحهم وفضلا عن ذلك فقد ألغي العديد من الضرائب والرسوم علي عوائد الأصناف الكثيرة التداول بين الفقراء وأعفي جميع المراكب من رسوم الهويسات وتجاوز عن عوائد الغيطان والجنائن في داخل مدينة القاهرة وعلي الرغم من هذه الإعفاءات وهذا التجاوز وذلك التسهيل فقد زادت إيرادات مصلحته عما كانت عليه قبل أن تلقى إليه مقاليدها وعلاوة علي كل ماسبق فقد كان قليني بك رفيقا أشد الرفق بالحيوان إلى حد أنه لم يستطع أن يسمع أو يرى تلك القسوة التي كانت تعامل البهائم بها من كيها بالنار فأبطلها قائلا إنه ليس لهذه الحيوانات من ذنب جنته علينا فنؤاخذها بعذاب أليم مثل هذا وإستتب نظام إدارته في جميع الأعمال الإدارية ومهد الطرق المؤدية إلي نقط الملاحظة ووفر لها سبل المواصلات لإحاطته علما بكل حادث في حينه ورفق بالأهالي كل الرفق فوهبهم بعد الإستئذان أرضا يبنون فيها دورهم وأنشأ لهم أسواقًا ومخازن ومد في طرقهم السكك الحديدية ولذا فقد كان هذا الرجل العظيم جديرا بأن يتولى عظائم الأمور ويرقى إلي كل منصب عال وقد قام في عام 1893م من بين طائفة الأقباط حزب وجه سهام العدوان إلى غبطة بطريكهم وكان منشأ هذا سعي بعضهم في سلبه إختصاصه منكرا عليه تلك السلطة الواسعة دون أن يكون له شريك فيها من أبناء الطائفة وقد إستمال ذلك الحزب جانب الحكومة وإستصدر أمرها بنفي البطريك إلى دير البراموس بوادى النطرون وكان قليني بك يومئذ في أجازته بأوروبا فلما وصل إليه نبأ هذه الحادثة أسرع في العودة إلى مصر وتزامن ذلك مع تقلد صاحب الدولة مصطفي رياض باشا رئاسة مجلس النظار للمرة الأخيرة في حياته فسعى لديه كثيرا ولدى الخديوي عباس حلمي الثاني حاكم مصر حينذاك فظهر فساد زعم الذين إستصدروا ذلك الأمر بنفي غبطة البطريرك مما أوجب إستدعاءه فقوبل بالإجلال والإكرام من طائفته ووثق قليني بك صلات المسالمة بينه وبين الحزب المضاد له .
وفضلا عن كل ما سبق كان قليني فهمي من الخبراء المهرة العارفين بأصول الزراعة والفلاحة في القطر المصرى والمتدربين على أعمالها الراسخي الأقدام في فنونها لمزاولته إياها زمنا طويلا نظرا لخدمته لفترة طويلة في الدائرة السنية وإشتغاله بها أيضا في الأطيان الشاسعة لآبائه وآله العديدين في مديرية المنيا ومما يدل على ذلك أن نظارة المعارف العمومية لما أعيتها كل حيلة في سبيل إصلاح الوادي التابع لها كتبت في عام 1894م إلى وزارة المالية ترجو تكليف قليني فهمي أن يذهب إليه ويتعهد مواضع خلله ويبين الطرق التي يتوسم له الخير فيها فإستدعاه جناب المستشار المالي وأفهمه أن نظارة المالية تهتم لهذه المسألة إهتمام نظارة المعارف لها وأزيد وطلب منه إجراء كل بحث يتعلق بها وموافاته بآرائه السديدة فيها وبعد أن أقام قليني فهمي هناك أياما عديدة قضاها كلها في البحث والإستطلاع أعد تقريرا وافيا لنظارة المعارف وضح فيه العلل التي أوجبت إنحطاط إنتاجية هذا التفتيش الواسع وبين العلاج اللازم لإزالتها فعملت الحكومة طبق آرائه ومقترحاته مما أعاد التفتيش إلى مرتبة عالية جاءت بكل الخيرات على نظارة المعارف المالكة له وعلاوة علي ذلك فقد أحيل إلي قليني فهمي جملة أعمال خارجة عن مهام ما تقلده من وظائف فقام بها خير قيام منها تكليف من ناظر المالية لسعادته بتاريخ ٨ نوفمبر عام 1890م بإنتخاب سعادته عضوا في القومسيون الذي تشكل بنظارة الحقانية تحت رئاسة سعادة وكيل هذه النظارة للإطلاع على ترتيب الدروس المرغوب إعطاؤها في علم الإدارة وتقرير ما يلزم إدخاله في تلك الدروس من الإصلاحات وتعيين سعادته عضوا في لجنة إنتخاب المستخدمين وعضوا لمجلس تأديب نظارة المالية ورئيسا لمجلس تأديب مصالح الدخوليات بمصر والأقاليم ومنها أيضا خطاب مصطفي رياض باشا رئيس النظار وناظر المالية له بتاريخ ٢٩ يناير عام 1891م بتعيينه عضوا من قبل نظارة المالية باللجنة المستديمة المشكلة بنظارة المعارف لإمتحان مستخدمي الحكومة وإن دل ذلك كله علي شئ فإنما يدل على علو همة قليني فهمي وشأنه الخطير ولذا فقد توالت عليه خطابات التهنئة الرسمية من الحكومة المصرية منها خطاب تهنئة ورد لسعادته نظير الزيادة المطردة في إيرادات المصالح التي تحت إدارته وحسن نظامها وخطاب من جناب السير بلمر المستشار المالي الأسبق وخطاب كله مدح وثناء من اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر وخطاب من المستر موني من أعضاء صندوق الدين وخطاب من المستر براون مفتش عموم الري وخطاب من مدير عموم الجمارك المستر كليار وخطاب من البارون مالو ريي وخطاب من المستر ريفرس ويلسون أول من شغل منصب ناظر المالية المصرية في أول نظارة مصرية تشكلت في عهد الخديوى إسماعيل وهي نظارة نوبار باشا الأولي وظل في منصبه في ثاني نظارة مصرية وهي نظارة الأمير محمد توفيق باشا الذى صار الخديوى توفيق فيما بعد .
وفي شهر يناير عام 1901م أنعم الخديوي عباس حلمي الثاني عليه برتبة الميرميران الرفيعة أي رتبة البشوية فإزدحم على بابه ألوف المهنئين ووردت إليه رسائل التهنئة من جميع الطبقات وقدم له لفيف من الشعراء شيئا كثيرا من القصائد والمقطوعات مما لو جمع كان ديوانا كبيرا كان منه لواء الأدب الشاعر الشهير نابغة فضلاء الشرق صاحب السعادة المرحوم علي رفاعة باشا وكيل نظارة المعارف سابقا حيث قال ألا يا إبن الأماجد زدت فخرا بأشرفه على الأقران سدتا فشرف فوقه والآن أرخ بميرميران قليني صعدتا أما شاعر القطرين خليل بك مطران فقد قال عنه ذاك خير للمخلصين جزاء وهو في أنفس المحبين أعلى رتبة تقصر العزائم عنها أنت أهل لمثلها ولأعلى وقال عنه أيضا الأديب الكامل أحمد الكاشف يا ماجدا بلغ المحامد والعلى فغدا له قدر بمصر خطير أنت الأحق برتبة أولاكها مولي بتقدير الأمور خبير وأخيرا فقد قال عنه حضرة الأستاذ العلامة المرحوم الشيخ سليمان العبد أحد العلماء الكبار بالأزهر الشريف قليني باشا ميرمران الأمرا وعزمه يعلو النجوم الزهرا وهمة فوق السماك قد علت وعصره بحزمه قد فخرا وفي عام 1914م إنتخب قليني فهمي باشا عضوا بالجمعية التشريعية والتي كانت بمثابة برلمان البلاد وفي نفس الوقت أخذ ينشر بيراعة البليغ وفكره الثاقب في الجرائد والمجلات العربية والإفرنجية اليومية ما من شأنه رقي وطنه فكتب تحت عنوان الحكومة وديون الأهالي وبنك البنوك ووقاية البلاد من الأزمات المالية وقد تنبهت الأمة فيما بعد إلي هذا الإقتراح وتم بالفعل في عام 1920م إنشاء بنك مصر برأس مال مصري خالص وبدون أي مساهم أجنبي علي يد الإقتصادى الكبير طلعت حرب باشا وكتب قليني فهمي باشا أيضا عن زراعة الدخان ومصلحة الوطن بما له من الخبرة الزراعية والسداد في الرأي .
وبعد صدور تصريح 28 فبراير عام 1922م والذى بموجبه تم رفع الحماية البريطانية عن مصر ومنحها إستقلالها شكل عبد الخالق باشا ثروت الوزارة في أول مارس عام 1922م وفي يوم 3 أبريل عام 1922م شكل لجنة مكونة من عدد 30 عضوا غير رئيسها ونائبه لوضع الدستور وقانون الإنتخابات وتم إحتيار حسين رشدى باشا رئيس الوزراء الأسبق رئيسا لهذه اللجنة وأحمد حشمت باشا نائبا للرئيس وعرفت بإسم لجنة الثلاثين وضمت هذه اللجنة مفكرين وأدباء ورجال قانون ورجال مال وأعمال وأعيان ورجال دين وتجار وساسة وعلماء كان منهم قليني فهمي باشا ولم تضم أعضاء من الحزب الوطنى وحزب الوفد اللذين رفضا المشاركة بل إن الزعيم سعد زغلول الذى كان منفيا في جزيرة سيشل آنذاك مع بعض رفاقه فى الوفد وصف هذه اللجنة بأنها لجنة الأشقياء لأنه كان يرى أن يتم وضع الدستور بواسطة جمعية وطنية تأسيسية تمثل الأمة لا لجنة تؤلفها الحكومة ورغم المواقف الرافضة لهذه اللجنة إلا أنها قد أنهت مهمتها على أكمل وجه ووضعت الدستور والذى كان بحق من أفضل الدساتير فى التاريخ المعاصر وقد رفعت اللجنة مشروع الدستور إلى رئيس الوزراء عبد الخالق باشا ثروت في يوم 21 أكتوبر عام 1922م وكان من المنتظر أن يصدر به المرسوم الملكى إثر تقديمه لرئيس الوزراء كما قدمت له اللجنة بعد أيام قليلة مشروع قانون الإنتخابات المرافق للدستور لكن إستقالة ثروت باشا المفاجئة حالت دون صدور الدستور فى موعده المقرر وفي شهر مارس عام 1923م تم تعيين يحيي إبراهيم باشا رئيسا لمجلس الوزراء وكانت وزارته وزارة إدارية ألغت الأحكام العرفية وأفرجت عن سعد زغلول باشا ورفاقه ليعودوا من المنفى وفى يوم 19 أبريل عام 1923م صدر الدستور ومن بعده قانون الانتخابات والتي أجريت في آخر العام وكانت أنزه إنتخابات أجريت في مصر وما يزال يضرب بها المثل حتي يومنا هذا وأسفرت عن فوز الوفد بالأغلبية ولتأتي الوزارة الشعبية وزارة زعيم الأمة سعد زغلول باشا والذى رغم ملاحظاته على تصريح 28 فبراير عام 1922م ووصفه للجنة الثلاثين بأنها لجنة الأشقياء إلا أن الدستور الذى وضعته هذه اللجنة كان له الفضل فى مجىء سعد زغلول باشا على رأس الوزارة الشعبية الوفدية والتي ظلت مخلصة لدستور عام 1923م .
وكان من نصائح وإرشادات قليني فهمي باشا الثمينة إلى شبان اليوم ما هو مذكور بعدد مجلة الهلال شهر أكتوبر عام ١٩٢٥م وهي المجلة الغنية عن البيان والتي تعد من أكبر المجلات العربية في هذا الوقت حيث قال لمندوب هذه المجلة أرى مع الأسف أن أخلاق السواد الأعظم من الأمة قد تسممت وأصبح الناس كلهم يبيتون في خداع والبارع من يخدع أخاه أو صديقه بأية وسيلة ليقنص منه ما يمكنه ولذا يجب أن أقول إن أحسن الصفات التي تؤهل الإنسان في الزمن للقيام بخدمة عامة هي التحلي بالصدق والوفاء والصراحة ولو لاقى في أول أمره صعوبات جمة وإن للتربية العائلية تأثير عظيم في تهذيب الأخلاق فكان الصغير يكرم الكبير والكبار يتشاورون ويعملون برأي أحكمهم ولنحو ثلاثين سنة تطورت وساءت الأخلاق والآداب وأصبح الصغير يحتقر الكبير ولم تهتم المدارس بتربية الأخلاق وترقيتها بل أضرت بنا الكتب من حيث أردنا النفع ومن رأيي أن مطالعة الكتب الدينية تساعد على تقوية الفضائل وتردع النفس عن القبائح ومن جانب آخر يمكن للشاب أن يحافظ على صحته إذا إتبع عدة قواعد أولها أن يبتعد عن شرب الخمور وتناول المخدرات وثانيها أن ينام مبكرا ويستيقظ مبكرا وثالثها أن يزاول الرياضة البدنية ما إستطاع وأرى أنه لا يحسن بالشاب أن يتزوج قبل أن يبلغ الخامسة والعشرين عاما بشرط أن يكون في مركز مالي يساعده على الحياة براحة وإطمئنان ضامنًا تربية من يرزقه الله بهم من الأولاد تربية سليمة وفضلا عن ذلك يحسن بالشبان الإنصراف إلى الصناعات كلها سواء أكانت كبرى أم صغرى تزاول يدويا باليد أو آليا بالعدد والآلات ولا أستحسن أن يتعرف الشاب علي مساوئ الحياة الإجتماعية بنفسه لما يترتب على ذلك من الضرر والخطر على مستقبل الشاب إذ قد يستحسن إحدى الموبقات فيعلق بها ولذا فيجدر بالمربين من والدين وأساتذة أن يبعدوا الشاب عن ذلك الدرس العملي وخير لهم أن لا يدخلوا بابه بأية حال .
ونظرا لما عرف عن قليني فهمي باشا من نبوغ وتفوق وحكمة وذكاء وفطنة فقد توالي عليه الثناء الجم من الصحف والمجلات العربية والإفرنجية إزاء خدماته الجليلة وأعماله المجيدة المفيدة وإعترافًا بفضله وجليل خدماته فكان مثلا مما قيل عنه إن قليني باشا له أعمال في خدمة الإنسانية حيث قام بقسط جميل منها في جمعية الهلال الأحمر المصري كما أن له ولع عظيم بنشر المعارف ولهذا الغرض قد وهب من أرضه عشرين ألف متر لإنشاء دائرة معارف تشمل جملة مدارس للبنين والبنات أوقفها عليها قدرت بعشرين ألف جنيه علاوة علي أن قليني باشا عضو بالمجلس العالي بوزارة الزراعة وعضو بالمجلس العالي الإقتصادي بنظارة المالية وعضو بالنقابة الزراعية يعمل في كل منها لمصلحة الأمة كما أنه أحد الرجال الذين صاغوا الدستور للبلاد وكان أيضا مما ذكرته الصحف عنه إن لكل أمة أدوار تنتقل فيها صعودا وهبوطا فإذا صارت إلى ما يضعضع قوتها ويذبل زهرتها وينضب ماءها ويجدب أرضها وأحاط بها الشقاء جيلا أو أجيالا وأراد الله لها النهوض من الكبوة والإنتعاش من الهمود والسلامة من المرض أتاح لها رجلا أو رجالا يأسون جراحها ويعالجون داءها ويتعهدونها بما يعيد إليها الحياة والنضارة والقوة ويصلحون شؤونها ويأخذون بيدها إلى ما تتوق إليه من السعادة والعزة والمقام الكريم وما ذلك إلا أن يستعينوا بنبوغهم على إزالة العقبات من طريق إتقائها وإيجاد الوسائل المؤدية إلى بلوغ آمالها وإنا لنرى حياة جديدة ونزوعا إلى العمل والتقدم في سبيل السعادة وليس في مظاهر هذه الحياة الجديدة أجمل من هذا المشروع الجديد الذي يقوم به هذا النابغة المصري قليني فهمي باشا ذلك الرجل المتوقد الغيرة والذكاء فإن مصر محتاجة إلى تنظيم الشئون المالية حيث أن المال هو أساس بناء العلم والنهضة والحضارة في كل أمة من الأمم وكل قطر من الأقطار ولا ريب في أن المصرف المالي الوطني الذي يقوم بمشروعه هذا النابغة سيكون ينبوعا للثروة لا ينفد ولا يغيض وبه تقوى آمالنا في بلادنا وبما ينبعث منه من القوة والنظام تعرف مصر كيف تؤسس الشركات للتجارة والصناعة والفنون والعلوم وغيرها من أسباب الإصلاح والفلاح وتعرف كيف تستفيد بخصوبة أرضها وذكاء أبنائها فمشروع سعادة قليني فهمي باشا من أجل المشروعات التي تدعو كبراءنا وأهل الجد في بلادنا إلى الإشتراك فيها ليشتركوا مع سعادته في الفخر الخالد والمجد الثابت الأركان وكتبت الصحف عنه أيضا حينما كان عضوا بالجمعية التشريعية وأما عن مبادئه وخطته في عهد نيابته بالجمعية التشريعية فإن سعادته يذهب إلى وجوب العمل المطمئن الهادئ والتفاهم المبني على حسن الثقة فالتشريع لا يكون بالمخاصمة والحماس والمنابذة ويرى أن حسن التفاهم والحوار البناء بين الأمة والحكومة سيأتي بالفائدة العامة للبلاد وأهليها لأننا إذا ظننا بالحكومة سوءا وإعتقدت فينا سوء النية ظللنا متنافرين كل يعمل على معاكسة ومنابذة الآخر ولا يخفى ما في ذلك من الأذى والضرر الجسيم الذي يعود على الأمة ونحن نقول إن سعادته ممن يهمهم أن يخرجوا من المسائل التشريعية بنتيجة تؤدى إلى الفائدة والمنفعة والربح للأمة ولذا فإن سعادة قليني فهمي باشا لا نستطيع أن نوفيه حقه وما هو أهله من ثناء وشكر أياديه البيضاء علي أعماله العظيمة في خدمة الأمة والناطقة بفضله ونبوغه وتفوقه ويتبقي لنا في النهاية أن نذكر أن قليني فهمي باشا قد عرف عنه أنه رجل لين العريكة رقيق الفؤاد جدا تنال منه بلطف الكلام ما لا تنال من الأعداء بالسيوف والسهام طلق اللسان عذب اللفظ حاضر البديهة قوي الحجة هادئ البال طيب النفس غير أنه كان إذا ما تكبر عليه أحد يأنف من الضيم ويكره المعارضة إن لم تكن مع التواضع والأدب بالحق وكان لا يتحيز لدين من الأديان حسن التصرف في الأمور ذو رأي سديد وعزيمة ماضية وقلما قصد أمرا وخاب فيه بعيد النظر طويل الأناة يدبر رأيه إذا أراد نيل بغية في نفسه وهكذا تكون الرجال وكانت وفاته في عام 1954م عن عمر يناهز 94 عاما بعد حياة حافلة بالأعمال العظيمة والإنجازات التي تشهد له بالفطنة والذكاء والنبوغ والتفوق وحزنت عليه جميع أطياف الشعب حيث بوفاته خسرت رجلا من أعظم وأجل الرجال . |