بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”
مكرم عبيد باشا سياسي ومحام ومفكر مصري ويعد من أبرز رموز حزب الوفد بعد تأسيسه عام 1918م وقد شغل منصب وزير المواصلات ثم وزير المالية في مصر في عدة وزارات خلال العهد الملكي وهو يعد أحد رموز الحركة الوطنية في مصر حيث كان ضمن أعضاء الوفد المصاحب لسعد زغلول باشا الذين تم نفيهم إلى جزيرة سيشل بالمحيط الهندى في شهر ديسمبر عام 1921م وذلك بعد أن فشلت المفاوضات التي كان يجريها رئيس مجلس الوزراء حينذاك عدلي يكن باشا مع الحكومة البريطانية في العاصمة البريطانية لندن من أجل رفع الحماية عن مصر وإعلان إستقلالها مما إضطره إلي قطعها والعودة إلي القاهرة وتقديم إستقالته للملك فؤاد فكانت النتيجة أن زاد نشاط الحركة الوطنية في مصر بشكل كبير في ذلك الوقت ونشر الزعيم سعد زغلول باشا نداء وجهه إلى كافة المصريين بضرورة مواصلة التحرك ضد الإحتلال البريطاني ودعا جميع القوى الوطنية إلى عقد إجتماع موسع فأنذرته سلطات الإحتلال من إلقاء أى خطبة يكون من شأنها إثارة أفراد الشعب وأصدرت إليه أمرا بمغادرة القاهرة إلي الريف هو ومجموعة من رفاقه وتم رفض هذا الأمر من جانبه فقامت السلطات البريطانية بإعتقاله هو ورفاقه مصطفي النحاس باشا وعاطف بركات باشا وفتح الله بركات باشا ومكرم عبيد باشا وسينوت بك حنا وأصدر اللورد أدموند اللنبي المعتمد السامي البريطاني في مصر أمرا عسكريا إلى البنوك بعدم صرف أى أموال لسعد زغلول باشا أو رفاقه إلا بأمر شخصي منه وهنا إندلعت المظاهرات من جديد في القاهرة والمدن الكبيرة وأصدرت سلطات الإحتلال قرارا بنفي سعد زغلول باشا ورفاقه خارج البلاد وبالفعل غادروها إلي ميناء عدن باليمن يوم 21 ديسمبر عام 1921م وبعد صدور تصريح 28 فبراير عام 1922م والذى تم بموجبه رفع الحماية البريطانية عن مصر ومنحها إستقلالها وبعد إعلان قيام المملكة المصرية والمناداة بالملك فؤاد الأول ملكا عليها في يوم 15 مارس عام 1922م ثم تعيين يحيي إبراهيم باشا رئيسا للوزراء في يوم 15 مارس عام 1923م رأت السلطات البريطانية تهدئة للرأى العام أن تقوم بالإفراج عن سعد زغلول باشا دون رفاقه وتم ذلك في يوم 30 مارس عام 1923م وسافر إلى فرنسا للعلاج ثم تم بعد ذلك إصدار الأمر الملكي الخاص بدستور عام 1923م علي الرغم من إحتجاج لجنة الثلاثين التي وضعت مواد الدستور علي التعديلات التي أجرتها وزارة محمد توفيق نسيم باشا السابقة علي بعض مواده بإعطاء الملك صلاحيات حل البرلمان وإقالة الوزارة وأيضا التعديلات التي طلبتها السلطات البريطانية بحذف المواد الخاصة بالسودان ثم تم في يوم 30 أبريل عام 1923م صدور قانون الإنتخابات في ظل الدستور الجديد وبعد شهر وفي يوم 30 مايو عام 1923م تم إصدار القانون رقم 14 لعام 1923م المسمى بقانون الإجتماعات العامة والمظاهرات في الطرق العمومية والذى قيدت فيه الحكومة الإجتماعات والمظاهرات بقيود شتي وفي اليوم التالي 31 من شهر مايو عام 1923م تم الإفراج عن رفاق سعد زغلول باشا من أعضاء الوفد المنفيين في جزيرة سيشل والسماح لهم بالعودة إلى مصر والذين كان منهم مكرم عبيد باشا .
وكان مولد مكرم عبيد باشا في قنا في صعيد مصر في يوم 25 أكتوبر عام 1889م ودرس القانون في جامعة أوكسفورد بإنجلترا وحصل على ما يعادل شهادة الدكتوراة في عام 1912م ثم عمل سكرتيرا لصحيفة الوقائع المصرية ثم سكرتيرا خاصا للمستشار الإنجليزي برونيات أثناء الحرب العالمية الأولى لكن بسبب كتابته رسالة شارحا فيها مطالب الأمة المصرية وحقوقها إزاء الإنجليز تم الإستغناء عنه ثم عين بعد ذلك أستاذا بمدرسة الحقوق لعامين كاملين ثم عمل في المحاماة وذاع صيته كمحام بارع كما أنه كان خطيبا بارعا وساعده علي ذلك إتقانه الشديد للغة العربية وحفظه للقرآن الكريم مع كونه قبطيا وفي عام 1919م إنضم إلى حزب الوفد في بدايات تكوينه وعمل في مجال الترجمة والدعاية في الخارج ضد الإحتلال الإنجليزي حيث كان له دعاية نشطة في كل من إنجلترا وفرنسا والمانيا ولما نفي سعد زغلول باشا إلي جزيرة مالطة حينذاك ثار وقام بإلقاء الخطب والمقالات حتى إن الجريدة الناطقة بلسان حزب الوفد أطلقت عليه لقب الخطيب المفوه وفي هذه الفترة كرس وقته للدفاع عن المقبوض عليهم في تهم سياسية ومن لاحقه البوليس السياسي ولا زالت أصداء مرافعاته معروفة في تاريخ المحاماة في مصر حيث كان يعتمد في دفاعه على التحليل المنطقي لدوافع الجريمة وكان يستشهد بالقرآن الكريم في مرافعاته كثيرا وكان هو المحامي الذى دافع عن الأديب والكاتب المعروف عملاق الأدب العربي عباس محمود العقاد في عام 1930م والذى إتهم بتهمة العيب في الذات الملكية وذلك عندما أراد الملك فؤاد إسقاط عبارتين من الدستور تنص إحداهما على أن الأمة هي مصدر السلطات والأخرى أن الوزارة مسئولة أمام البرلمان ومن ثم إرتفع صوت العقاد من تحت قبة البرلمان على رؤوس الأشهاد من أعضائه قائلا إن الأمة على إستعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه وبعد وفاة سعد زغلول باشا في يوم 23 من شهر أغسطس عام 1927م تم إختيار مصطفي النحاس باشا الذى كان يشغل منصب سكرتير عام حزب الوفد ليحل محله في رئاسة الحزب ومن ثم تم إختيار مكرم عبيد باشا ليشغل منصب السكرتير العام للحزب وفي عام 1928م عين وزيرا للمواصلات في وزارة مصطفي النحاس باشا الأولي والتي تولت الحكم من يوم 16 مارس حتي يوم 25 يونيو عام 1928م وفي عام 1930م شغل منصب وزير المالية في وزارة النحاس باشا الثانية والتي حكمت البلاد منذ يوم أول يناير حتي يوم 19 يونيو عام 1930م وفضلا عن ذلك فقد إختير نقيبا للمحامين خلال الفترة من 15 ديسمبر عام 1933م حتي يوم 25 ديسمبر عام 1936م وفي شهر مايو عام 1936م عين مرة أخرى وزيرا للمالية في وزارة مصطفي النحاس باشا والتي إستمرت في الحكم حتي يوم 29 ديسمبر عام 1937م وفي عهد هذه الوزارة كان مكرم عبيد باشا وراء إصدار قانون تخفيض الضريبة علي صغار الملاك الزراعيين وقانون نقابات العمال والذى يضمن لهم حقوقهم من قبل رجال وأصحاب الأعمال والذى كان قد تعثر إصداره عدة مرات في فترات حكم الوزارات السابقة ويعد مكرم عبيد باشا هو صاحب فكرة النقابات العمالية وتكوينها والواضع الأول لكادر العمال في مصر وتوفير التأمين الإجتماعي لهم وواضع نظام التسليف العقاري الوطني كما أنه كان صاحب الأخذ بنظام الضريبة التصاعدية للدخل .
وفي عهد وزارة مصطفي النحاس باشا التي حكمت البلاد بداية من يوم 4 فبراير عام 1942م شغل منصب وزير المالية أيضا وبعد شهور قليلة من عمر تلك الوزارة حدثت خصومة شديدة بين مصطفي النحاس باشا ومكرم عبيد باشا واللذين كانا يعدان أشهر صديقين في السياسة المصرية وذلك نتيجة أسباب عديدة منها دسائس ومؤامرات القصر التي كان يقودها أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي حينذاك ومنها الخلاف في بعض السياسات المالية التي كان يراها النحاس باشا ويرفضها مكرم عبيد باشا والتي كانت في النهاية تحظى بموافقة باقي الوزراء عند عرضها للمناقشة وإتخاذ القرار وإنتهي الأمر بإتفاق مع الملك فاروق بأن تقدم الوزارة إستقالتها ثم يكلف الملك النحاس باشا بتشكيل الوزارة مرة أخرى بحيث لا تشمل مكرم عبيد باشا وهو ماتم تنفيذه بالفعل وكان ذلك يوم 26 مايو عام 1942م وبذلك إنتهي الأمر بخروج مكرم عبيد باشا من الوزارة ومن حزب الوفد ولكنه ظل عضوا في مجلس النواب حتي قدم إستجواب عن مخالفات مالية إرتكبتها حكومة الوفد لهذا المجلس تعرف بالكتاب الأسود إلا أن النحاس باشا فندها كلها وحازت وزارته ثقة المجلس وتقدم النائب حسن ياسين بإقتراح لإسقاط عضوية مكرم عبيد باشا من مجلس النواب لأن هذا الرجل كان سكرتيرا لحزب الوفد وصديقا لمصطفى النحاس باشا وإبنا لسعد زغلول باشا ولم يعد نتيجه سلوكه الأخير جديرا بشرف النيابة فجرى تصويت على الفور وفي نفس الجلسة رغم أن النائب فكري أباظة باشا كان قد طلب إحالة الموضوع للجنة الشئون الداخلية في المجلس ولكن تم رفض طلبه وتم فصل مكرم عبيد من عضوية مجلس النواب وتم وصفه بأنه أسوأ نائب ثم تم إعتقاله لفترة قصيرة وأفرج عنه بعدها وقد تم بعد ذلك إقالة الوزارة الوفدية مساء يوم 8 أكتوبر عام 1944م وهو الأمر الذى كان يحلم به الملك فاروق طوال سنتين ونصف السنة حيث فرضت عليه تلك الوزارة فرضا على غير رغبته ولم يستطع التخلص منها طوال هذه المدة خشية أن تكرر بريطانيا حادث 4 فبراير عام 1942م وبمجرد أن تلقي الضوء الأخضر من بريطانيا بأن بقاء أو رحيل الوزارة هو شأن مصرى داخلي سارع بإقالتها منتهزا فرصة الأزمة التي حدثت بينه وبين الوزارة بخصوص إيقاف غزالي بك مدير الأمن عن العمل لتنفيذه أوامر الملك دون العودة لرؤسائه إلى جانب الأزمات الإقتصادية التي كانت تعاني منها البلاد بسبب تداعيات الحرب العالمية الثانية وفي اللحظة التي كان يتسلم فيها النحاس باشا كتاب إقالة وزارته كان أحمد ماهر باشا رئيس الحزب السعدى يتسلم كتاب تكليفه بتشكيل الوزارة الجديدة وكان ذلك كما أسلفنا مساء يوم 8 أكتوبر عام 1944م وعلي الفور بدأ أحمد ماهر باشا في مشاورات تشكيل الوزارة وكادت أن تحدث أزمة أثناء تلك المشاورات وأن يتعثر تشكيل الوزارة بسبب مكرم عبيد باشا الذى كان قد تم فصله من الوفد فقام بتأسيس حزب سماه الكتلة الوفدية كما ذكرنا في السطور السابقة وطالب بأن تكون له حقائب وزارية مماثلة لباقي الأحزاب التي ستشارك في الوزارة فتدخل القصر ممثلا في أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي ومارس عدة ضغوط وواسطات علي الأطراف المعنية وتم حل الأزمة العنيفة التي كادت أن تعصف بالوزارة قبل تشكيلها وشارك مكرم عبيد في هذه الوزارة كوزير للمالية ثم في الوزارة التالية التي ترأسها محمود فهمي النقراشي باشا بعد إغتيال أحمد ماهر باشا في نفس المنصب والذى إستمر يشغله حتي شهر فبراير عام 1946م .
ومن طرائف التاريخ أنه في صباح يوم 13 أبريل عام 1947م توفي صبرى أبو علم باشا الذى حل محل مكرم عبيد باشا كسكرتير عام للوفد أن مصطفي النحاس باشا ومكرم عبيد باشا حضرا جنازته وكانت قد دبت بينهما الخصومة منذ سنوات كما ذكرنا في السطور السابقة فوجدا نفسيهما يتعانقان وإذا بمكرم عبيد يقول بصوت عال علي مرأى ومسمع من مشيعي الجنازة إذا مات صبرى أبو علم باشا فإن حب مكرم للنحاس باشا لا يموت وكان في تعانقهما دليل علي مكانة هذا الرجل الكبيرة في نفوس من يعرفونه وما إستدعاه الإيمان من الشعور بزوال الدنيا ولوعة الفراق ومن طرائف التاريخ أيضا أن مكرم عبيد باشا كان هو السياسي الوحيد الذي شيع جنازة حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان الذى لقي مصرعه في شهر فبراير عام 1949م بجانب والده بعد أن منع البوليس السياسي في هذا الوقت أن يقترب أي رجل من منزل البنا وإلا تعرض للإعتقال بإستثناء مكرم عبيد باشا نظرا لمكانته ومنزلته المعروفتين وكان ذلك في عهد وزارة إبراهيم عبد الهادى باشا التي خلفت وزارة محمود فهمي النقراشي باشا بعد إغتياله علي يد فرد ينتمي إلي هذه الجماعة في يوم 28 ديسمبر عام 1948م بعد أن كان النقراشي باشا قد أصدر أمرا عسكريا فى يوم 8 ديسمبر عام 1948م بوصفه حاكما عسكريا بحل هذه الجماعة وإغلاق مقراتها والأماكن المخصصة لها حيث كانت قد إنحرفت عن أهدافها الدينية والإجتماعية كما جاء فى التقرير الذى قدمة وكيل وزارة الداخلية لشئون الأمن العام وكانت حكومة إبراهيم عبد الهادى باشا قد جردت عليهم حملة لا هوادة فيها وقبض على عدد كبير منهم وأودعوا في السجون وإدعى كثير منهم أنهم لاقوا معاملة وحشية تناولت تعذيبهم وضربهم وحرمانهم من الطعام وزيارة الأقارب في حين أنكرت الحكومة هذه الإتهامات ونفتها تماما .
ومن جانب آحر فقد كان لمكرم عبيد باشا نشاطا حقوقيا حيث ساهم في دعم حرية الرأي والصحافة والإجتماع وإعتبر القيد الوارد على الحريات ووقاية النظام الإجتماعي عبارة مطاطة تفسح وتسمح لأى حاكم مستبد المجال للعبث بالحريات المقدسة وكان من رأيه ووجهة نظره وجوب إلغاء الحبس الإحتياطي في جرائم الرأي وحظر إقالة الوزارة إلا إذا سحب البرلمان الثقة منها وحظر إعلان الأحكام العرفية حيث لا يجوز إعلانها إلا إذا اشتبكت البلاد في حرب فعلية داخل حدودها على أن يحاط هذا الإعلان بالضمانات الدستورية والنيابية الواجبة وعلى ألا تعلن الأحكام العرفية لمجرد قيام أسباب خطيرة يخشى معها إختلال الأمن العام في البلاد لأن مثل هذه التعبيرات قد تسمح بالعبث في التفسير وبعد قيام ثورة يوليو عام 1952م إعتزل مكرم عبيد باشا العمل السياسي وكانت وفاته في يوم 5 يونيو عام 1961م عن عمر يناهز 72 عاما وتم تأبينه بالكنيسة المرقسية بالأزبكية وقد شارك الرئيس الأسبق أنور السادات نيابة عن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في تأبينه وتم دفنه بمقابر العائلة بالقاهرة وتكريما له أطلق إسمه على أحد الشوارع الرئيسية بحي مدينة نصر بالقاهرة والذى يعد حاليا من أشهر وأهم الشوارع في مدينة القاهرة وفي الختام نذكر بعض أقوال مكرم عبيد باشا والتي تعبر عنه كمفكر وذلك علي النحو التالي :-
-- إن مصر ليس وطنا نعيش فيه بل وطنا يعيش فينا . -- إن الذي ينتصر على غيره قوي ولكن الذي ينتصر على نفسه يكون هو الأقوى -- اللهم يا رب المسلمين والنصارى إجعلنا نحن المسلمين لك وللوطن أنصارا وإجعلنا نحن نصارى لك وللوطن مسلمين . – إنه إذا لم يتخذ أي منا من ذكراه عبرة فيجاهد في سبيل وطنه كان هو الحي الميت وحق لى أن أقول أيها الميت الحى أنت سعد أيها الحى الميت أنت عبد وكان ذلك في نعي سعد زغلول باشا عند وفاته . -- إننى كما أقرأ الكتاب المقدس الإنجيل أقرأ القرآن الكريم وأستشهد بآياته بل وأتعظ بعظاته لأننى أؤمن بالواحد الديان سبحانه وتعالي في كمال علمه وصفاته . -- التاريخ العربى سلسلة متصلة بسبب اللغة والثقافة العربية وأن على العرب أن يسلكوا الطريق الذي سلكه الأوروبيون بأن يقيموا تنظيما يلتفون من خلاله في ميثاق قومى واحد لبذل الجهود من خلال النضال العربى المشترك من أجل الحرية والإستقلال . |