بقلم المهندس/ طارق بدراوى
من موسوعة "كنوز أم الدنيا"
تم تشييد هذا النصب التذكارى في ضاحية مدينة نصر بالقاهرة بأوامر من الرئيس المصري الأسبق الراحل أنور السادات تخليدا لذكرى الشهداء المصريين الذين فقدوا أرواحهم في الحروب التي خاضتها مصر مثل حرب فلسطين عام 1948م والعدوان الثلاثي عام 1956م وحرب الخامس من شهر يونيو عام 1967م وحرب الإستنزاف ما بين عام 1968م وعام 1970م وحرب أكتوبر عام 1973م وقد تم إفتتاحه في شهر أكتوبر عام 1975م ضمن إحتفالات مصر بالذكرى الثانية لإنتصارات أكتوبر عام 1973م ويمكن زيارته في أي يوم حيث أنه مفتوح للزيارة طوال اليوم ليلا ونهارا وقد قام بتصميم هذا النصب التذكارى الفنان التشكيلي المصري سامي رافع على شكل هرم رباعي مجوف من الداخل كرمز لفكرة الخلود في حضارة المصريين القدماء وتأكيدا لتمسك المصريين بجذورهم وحضارتهم وهو يعد أشهر وأهم أعماله قاطبة وقد تم بناؤه من الخرسانة المسلحة وأحجار البازلت بإرتفاع قدره 33.64 مترا في حين يبلغ عرض حوائطه الأربعة عند القاعدة 13.30مترا كما يبلغ سمك هذه الحوائط 1.9 مترا ومسجل عليها بالخط الكوفي عدد 71 إسما رمزيا منها أسماء إسلامية مثل محمد ومحمود ومصطفى وعمر وعثمان ومنها أسماء مسيحية مثل جرجس وبطرس وجورج ومنها أسماء مشتركة مثل إبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف وموسي وعيسي وعبد الله وناجي وحلمى وحمدى وقاسم وأسعد وعاطف وشوقى وبسيونى وشادى وزكى وسامى وغيرها من الأسماء ومنها أسماء مشتقة من أسماء مدن ومحافظات مصرية مثل الفيومي والشرقاوى والسويسي والإسكندراني والبحيرى والدسوقي مما يجسد وحدة أبناء شعب هذا الوطن في الدفاع عن بلدهم الحبيب مصر الغالية وكان الفنان التشكيلي الراحل سامى رافع قد قال فى أحد اللقاءات النادرة له عن قصة هذا النصب التذكارى إن المفاجأة التى لايعرفها الكثيرون أننى لم أكلف بتصميم قبر الجندى المجهول مباشرة بل كانت هناك مسابقة من وزارة الإسكان تم الإعلان عتها في الصحف وشارك فيها عدد 50 فنانا تشكيليا وفنانة وفزت من بينهم وكانت الجائزة المالية قيمتها 3 آلاف جنيه وكانت قيمة المكافأة كبيرة في ذلك الوقت ويضيف الفنان سامي رافع إنه بعد إفتتاح النصب التذكاري إنه لم يتلق تعليقا سلبيا عليه وكان هذا علي عكس المعتاد عند إفتتاح المعارض التي كان يشارك فيها بأعماله حيث أنه في العادة تكون هناك آراء مختلفة وأحيانا متناقضة ومما يذكر أن الفنان سامى رافع كان قد حصل علي بكالوريوس كلية الفنون الجميلة قسم ديكور عام 1948م ثم حصل علي دبلوم أكاديمية الفنون الجميلة بفيينا قسم ديكور المسرح كما شغل منصب وكيل نقابة الفنانين التشكيليين وكان من أعماله الأخرى تصميمه 14 رسما لجداؤيات حوائط مترو الأنفاق وعدة هيئات ومؤسسات مصرية مختلفة .
وكان المكان المقترح لوضع النصب التذكارى للجندى المجهول في بداية الأمر هو الحديقة المقابلة لدار الأوبرا المصرية القديمة في وسط البلد ولكن بمجرد نزول صورة ماكيت النصب التذكاري في جريدة الأهرام إتصل المصور الخاص بالرئيس الراحل السادات بالفنان سامي رافع ليبلغه بإندهاش الرئيس بمجرد رؤية التصميم وأنه قد إختار مكانا جديدا لوضع النصب التذكاري فيه في ضاحية مدينة نصر قي مكان فسيح ومتسع يصلح لإقامة العروض والإحتفالات العسكرية وكان ذلك في شهر مايو عام 1975م وحدد الرئيس السادات لوزير الإسكان حينذاك المهندس عثمان أحمد عثمان مدة 4 شهور لتنفيذ هذا النصب التذكارى ليكون جاهزا للإفتتاح في إحتفالات الذكرى الثانية لإنتصارات أكتوبر وهو ما تحقق بالفعل ومن عجائب الأقدار أن كان هذا النصب التذكارى هو المكان الذى دفن تحته بعد ذلك الرئيس الراحل أنور السادات بعد إغتياله أثناء العرض العسكرى بمناسبة الذكرى الثامنة لإنتصارات أكتوبر في يوم السادس من أكتوبر عام 1981م وهو ما جعله سنويا رمزا للإحتفال بهذه المناسبة فى الدولة المصرية والذى يحرص فيه جميع الرؤساء المصريين من بعده وأيضا وزير الدفاع وكبار قادة القوات المسلحة علي وضع أكاليل الزهور عليه في كل عام خلال إحتفالات مصر بنصر أكتوبر كما يحرص كثير من ملوك ورؤساء الدول الزائرين لمصر علي زيارته أيضا ووضع أكاليل الزهور عليه وبالمثل يحرص الرؤساء المصريون علي زيارة قبر الجندى المجهول في الدول التي يقومون بزيارتها ووضع أكاليل الزهور عليها ومما يذكر أنه قد أضيفت إلي النصب التذكارى للجندى المجهول بمدينة نصر في عام 1991م عدد نافورتين من الرخام تحملان عربات أحمس التي تطارد الهكسوس وستارة كتبت عليها الآية الكريمة ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ولوحة تصور إقتحام الجندي المصري لخط بارليف . و
جدير بالذكر أنه قد أقيمت نصب تذكارية للجندى المجهول في بعض مدن المحافظات المصرية منها مدينة الزقازيق عاصمة محافظة الشرقية ومدينة السادات التابعة لمحافظة المنوفية ومدينة سوهاج ومدينة قنا ومدينة بور سعيد الباسلة التي واجهت العدوان الثلاثي عام 1956م والذى إشتركت فيه فرنسا وإنجلترا وإسرائيل وكابدت أمري التهجير والقصف فكان لابد لشهيدها المجهول والذي ربما كان فدائيا أو مجندا مات غريبا ولم يعرَف عنه شئ بعدها ومن ثم إحتفت المدينة بشهدائها فشيدت لهم نصبا تذكاريا بميدان الشهداء أو ميدان المسلة أمام ديوان عام محافظة بورسعيد علي هيئة مسلة جرانيتية وذلك على طريقة الفراعنة الذين كانوا يغرسون المسلات في مواضع إنتصارهم على أعدائهم وبالمثل أقامت مدينة الإسماعيلية علي الضفة الشرقية للقناة نصب تذكارى لشهداء معركة الإسماعيلية التي كانت واحدة من سلسلة معارك حرب أكتوبر عام 1973م على خلفية ثغرة الدفرسوار عندما حاولت القوات المدرعة الإسرائيلية إحتلال مدينة الإسماعيلية بقيادة الجنرال الإسرائيلي إريل شارون والتي تعاملت فيها إسرائيل على أنها معركة فاصلة بيد أن القوات الإسرائيلية لم تنجح وقتها في خطة عزل المدينة كما خططت وتبددت أحلام شارون في إحتلال المدينة وليتم تخليد ذكرى شهداء هذه المعركة بتشييد نصب تذكاري على هيئة سونكي وهو يعد من أجمل النصب التذكارية من حيث إختيار الموقع المطل على سيناء والإسماعيلية في نفس الوقت بالإضافة إلى روعة واتقان بناءه الذي يوحي بالفخامة التي تليق بشهداء المعركة هذا طبعا بالإضافة إلي النصب التذكارى للجندى المجهول بالإسكندرية ومكانه علي طريق الكورنيش قرب ميدان المنشية ويمكن زيارته علي مدار الأسبوع وفي أى وقت من النهار أو الليل فهو مفتوح بصفة دائمة والذى كان قد تم بناؤه في البداية بواسطة الجالية الإيطالية بالإسكندرية كنوع من التكريم للخديوى إسماعيل نظرا لدوره الكبير في تحقيق نهضة تنموية وعمرانية في مصر خلال فترة حكمه مابين عام 1863م وعام 1879م وجاء تصميمه علي غرار النصب التذكارى للجندى المجهول في ميدان فينيسيا بالعاصمة الإيطالية روما ويعتبر نموذجا مصغرا منه وكان يتوسطه تمثال للخديوى إسماعيل وحقا يعتبر هذا النصب التذكارى تحفة فنية معمارية أبدعتها يد فنان مبدع وفي عام 1964م أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قرارا جمهوريا يقضي بتحويل هذا المكان إلى نصب تذكارى للجندى المجهول للقوات البحرية وتسليمه إليها خلال فترة قيادة الفريق أول بحرى/ سليمان عزت لها وتم نقل تمثال الخديوى إسماعيل إلى متحف محرم بك للفنون الجميلة ثم تم وضعه حاليا في وسط ميدان الخديوى إسماعيل بكوم الدكة قرب محطة مصر في مدينة الإسكندرية وجدير بالذكر أن الإسكندرية تحتوي على نصب تذكاري آخر لجندي الإسكندرية الشهيد المجهول في حرب أكتوبر عام 1973م تم تشييده بميدان الشهداء وعلاوة علي كل ما سبق ففي أعقاب حرب أكتوبر عام 1973م قررت مدينة دسوق التابعة لمحافظة كفر الشيخ أن تخلد مفقوديها الشهداء بنصب تذكاري يتوسط المدينة علي هيئة هرم ناقص مرتفع له تاج مكعب بارز عنه مثبت علي وجهه الرئيسي لفظ الجلالة بلون أخضر وقد تم تطويره مؤخرا وكتابة أسماء شهداء حرب أكتوبر وشهداء الجيش والشرطة عقب ثورة 25 يناير عام 2011م وثورة 30 يونيو عام 2013م ومجموعهم عدد 98 شهيدا علي عدد 4 لوحات رخامية جديدة تم تثبيتها علي الأوجه الأربعة لهذا النصب التذكارى .
ومما يذكر أيضا أنه يوجد في فاسطين المحتلة عدد 2 نصب تذكارى تم تشييدهما تخليدا لذكرى شهداء حرب عام 1948م من المصريين أحدهما في آد حالوم جنوبي تل أبيب قرب أشدود والثاني في الفالوجا وفوق كل منهما مسلة فرعونية مصنوعة من الرخام الأحمر وعلي جدران المسلة بنصب الفالوجا تم نقش أسماء أربعة شهداء مصريين فقط إثنان من الضباط هما العقيد البطل أحمد عبد العزيز والعقيد أحمد فهيم بيومي وإثنان من الجنود هما العريف إبراهيم قطب الصياد والعريف أبو الحسن حسن عيسوى وبالطبع فإن هذا العدد لا يمثل عدد الشهداء المصريين فى معارك حرب فلسطين وأنه نظرا للعدد الكبير منهم الذين إستشهدوا خلال هذه الحرب والذى بلغ حوالى 1500 شهيد فمن ثم تقرر أن يمثلهم عدد رمزى منهم وتاريخيا فإن فكرة أول ضريح للجندى المجهول قد تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر الميلادى وهو ضريح جندى المشاة في فريدريكا بدولة الدانمارك بعد الحرب بين بروسيا والدانمارك المسماة بحرب شليسفيش هولشتاين الأولي التي إنتهت في عام 1851م وبعده تم إنشاء ضريح آخر عام 1866م بالولايات المتحدة الأميريكية بعد أحداث الحرب الأهلية هناك بين الشمال والجنوب في عهد الرئيس السادس عشر إبراهام لنكولن ولكن لم يأخذ الأمر شكل التقليد المنتظم إلا بعد الحرب العالمية الأولي والتي بلغت فيها أعداد القتلى من الجنود عددا هائلا يقدر بالملايين ولم يكن في الإمكان التعرف علي هويتهم فكان تأسيس أول ضريح معروف للجندى المجهول تحت قوس النصر Arc de Triumphe بالعاصمة الفرنسية باريس للدلالة علي جندى فرنسى مجهول الهوية إستشهد فى ساحة الشرف خلال معارك الحرب العالمية الأولى ونقل جثمانه إلى العاصمة باريس ليدفن أسفل قوس النصر وكان ذلك في يوم 11 نوفمبر عام 1920م وكان يرمز للتضحية التى قدمها 1.390 مليون عسكرى فرنسي قتلوا في معارك تلك الحرب ونقش على الضريح العبارة التالية هنا يرقد جندى فرنسى مات فى سبيل الوطن كما أقيمت شعلة فوق هذا القبر تبقى مشتعلة ومضاءة بإستمرار وقد إنتقل هذا التقليد إلي العديد من دول الحلفاء عندما رأى المسؤولون في تلك الدول أن جثث الكثيرين من الجنود الذين لقوا حتفهم في العديد من المعارك من الصعب التعرف عليها خاصة عندما يحدث بها تشوهات تخفي معالمها فقررت حكومات دول الإتحاد السوفيتي وبلجيكا وإيطاليا وبريطانيا وبولندا والولايات المتحدة الأميريكية تكريم وتخليد ذكرى هؤلاء الجنود الأبطال الذين جادوا بأرواحهم فداءا لأوطانهم بطريقة مبتكرة مثلما فعلت دولة فرنسا فقامت كل حكومة بإختيار جندى مجهول رمزى لكي يتم دفنه في قبر يعلوه نصب تذكارى تكريما له في كل عاصمة من عواصم تلك الدول أو علي مقربة منها في مكان فسيح ومتسع حتي يمكن إقامة الإحتفالات وإستقبال الزيارات الرسمية وغير الرسمية لمن يأتى لزيارة هذا النصب ومن ثم تم تشييد نصب تذكارى للجندى المجهول في العديد من العواصم الأوروبية مثل العاصمة البريطانية لندن والعاصمة الروسية موسكو والعاصمة البولندية وارسو وخاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945م وكذلك في العديد من العواصم العربية مثل العاصمة السورية دمشق والعاصمة العراقية بغداد والعاصمة الأردنية عمان . |