بقلم المهندس/ طارق بدراوى
توجد آثار بني حسن على الضفة الشرقية من نهر النيل في الجهة المقابلة لقرية أبو قرقاص البلد التابعة لمركز ومدينة أبو قرقاص إحدى مراكز محافظة المنيا بصعيد مصر وتقع إلى الجنوب من مدينة المنيا والتي تسمي عروس الصعيد بين كل من مركز المنيا شمالا ومركز ملوي جنوبا وتبعد عن القاهرة حوالي 300 كم وتضم هذه الآثار عدد 39 مقبرة يعود تاريخها إلي عصر الدولة الوسطي الفرعونية وتحديدا إلي عهد الأسرتين الحادية عشر والثانية عشر الفرعونيتين وعمرها حوالي 4000 سنة .
وأهم هذه المقابر هي مقبرة خيتي ومقبرة باكت الثالث ومقبرة خنوم حتب الثاني ومقبرة أمنمحات وهي المقابر الأربعة الكامـلة تماما والمعدة للزيارة بالإضافة إلى مقـابر أخرى مثل مقبرة نختي ومقبرة ريموشنتي ومقبرة نترخنت وبعض المقابر الأخرى الغير كاملة ويعتقد البعض أن السبب في أن هذه المقابر غير مكتملة هو أن طبيعة الجبل في مواقع تلك المقابر غير مناسبة لإستكمال الحفر به ويعتقد آخرون أن السبب هو أن صاحب المقبرة نفذت لديه الإمكانيات ولم يعد في مقدوره إستكمالها ومن هذه المقابر غير المكتملة توصل الأثريون الى معرفة طريقة نحت المقبرة وقد إختار أصحاب هذه المقابر الضفة الشرقية للنيل للدفن ونحتوا فيها مقابرهم مع أن السائد دائما في العصر الفرعوني أن يكون الجانب الشرقي لعالم الأحياء والجانب الغربي لعالم الأموات لكنهم بنوها على جرف في الجانب الشرقي قريب من النيل بالإضافة إلى أن الجبل الغربي رملي ولا يمكن النحت فيه لكن الجبل الشرقي يتكون من الحجر الجيري الذى يمكن النحت فيه مثلما فعل إخناتون بعد ذلك في مقابر عاصمته أخيتاتون أو تل العمارنة فتلك المقابر إذن محفوره في أحجار الجبل الجيرية وتحوى الكثير من النقوش والرسومات التي تسجل أنشطة الحياة اليومية خلال الدولة الوسطى .
وكانت تلك المقابر لأشراف وحكام مدينة حبنو من عصر الدولة الفرعونية الوسطى والذى يمتد من القرن الحادى والعشرين قبل الميلاد وحتي القرن السابع عشر قبل الميلاد وهي تقع في إقليم الوعل أي الغزال ومكانها الآن قرية زاوية سلطان التي تقع على بعد حوالي 20 كيلو متر من المقابر وهم كانوا ليسوا ملوك أو أمراء ولكنهم كانوا كحكام للأقاليم أصحاب نفوذ وجاه وسلطان حيث تزوجوا من العائلة الملكية ومما يثبت ويؤكد ذلك النظام الرائع والفخامة والضخامة والإمكانيات التي إستخدموها في بناء مقابرهم حيث كانت الطرازات التي بنوا بها مقابرهم تماثل طرازات مقابر الملوك من حيث الإمكانيات والدقة والروعة في إتمام العمل وقد بنوها في الجبال لسهولة نحت المقابر فيها ولسهولة الرسم علي جدرانها حيث المناظر كلها مرسومة وليست منحوتة ولذلك فهي تسمي مقابر بني حسن الأشراف ومما هو جدير بالملاحظة أن تصميم مقابر بني حسن يوجد لها ثلاث طرازات الطراز الاول بسيط للغاية وهو عبارة عن حجرة بها باب وهمي ولا يوجد بها أعمدة وهو طراز خاص بالأسرة الحادية عشر الفرعونية والطراز الثاني أكبر قليلا وهو عبارة عن حجرة بها باب وهمي وتحتوي على أعمدة نباتية تمثل نبات زهرة اللوتس وهو طراز خاص بالأسرة الحادية عشر الفرعونية أيضا والطراز الثالث أكثر تعقيدا وبه العديد من العناصر فهو عبارة عن بهو أعمدة في الخارج ثم مدخل ثم صالة أعمدة كبيرة مضلعة ثم مقصورة الدفن وهذا الطراز يخص الأسرة الثانية عشر الفرعونية وكان هذا الباب الوهمي أساسيا في كل مقبرة لإعتقادهم أن الروح تخرج من هذا الباب ونجد عليه صورة ثورين يتناطحان وهما يمثلان صراع الخير والشر أو صراع حورس وست كما يوجد جزء محفور في كل المقابر على شكل نصف دائرة صنعه الأقباط الذين لجأوا إلي هذه المقابر وسكنوا فيها في وقت إضطهاد الرومان لهم وهو مصنوع لوضع الشموع به لإنارة المكان وكانت الألوان المستخدمة في الرسومات والنقوش بتلك المقابر ألوان طبيعية عبارة عن مساحيق ومواد طبيعية مستخرجة من باطن الأرض كما كان بياض البيض يستخدم في تثبيت الرسومات والنقوش بالأسقف كما قام أصحاب تلك المقابر بحفر عدة آبار عميقة خارجها بلغ عمق الكثير منها إلي حوالي 15 مترا كنوع من التأمين لمقابرهم حيث كانت تلك الآبار بمثابة فخ أو مصيدة للإيقاع بالدخلاء واللصوص الذين يريدون نهب وسرقة تلك المقابر والمندفعين في الظلام على الممرات الشديدة الإنحدار التي توصل إلي المقابر ليسقطوا فجأة في هذه الآبار العميقة إلى غير رجعة وإذا قدر لمن خلفهم النجاة من السقوط فإنهم يهرولون خائفين ومذعورين بالعودة من حيث أتوا للنجاة بأنفسهم من لعنة الفراعنة .
ومن أهم مقابر بني حسن كما ذكرنا في السطور السابقة مقبرة الأمير أمنمحات حاكم إقليم المنيا في عصر الدولة الوسطي وتحديدا في عصر الملك سنوسرت الأول ولها فناء خارجي لزوم الراحة لزوار المقبرة وتقديم القرابين للمتوفي وهي صالة بها عمودان مثمنان وفي جانبها الغربي مدخل يؤدى إلي صالة الأعمدة وهي صالة مربعة الشكل تقريبا بها أربعة أعمدة مضاعفة التثمين وتتميز هذه الأعمدة بأنها من طراز الأعمدة التي يطلق عليها الأعمدة ذات القنوات أو ما يسمي بأعمدة ما قبل الدوري وأول من أطلق هذه التسمية على هذه الأعمدة هو عالم الآثار الفرنسي شامبليون عندما أراد ان يؤكد أن هذا الطراز هو أساس الطراز الدورى الإغريقي للأعمدة الذى تميزت به الأعمدة في العصر الإغريقي وقد حاول بعض الكتاب التشكيك في تلك العلاقة لمحاولتهم إرجاع أصل الأعمدة الدورية الإغريقية إلى وجود رسومات لعمود مشابه له في نقوش إحدى الحفريات الخاصة ببعض المنشآت المقدونية القديمة التي ترجع الى تاريخ مقارب لتاريخ أعمدة بني حسن وأخيرا تم دحض تلك النظريات جميعا بإكتشاف العمود الدورى متكاملا بمختلف أوصافه المعمارية والإنشائية وأكثر تطورا من أعمدة بني حسن و أعمدة الإغريق وذلك في الحفريات التي تعود إلي عهد الدولة القديمة في منطقة سقارة الأثرية بالجيزة في معابدها الجنائزية ومنشآت هرم زوسر المدرج و التي ترجع الى عام 2900 ق.م مما يدل على أنها نشأت من عدة قرون سابقة لذلك العصر الذى شيدت فيه مقابر بني حسن وأيضا عصر الحفريات والمنشآت المقدونية المشار إليها وعلي جدران هذه المقبرة مناظر مختلفة للمتوفي في حياته اليومية وفي الحائط الغربي للمقبرة مدخل يؤدى إلي المقصورة وهي ذات مساحة صغيرة وعلي جوانبها مناظر مختلفة كما توجد إلي جانبها الثلاث مقابر الكاملة التي ذكرناها في السطور السابقة والقريبة الشبه من المقبرة السابقة منها وهي مقبرة خنوم حتب الثاني ومقبرة باكت الثالث ومقبرة خيتى وكانوا كلهم من رجال الدولة حيث كانوا هم كبار الموظفين والقريبين من دوائر الحكم في ذلك الوقت وقد رسمت على جدرانها جميعا مناظر توضح عمليات صيد الأسماك والحيوانات وصناعة النسيج والمشغولات الذهبية ومحاصرة وصيد الطيور والسفر والحروب كما توجد رسومات توضيحية رائعة على الواجهة لمختلف أنواع الرياضة المعروفة حينذاك كالمصارعة وغيرها ولذا فهي تعد سجلا كاملا للحياة اليومية فى عصر الدولة الوسطى من التاريخ الفرعونى وجدير بالذكر أن رحلة زيارة تلك المقابر تعد رحلة ممتعة جدا حيث الطبيعة هناك جميله جدا فمن يقف في منطقة الآثار تلك يرى سفح الجبل أسفله ثم مناطق صحراوية تتخللها أراضى زراعية خصبة ثم خلفها نهر النيل وترى على ضفته الأخرى المزارع الخضراء ممتدة إلى نهايه البصر .
وعلاوة علي منطقة آثار بني حسن توجد منطقة تسمي إسطبل عنتر تقع فى البر الشرقى لنهر النيل أيضا جنوب مقابر بنى حسن بعدة كيلو مترات وترجع تسمية هذه المنطقة بإسطبل عنتر إلى رواية مفادها أن الفارس العربي الشهير عنترة بن شداد قدم إلى المنيا وأقام فيها بعض الوقت وأقام إسطبلا لخيوله مما جعل الناس تطلق عليها إسم إسطبل عنتر وعرفت بهذا الإسم من يومها وحتى الآن ويوجد بهذه المنطقة معبد منحوت في الصخر للآلهة باخت والتى شبهها الإغريق بإلهتهم أرتيميس ولذلك سميت المنطقة بكهف أرتيميس وهذا المعبد بني في القرن الخامس عشر قبل الميلاد وأقامته الملكة حتشبسوت ولم يكتمل بناؤه في عهدها وأكمله خليفتها الملك تحتمس الثالث حيث كان به بهو يستند سقفه على صفين من الأعمدة بكل منها أربعة أعمدة ولم يتبق منها سوى ثلاثة والحجرة الداخلية مساحتها 21 قدما مربعا وترجع أهمية هذا المعبد إلى النقوش الموجودة على واجهته الأمامية للملكة حتشبسوت والتى تشير فيه إلى التخريب الذى قام به الهكسوس في مصر أثناء إحتلالهم وحكمهم لمصر وما قامت به من إصلاحات بسبب هذا التخريب وهذا يعد أقرب تسجيل معاصر حصلنا عليه لأحوال البلاد فى هذه الفترة كما يوجد فى المنطقة كهف يحمل إسم إسكندر الثانى وهو إبن الإسكندر الأكبر وجبانات ترجع إلى العصر المتأخر وكذلك جبانة للقطط . |