بقلم المهندس: طارق بدراوى
من موسوعة (كنوز أم الدنيا)
حديقة الأورمان تقع فى محافظة الجيزة بمصر غرب نهر النيل وشرق جامعة القاهرة ،أمام حديقة الحيوان بالجيزة وتعتبر من أكبر الحدائق النباتية في العالم حيث أنها مقامة حاليا على مساحة 28 فدان وقد بدأ إنشاء هذه الحديقة في عام 1873م في عهد الخديوي إسماعيل متأثرا بما كان قد شاهده في العاصمة الفرنسية باريس حيث كان قد إرتحل إلي باريس عام 1846م وأمضي فيها فترة دراسته حيث إلتحق بالبعثة التعليمية الخامسة والمسماة ببعثة الأنجال والتي أوفدها جده محمد علي باشا إلى باريس لتحصيل العلم والعودة إلي مصر لنشر ماتعلموه وشغل الوظائف القيادية التي تحتاج الي علمهم الحديث وثقافتهم الحديثة وقد سميت بهذا الإسم نظرا لأنه كان من بين أعضاء البعثة بالإضافة إلي الخديوى إسماعيل شقيقه الأكبر الأمير أحمد رفعت وهما حفيدا محمد علي باشا وأيضا عماهما الأميران عبد الحليم وحسين إبنا محمد علي باشا وفي باريس أقام حوالي سنتين وتعلم اللغة الفرنسية وأتقنها تحدثا وكتابة كما نال قدرا أعلى من العلوم الطبيعية والرياضيات التي كان قد درس قدرا لابأس به منها قبل سفره خارج مصر بالإضافة إلي دراسته قدرا من العلوم الهندسية في تلك البعثة وقد تأثر الخديوى إسماعيل تأثرا شديدا بما شاهدته عيناه في باريس من مظاهر المدنية الحديثة ومافيها من جمال وروعة ومن هنا نشأت لديه الميول والنزعة الفرنسية مما جعله يصمم بعد وصوله إلى الحكم علي أن يجعل من القاهرة باريس أخرى في جمالها وروعتها وبهائها وذلك في تخطيطها العام ومرافقها وشوارعها وميادينها ومبانيها العامة وقصورها وحدائقها وعلاوة علي ذلك فقد كان الخديوى إسماعيل متأثرا من جانب آخر بالمعرض العالمي الذي أقامه الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث عام 1867م والذى كان صديقا له حيث كان الخديوى إسماعيل قد أقام في قصر فرساى الذى يقع غرب وسط العاصمة باريس وكان هو قصر الحكم في فرنسا حينذاك ضيفا عليه بعض الوقت اثناء دراسته في باريس وتوطدت أواصر وعرى الصداقة بينهما وشاهد حدائقه الرائعة الجمال وكان هذا المعرض الذي إبتكره الإمبراطور نابليون الثالث في مخططه لإعادة تخطيط مدينة باريس مصدر إلهام لكثيرين من الطبقة البرجوازية الأوروبية والمصرية حيث شاعت فكرة إنشاء حدائق كجزء أصيل من تخطيط وتصميم المدن لتضيف إليها جمالا وخضارا فشاع الإهتمام آنذاك بالزراعة البستانية وإستجلاب زهور ونباتات إستوائية وإنشاء البيئة المناسبة لنجاحها في ظروف مناخية مختلفة وفي حقيقة الأمر لم يكن الخديوي إسماعيل أول المهتمين في العائلة الخديوية بجلب النباتات الجديدة إلى أرض مصر فقد سبقه جده محمد علي باشا بشغفه الزراعي ولكن كان الخديوي إسماعيل هو من أدخل إلي مصر الأسلوب الأوروبي في زراعة البساتين وخاصة الأسلوب الفرنسي وكان من القصور التي بناها الخديوى إسماعيل بما تحيط به من حدائق قصر عابدين وقصر القبة وقصر الزعفران بالقاهرة وسراى الجيزة وحديقة الأورمان من حوله والتي كانت تعد جزءا من هذه السراى .
قام بتصميم حديقة الأورمان على الطراز الطبيعي مهندسون فرنسيون وذلك تحت إشراف مهندس الحدائق البلجيكي جوستاف ديليشفاليرى ومعه كبير بستانيي القصور الخديوية حينذاك إبراهيم حمودة وتم إفتتاحها عام 1875م وكان الهدف من إنشائها إمداد القصور الخديوية بالفاكهة والموالح والخضر والتي تم إستجلابها من جزيرة صقلية كما زرعت بها مجموعة نادرة من الأشجار والنخيل وإحتوت حينذاك على نحو 10 آلاف شجرة حيث قام الخديوى إسماعيل بجلب أشجار ونباتات مزهرة من جميع أنحاء العالم لها وسميت حدائق الليمون وكانت مساحتها 95 فدانا حينذاك وفي عام 1889م أصدر الخديوي توفيق فرمانا بإقتطاع 50 فدان من حديقة الأورمان وتخصيصها لعرض أزهار ونباتات مستوردة غير موجودة في الطبيعة المصرية وكانت تسمي وقتها حديقة النبات ثم صدر قرار بتحويلها إلى مخزن للحيوانات وهو الإسم الذي كان يطلق على حديقة الحيوان عند إنشائها والتي ترجع فكرة إنشائها أيضا إلي الخديوى إسماعيل ضمن مخططه لتطوير وتحديث القاهرة حتي تضارع أعرق وأكبر العواصم الأوروبية مثل روما وفيينا وبرلين وباريس ولندن في المدنية والحداثة والتقدم وكان يأمل في إفتتاحها بمناسبة الإحتفالات بإفتتاح قناة السويس عام 1869م ولكن الوقت لم يسعفه وإضطر لتجميع أعداد من الحيوانات و الطيور في قصر الجزيرة الذي أصبح الآن فندق ماريوت بالزمالك ولكن تم عزله عن الحكم قبل تنفيذ فكرته وقد تم إفتتاحها في يوم 1 مارس عام 1891م في عهد الخديوى توفيق ويوجد فيها حاليا قرابة ستة آلاف حيوان من نحو 175 نوع بينها أنواع نادرة من التماسيح والأبقار والحمير الوحشية والسلاحف والثعابين والقردة والنسانيس والغزلان والفيلة والدببة وسباع البحر والزراف والأسود والنمور وأفراس النهر ووحيدى القرن وطيور البشاروش والبلشون والنعام والطاووس والبجع وأنواع عديدة من الببغوات والعصافير وهي تعد أكبر حديقة للحيوانات في مصر وفي الشرق الأوسط كله وأول وأعرق وأكبر وأشهر حدائق الحيوانات في قارة أفريقيا كلها وكانت تسمى جوهرة التاج لحدائق الحيوان في قارة أفريقيا وقد توالي علي مر الزمان إنشاء حدائق حيوان فرعية صغيرة في العديد من محافظات مصر منها حديقة حيوان النزهة بمدينة الإسكندرية وحدائق الحيوان ببعض عواصم المحافظات مثل الفيوم وبني سويف وكفر الشيخ والمنصورة وطنطا والزقازيق والعريش .
ومما يذكر أنه قبل إفتتاح حديقة الحيوان بحوالي عام واحد أي في عام 1890م تم فصل حديقة الأورمان عن حديقة الحيوان وظلت الأولي تابعة لقصر الخديوي حتى عام 1910م بينما كانت الثانية تابعة لوزارة الزراعة ثم تسلمتها وزارة الزراعة في العام المذكور وعندما تم التخطيط لشارع الجامعة عام 1934م في عهد الملك فؤاد إستقطع الجزء الجنوبي من حديقة الأورمان وتم تقسيمه بين جامعة القاهرة وحديقة الحيوان ومبني مديرية أمن الجيزة ومن ثم تقلصت مساحتها فأصبحت حاليا 28 فدان وجدير بالذكر أن كلمة أورمان كلمة تركية تعني الغابة أو الأحراش وفي عام 1910م عندما تسلمت وزارة الزراعة حديقة الليمون كما كان يطلق عليها في السابق حولتها إلي حديقة نباتية بإسم حديقة الأورمان والتي أصبحت منذ ذلك التاريخ إحدى الحدائق النباتية النادرة في مصر والعالم وأكثرها تنوعا وثراءا والمقصود بالحدائق النباتية فئة من الحدائق تكون الغاية من إنشائها إما إجراء البحوث العلمية على ما فيها من نباتات أو إقتناء وعرض مجموعة من النباتات الغريبة عن البيئة المحلية ويعود إنشاء مثل هذه الحدائق كما نعرفها الآن إلى إيطاليا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين فقد أنشأ لوكا جيني في جامعة بيزا أول حديقة نباتية في عام 1543م وتلتها حديقة ثانية في مدينة بادوا عام 1545م وثالثة في مدينة فلورنسا في العام نفسه وبعدهم في مدينة بولونيا في عام 1547م وكان إنشاء تلك الحدائق بغرض البحث العلمي الخاص بالنباتات الطبية ثم إنتشرت بعد ذلك الحدائق النباتية في مدن أوروبية عديدة مثل مدينة كولونيا بالمانيا والعاصمة التشيكية براج كما أنشأت المملكة المتحدة أولى حدائقها النباتية في جامعة أوكسفورد العريقة عام 1621م لأغراض تعليمية أيضا وتضم حديقة الأورمان مجموعة نباتية كبيرة جدا حيث أنها تحتوي علي عدد 835 نوعا من 115 فصيلة وعدد 434 جنسا من نباتات البذور أما أكثر الفصائل النباتية تنوعا فيها فهي فصائل الصباريات التي يوجد منها 74 نوعا يليها 68 نوعا من البقوليات وعدد 55 نوعا من الأغافات وعدد 54 نوعا من النخليات وعدد 41 نوعا من الفربيونيات وعدد 37 نوعا من التوتيات وعدد20 نوعا من البغنونيات أما الأشجار فيوجد منها 250 نوعا تنتمي إلى 45 فصيلا ومن بينها أشجار الطقس البارد مثل صنوبر الكناري والسيكويا دائمة الخضرة والسيفالوتكساسيات وأيضا هناك العديد من أنواع الأشجار الإستوائية مثل أشجار الساج الكبير والسباثوديا والكايا والتابيبويا والبيكسا والأيوكليا والأنتيديسما وقد تنوَعت إستخدامات الأشجار والإستفادة منها بتنوِع أنواعها فعلى سبيل المثال تستخرج من أشجار الألياف مثل شجرة القابوق الألياف التي تستخدم في حماية الأجهزة من الكسر ومن شجرة القطن الحريري الأحمر يستخرج القطن لحشو الوسائد والألياف لصناعة الحبال أما أشجار الزيوت مثل شجرة جتروفا كوركاس أو شجرة البتروليوم فتستخرج من بذورها زيوت لصناعة الصابون وتدخل بذور شجرة الباوباب في صناعة الدهون والشمع ومن الأشجار الطبية مثل شجرة الفليفلة العنقودية تستخدم أوراقها وجذعها كتوابل وتستخدم الصبغات المستخرجة من شجرة البيكسا أوريللانا كمواد طاردة للحشـرات وفي صباغة وتلوين بعض أنواع الأقمشة أما مستخرجات الأوراق والجذور فتستخدم في صناعة أدوية لعلاج مرضي الصرع والدوسنتاريا وتحتوي الزيوت المستخرجة من شجرة القرفة الكافورية على مواد حيوية مثل الكافور والتربينولين التي تستخدم كمواد منظفة ومطهرة وفي صناعة المراهم وتعد شجرة الجاك فروت ذات إستخدامات متعددة فخشبها يتميز بصلابته ولمعانه ومقاومته للحشرات ويستخدم في بناء البيوت وصناعة الأثاث والأبواب والشبابيك الخشبية .
وعلاوة علي ماسبق يوجد بحديقة الأورمان قسم لتبادل البذور مع جميع الحدائق والمراكز البحثية في مختلف أنحاء العالم وهي تتبع حاليا الإدارة المركزية للتشجير والبيئة التابعة لوزارة الزراعة وهي تتكوَن من عدة نطاقات منها حديقة الصبارات الصخرية ومساحتها 1.5 فدان وتضم 200 نوع من الصبارات والنباتات العصارية التي تنتمي إلى إحدى عشرة فصيلة وحديقة الورد الجوري ومساحتها فدانان ومعشبة الملك فاروق التي تحتوي على أعشاب برية وطبية ومركز تبادل البذور وبحيرة مائية تعيش فيها زهرة اللوتس تعلوها ثلاثة جسور خشبية قديمة تمكن الزائر من أن يشاهد من الأعلى جَمَال وصلابة تلك الزهرة المدارية وعلى الرغم من تقلص مساحة الحديقة إلَّا أنها تبقى مكاناً لنزهة ممتعة بعيدا عن صخب العاصمة ففي هذه الحديقة أنواع شتى من الأشجار وممرات أشهرها طريق النخل الملوكي وهو ممشى حجري تحيطه النخلات العاليات من الجانبين وفي ساحة أشجار الصنوبر العالية بأنواعها المختلفة والمتكتلة في بقعة واحدة ينظر الزائر إليها عالياً فتأخذه معها في رحلة إلى مكان آخر ففي مصر كلها لا توجد صنوبريات إلا في هذه البقعة من الحديقة أما أشجار البامبوسا الآسيوية الجميلة العتيقة الممشوقة القوام فتحتل مساحة صغيرة لا تتجاوز بضعة أمتار إلى جانب بحيرة اللوتس ويحتمي فيها الأصدقاء ويتركون عليها كتاباتهم كتذكار لذلك اليوم الذي كانوا فيه بجانبها ونجد أن اللون الأخضر يغلب على الحديقة طوال العام حيث يمكن للزائر أن يتنزه بهدوء فيها ولكن حين يأتي فصل الربيع ويقام فيها معرض الزهور الذى يقام سنويا في الفترة من منتصف شهر مارس وحتي منتصف شهر أبريل وأحيانا يمتد لفترة أخرى تتبدَل الحديقة وتتحول إلى كرنفال من الألوان الزاهية المتعدِدة فتحضن تحت أشجارها العالية عديدا من مشاتل الزهور والنباتات المؤقتة يبرز منها مشتل مظهر وهو إرث تركه لنا الفنان الشهير أحمد مظهر ويتميز بعرض أشجار وزهور نادرة كما يتميَّز بمعشبته التي تحتوي على عديد من البذور من مختلف الفصائل بحيث تعد فعلا متحفا للبذور ويشتمل المعرض أيضا على محلات للخدمات والمنتجات الزراعية والأعشاب وبعض محلات الحيوانات والأسماك ومن ثم نجد أنه تجتمع فيه كل أشكال الطبيعة وألوانها في وقت واحد ويجد فيها هواة الزراعة كل ما يحلمون به وتستضيف الحديقة في هذه الفترة أنواع عديدة من النباتات والزهور النادرة إلى جانب أشجار فاكهة وخضراوات وأعشاب ونباتات عطرية تضيف إلى الحديقة ألوانا وروائح عطرية جديدة يتمتع بها الزائرون من كل الطبقات والأعمار .
ولنا هنا وقفة مع زهرة اللوتس الزرقاء والتي تحتل مكانة خاصة في الوجدان المصري على وجه الخصوص حيث أنها كانت رمزا مهماً في الحضارة المصرية القديمة فقد إستخدمها قدماء المصريين في عدة أشياء منها صناعة العطور وكطعام مخلوط بالخبز كما كان وجودها في غاية الأهمية في الطقوس الإحتفالية والجنائزية على حد سواء فقد عرفوا أهميتها وإحتلت مكانة كبيرة في الديانة المصرية القديمة وقليلا ما نجد جدار معبد أو مقبرة لا تحتل فيه زهرة اللوتس مساحات كبيرة في التصوير والزخرفة كما أنها كانت رمزا للجيش المصري وفي البحيرة التي تقع في منتصف حديقة الأورمان تقريبا تجدها واقفة شامخة معلنة عن وجودها بعزة ويفوح عطرها في نسيم الهواء ويوجـد في هذه البحيرة نوعان من زهور اللوتس هما زهرة اللوتس الزرقاء التي ملأت أشكال الفن المصري القديم وزهرة اللوتس الوردية والبيضاء الطويلة التي جاءت إلى مصر بعدها ومما يذكر أنه في الثقافات الآسيوية تحتل زهرة اللوتس مكانة كبيرة في مجال الطب حيث يشربونها كشاي مهدئ وتستخدم جذورها وأوراقها في الطبخ والتداوي من عدة أمراض منها أمراض الجهاز التنفسي والهضمي وعموما فإن لهذه الزهرة بكل مكوناتها من ساق وأوراق وجذور فوائد جمة للجسم الإنساني فهي تحتوي على فيتامينات ومعادن كثيرة مثل فيتامين ج ومعادن الحديد والفوسفور والنحاس وعناصر مضادة للأكسدة هذا ولا يمكننا ذكر اللوتس من دون ذكر نبات البردي الذي كان رمزا للمملكة الشمالية قبل توحيد المملكة المصرية القديمة علي يد الملك مينا عام 3000 ق.م ويرجع إكتشاف أول بردية إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد في منطقة وادي الجرف التي كانت ميناءا مصريا قديما على شاطئ البحر الأحمر وعلى ضفاف بحيرة حديقة الأورمان ينتصب نبات البردي مظللا سطح البحيرة وزهورها ومعلوم أن البردي ينتشر على ضفاف نهر النيل خاصة في الدلتا وقد إستخدمه قدماء المصريين في صناعات كثيرة أشهرها الورق ولكنه إستخدم أيضا في صناعة الحِبال والمراكب الصغيرة والصنادل والسلال وستائر الشبابيك وكدواء لأمراض الحلق عن طريق إرتدائه حول الرقبة كحلية كما تنفرد حديقة الأورمان أيضا عن بقية الحدائق المصرية بوجود زهرة الخلبة فيها ولذلك فهي تعد حقا حديقــة خاصــة تأخذ زائرها في رحلة خارج الزمان والمكان ليتعرف على عوالم أخرى ويتواصل معها وهي عوالم مملكة النباتات الأخاذة .
وبعد أن إستعرضنا نشأة وتاريخ حديقة الأورمان فلنعد إلي شقيقتها التوأم حديقة الحيوان وجدير بالذكر أن مصر قد عرفت حدائق الحيوان منذ أيام الفراعنة حيث كان الملوك والأفراد يخرجون لصيد الحيوانات والطيور وكانوا يحتفظون بها في قصورهم للعرض والزينة وقد شهدت القاهرة في عهد محمد على باشا أول عرض مكشوف للأسود حيث وضع عدد من هذه الأسود في حفرة كبيرة أمام قلعة القاهرة في المكان الذى أقيمت فية دار الدفترخانة القديمة وكان المواطنون يتفرجون على هذه الأسود من أعلى الحفرة ويلقون إليها بغذائها من اللحوم وقد إشتهرت هذه الحفرة بإسم مسبعة القلعة ويروي المؤرخون أيضا إن محمد على باشا جاء بزرافة من جنوب السودان في عام 1826م عندما زارها في تلك الفترة بعد أن تم فتحها وبعث بها هدية إلى الملك شارل العاشر ملك فرنسا حينذاك توثيقا وتأكيدا لعلاقاته الطيبة مع الفرنسيين وكانت رحلة الزرافة على طوافة في نهر النيل من السودان إلى مصر ثم تم نقلها بحرا إلى ميناء مارسيليا بجنوب شرق فرنسا ثم سيرا على الأقدام إلى العاصمة الفرنسية باريس الأمر الذي كان حديثا لكل قارة أوروبا في تلك الأيام وفي أول مارس عام 1891م كما ذكرنا في السطور السابقة إفتتحت هذه الحديقة للجمهور وكان حدثا هاما وعاما وقتها وكان مدراء الحديقة منذ إفتتاحها في العام المذكور حتي عام 1927م من الأجانب ثم بداية من هذا العام وحتي الآن أصبح مدراء الحديقة من المصريين وكان أولهم المهندس الزراعي إبراهيم قدرى وفي خلال السنين الأخيرة من القرن التاسع عشر الميلادى تم بناء عدة منشآت هامة بها ففي عام 1896م تم إنشاء بيت الدببة وفي عام 1898م تم افتتاح المبني الرئيسي لإدارة حديقة الحيوان والذى يطلق عليه إسم بيت الحكومة ومع بداية القرن العشرين الماضي تم بناء منشآت أخرى بالحديقة ففي عام 1901م تم إفتتاح بيت السباع وبيت الفيلة وفي عام 1906م تم إنشاء متحف الحياة الطبيعية بالحديقة وهو يحتوى علي مجموعة من أندر الزواحف والطيور المحنطة ونماذج للحيوانات والطيور المنقرضة وفي عام 1911م تم إفتتاح الجسر المعلق بالحديقة وهو كوبرى حديدى معلق يصل بين مرتفعين بالحديقة وهو من تصميم المهندس المعمارى الفرنسي الشهير جوستاف إيفل مصمم برج إيفل بباريس وكوبرى أبو العلا القديم وكوبرى الزمالك القديم بالقاهرة وفي عام 1924م زار الحديقة الملك فؤاد الأول بصحبة الأمير هيروهيتو ولي عهد اليابان في ذلك الوقت وتكريما له تم إنشاء متحف صغير بها يشمل مجموعة من المقتنيات والصور الفوتوغرافية التي توثق تاريخها وأنواع الحيوانات والطيور والنباتات بها وفي عام 1938م وفي عهد الملك فاروق آخر من تولي حكم مصر من الأسرة العلوية تقرر إضافة 38 فدانآ إلى الحديقة فأصبحت مساحتها تزيد عن 80 فدان وفي عهد الملك فاروق أيضا وفي عام 1949م تم إفتتاح الإستراحة الملكية الملحقة بالحديقة .
وبالإضافة إلى ماسبق من معالم الحديقة توجد جزيرة الشاى وهي عبارة عن كافيتريا لتناول المشروبات توجد وسط بحيرة صغيرة يسبح فيها البجع كما أن بالحديقة عدد 5 جبلايات ذات رونق وجمال وتشكيلات خلابة رائعة أولها وأكبرها جبلاية القلعة وهي مزينة بتماثيل مختلفة للحيوانات والطيور المنقرضة وتنساب جداول المياه في أرضيتها وتتدلي من سقفها قطع من شعاب المرجان الأبيض كما في الكهوف والمغارات الطبيعية وذلك بالإضافة إلي جبلاية الإبداع وجبلاية الشمعدان والجبلاية الملكية وجبلاية القرود ويتبقي لنا أن حديقة الحيوان كانت ومازالت متنفسا لسكان القاهرة وضواحيها يقصدونها لقضاء يوم جميل مع أولادهم وأطفالهم خلال العطلات وأيام الأجازات وأيضا يتم تنظيم رحلات مدرسية وخاصة لتلاميذ المرحلة الإبتدائية من داخل وخارج القاهرة قاصدة حديقة الحيوان وتشجيعا من الحكومة علي ذلك كانت إلي وقت قريب تذكرة دخول الحديقة سعرها 25 قرشا فقط وجدير بالذكر أيضا أنه للأسف الشديد قد إمتدت يد الإهمال الجسيم إلي تلك الحديقة العريقة في السنين الأخيرة ونفق الكثير من حيواناتها وتم إغلاق العديد من منشآتها مثل متحف الحياة الطبيعية والكشك الياباني وكانت النتيجة الطبيعية أنه في عام 2003م أعلن خروجها من التصنيف العالمي لحدائق الحيوان في العالم والذى كانت تحتل به مرتبة متقدمة ولو كان الخديوى إسماعيل حيا الآن لبكي حزنا وكمدا على هذا الحال المزرى ورحم الله الخديوى إسماعيل علي ماقدمه لمصر بغض النظر عن سوء تقديره لعاقبة الإستدانة من الخارج والتي تسببت في عزله من حكم مصر ونفيه خارجها في أواخر شهر يونيو عام 1879م وفتحت الباب أمام التدخل الأجنبيى في مصر مما أوقعها في النهاية بين براثن الإحتلال الإنجليزى البغيض في عام 1882م .
وجدير بالذكر أن وجود الحدائق داخل المدن وخاصة المزدحمة والتي تعاني من إرتفاع معدلات التلوث بها أمر هام للغاية حيث تساعد تلك الحدائق بما فيها من مسطحات خضراء وأشجار ونباتات في تخفيض معدلات التلوث بما تمتصه من غاز ثاني أوكسيد الكربون وبما تنشره في الجو من غاز الأوكسجين اللازم للتنفس ولذا فقد تواجدت الحدائق في مصر منذ زمن بعيد ومن أشهرها حدائق أنطونيادس وحديقة النزهة بمنطقة سموحة بالإسكندرية ويرجع تاريخهما إلى العصر البطلمي وحديقة الأزبكية بالقاهرة وهي موجودة من قبل عصر محمد علي باشا وحدائق القناطر الخيرية التي بدأ إنشاؤها مع إنشاء القناطر الخيرية في أواخر عهد محمد علي باشا ولكن كان العصر الذهبي للإهتمام والعناية بتأسيس الحدائق والمتنزهات العامة وإعادة تخطيط وتطوير الموجود منها هو عصر الخديوى إسماعيل مابين عام 1863م وعام 1879م حيث تم تأسيس وإنشاء عدد من الحدائق الكبرى في القاهرة والإسكندرية فإلي جانب حديقتي الأورمان والحيوان بالجيزة أنشأ أيضا حديقة الأسماك بمنطقة الزمالك كما أنه أعاد تخطيط وتطوير حديقة الأزبكية بالقاهرة وحديقة النزهة بالإسكندرية وفي بداية القرن الماضي العشرين تم إنشاء حدائق المنتزة الملحقة بقصر المنتزة في عهد الخديوى عباس حلمي الثاني وفي عهد الملك فؤاد وفي عام 1919م وعلي يد المهندس محمد ذو الفقار باشا تم إنشاء الحديقة اليابانية بحلوان أحد ضواحي القاهرة التي بدأ إنشاؤها في عصر الخديوى إسماعيل وفي عام 1928م تم انشاء حديقة الورد بمنطقة سموحة بالإسكندرية وبعدها في عام 1935م تم إنشاء حديقة الأندلس بجزيرة الزمالك بالقاهرة علي يد المهندس محمد ذو الفقار باشا أيضا وفي عام 1949م في عهد الملك فاروق تم إنشاء حدائق الميريلاند بمصر الجديدة وحديثا تم إنشاء حديقة الأزهر بتمويل قدره حوالي 100 مليون جنيه قدمته مؤسسة أغا خان للعمارة الإسلامية في صورة هدية لمدينة القاهرة خلال مؤتمر العاصمة النامية ومواكبة نمو القاهرة المدني عام 1984م وقبل بدء العمل في إنشائها كان موقعها عبارة عن مقلب كبير للقمامة وكان على العاملين إزالة تراكمات من القمامة والحجارة تراكمت على مدى 500 عام بالمنطقة وتم بالفعل إزالتها عبر 80 ألف نقلة مما أخذ وإستغرق وقتا كبيرا وأثناء تهيئة الموقع من أجل إنشاء الحديقة تمت العديد من الإكتشافات الهائلة وتضمنت تلك الإكتشافات إكتشاف سور المدينة الأيوبية والذي يعود للقرن الثاني عشر الميلادى في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي بالإضافة إلى العديد من الأحجار الثمينة التي وجد عليها كتابات هيروغليفية والتي تصل أطوال بعضها إلى حوالي 1 متر كان قد تم إستخدامها في بناء أسوار القلعة ولكي يتم كشف سور المدينة الأيوبية المشار إليه والذي دفن عبر الزمن كان لابد من الحفر لعمق حوالي 15 متر بطول حوالي 1.5 كيلومتر من السور بأبراجه وشرفاته لكي تظهر بكل روعتها وأخيرا فقد قام بتصميم هذه الحديقة المهندس المصرى ماهر ستينو وقام بالتنفيذ شركات مصرية متخصصة تضم كفاءات مصرية في هذه النوعية من الأعمال وذلك علي مساحة حوالي 80 فدان وتم إفتتاحها للجمهور في عام 2005م وهي تتميز بمسطحاتها الخضراء الخلابة وموقعها الإستراتيجي حيث تطل على مشهد بانورامي للقاهرة التاريخية من كل الجوانب وأهم ما تطل عليه هو القلعة بجانب مسجد السلطان حسن ومسجد الرفاعي ويوجد بها عدة مطاعم أشهرها مطعم القلعة الذي يطل على قلعة صلاح الدين ومطعم البحيرة الذي يمكن الزائر من سماع أصوات المياه المتدفقة من الشلالات الصناعية المتواجدة على جانبي القاعات الخشبية للمطعم ويوجد بالحديقة أيضا قاعات لتقديم العروض المختلفة وقاعات حفلات يمكن حجزها لمختلف المناسبات كالأفراح وأعياد الميلاد وغيرها كما يوجد مكان مخصص للأطفال بالحديقة به مسرح أنشطة وملاعب للأطفال ويمكن للأطفال إستئجار سيارات اللعب المخصصة لهم والتجول بها داخل أنحاء الحديقة ويمكن زيارة الحديقة طوال أيام الأسبوع من الساعة التاسعة صباحا حتي الساعة الحادية عشرة مساءا من يوم الخميس إلى يوم الأحد ومن الساعة التاسعة صباحا حتي الساعة العاشرة مساءا من يوم الإثنين إلى يوم الأربعاء وإلي جانب هذه الحدائق الشهيرة والمعروفة توجد بالقاهرة والمحافظات مجموعة أخرى من الحدائق منها علي سبيل المثال في القاهرة حديقة إبن سندر بمنطقة حدائق القبة وحديقة أغا خان بشبرا وحديقة الفسطاط بطريق صلاح سالم بمصر القديمة وحديقة النيل بالجيزة وحديقة الوايلي وحديقة جسر السويس وخارج القاهرة توجد بالمنصورة عاصمة محافظة الدقهلية حدائق شجرة الدر والأندلس وجزيرة الورد وفي بورسعيد توجد حدائق فريال والمنتزة والمسلة وفي الإسماعيلية توجد حدائق جناين الملاحة وفي السويس توجد حدائق الفرنساوى وفي شبين الكوم عاصمة محافظة المنوفية توجد حدائق الخالدين وفينيسيا والعلياء وفي كفر الشيخ توجد حدائق صنعاء والحيوان وفي شمال سيناء توجد بعاصمتها العريش حدائق مبارك والمساعيد والحيوان . |