بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الاثار
ارتبط شهر رمضان الكريم بالعديد من العادات والتقاليد المصرية المتوارثة من عصر الفاطميين والمماليك، فقد سجل العديد من المؤرخين والرحالة عادات المصريين في شهر رمضان بداية من استطلاع هلال رمضان، واضاءة الشوارع والطرقات بالأنوار والزينة، وارتبط شهر رمضان بالعديد من الأكلات المميزة للمصريين في الإفطار والسحور، كما عرفت مصرمدفع رمضان في الإفطار ونقلته لباقي الشعوب الإسلامية، وضرب الطبول والمسحراتي في السحور .
سجل العديد من المؤرخين عادات المصريين في شهر رمضان حيث ذكر الرحالة "دي بريدنباخ" أنه حين زار القاهرة لم يستطع النوم من الغناء ودق الطبول طوال الليل، إذ كانت الليلة هي ليلة استقبال المصريين لشهر رمضان، أما الرحالة ابن بطوطة المغربي فقد وصف وصفا دقيقا لاستقبال المصريين لهلال رمضان واحتفال العامة به في القرن الثامن الهجري.
كما دهش الرحالة "فابر" الذي زار مصر سنة 1483م ليلة دخوله القاهرة لكثرة الأنوار والمشاعل في الطرقات، والفوانيس المختلفة الأشكال التي يحملها الكبار والصغار، ولما استفسر عن سبب كل هذه الجلبة قيل له إن الشهر رمضان، وأن المسلمين يحتفلون به على ذلك الوجه، كذلك لاحظ الرحالة سيمون سيجولي أن الحوانيت لا سيما محال الطعام والمطابخ تظل أبوابها مفتوحة طوال ليالي شهر رمضان، ويذكر ابن الحاج في كتابه "المدخل" أن المدن المصرية في عصر المماليك اختلفت في طريقة التسحير، ففي القاهرة ومصر جرت العادة أن يطوف أصحاب الأرباع وغيرهم بالطبلة على البيوت وهم يضربون عليها .
مدفع رمضان ... اضرب:
هذه الجملة التي ارتبطت في اذهان المصريين بالتذكير بنهاية فترة الصيام مع آذان المغرب بجذور تاريخية بعيدة بدءت مع عصر الإخشيديين عام 859هـ، أثناء حكم الوالي " خوشقدم"، والجدير بالذكرأنها كانت بالصدفة لم يكن المقصود به التذكير بنهاية فترة الصيام وبدء الإفطار، بل عرفت عندما قام الوالي باطلاق طلقة من المدفع الجديد على سبيل تجربته، عندها قدم الأهالي إلى قصره للتهنئة بالمدفع وشكره على تذكيرهم بالإفطار، وتوقفت هذه العادة بعد ذلك، ثم قامت" الحاجة فاطمة" زوجة السلطان بإعادة إطلاق المدفع مرة أخرى بعد ذهاب بعض الأهالي لمقابلة السلطان، وعرف بعد ذلك بمدفع" الحاجة فاطمة" تقديرا لموافقتها على طلبهم .
كما ترجع بعض الروايات ضرب المدفع إلى محمد علي الكبير والي مصر الذى كان يجرب مدفعًا جديدًا من المدافع التي استوردها من ألمانيا في إطار خططه لتحديث الجيش المصري، فانطلقت أول طلقة وقت أذان المغرب في شهر رمضان، ورواية اخرى ترجعه إلى عهد الخديوي عباس الأول عام 1853م، وقد خصص مدفع لشهر رمضان في قلعة محمد علي، وكان يخرج إلى جبل المقطم طوال الشهر، ثم بعد انتهاء الشهر الكريم يعود مرة اخرى إلى القلعة، بالإضافة إلى انه عرف بعد ذلك طوال أيام العيد حيث كان يقوم باطلاق 21 طلقة طوال أيام العيد الثلاثة.
كما وزعت المدافع الرمضانية بعد ذلك على العديد من المناطق في القاهرة المناطق لاسماع كل سكان القاهرة منها " القلعة- العباسية – حلوان- مصر الجديدة"، واستمر ضرب مدفع بعد ذلك ولكنه توقف بسبب الحروب، ثم عام مرة أخرى عام 1983، ولكن نقل من القلعة حتى لا تتأثر بأصوات المدافع، وقد انتثلت فكرة مدفع رمضام إلى بعض الدول الإسلامية منها الكويت عام 1907، وباقي بلدان الخليج العربي، ثم العديد من الدول الأفريقية منها تشاد والنيجر ومالي والسودان، كما عرفته دول شرق آسيا.
موائد الرحمن وفانوس رمضان :
ترجع فكرة تخصيص" موائد الرحمن" للفقراء والمساكين والمسافرين، وهى من العادات الدينية والإجتماعية التي اشتهرت في مصر، و تمثل تكافل إجتماعي حيث يقوم القادرين والأغنياء باطعام الفقراء والمسافرين في الشوارع والطرقات العامة والحدائق، و هى عادة متوارثة من مئات السنين، و ترجع تاريخيا إلى الخليفة" المعز لدين الله الفاطمي" الذي قام بعمل مائدة كبيرة في شهر رمضان في جامع عمرو بن العاص لإطعام الفقراء.
أما الفانوس الذي اشتهر في مصر طوال شهر رمضان حيث يحرص الأهالي على شراء الفانوس وتزين به البيوت والشوارع والمحلات التجارية، قد بدء مع " المعز لدين الله الفاطمي"، عندما خرجوا أهالي القاهرة من رجال ونساء وأطفال للترحيب بالخليفة ليلا يحملون الفوانيس والمشاعل لإضاءة الطريق أمامه. |