بقلم المهندس: طارق بدراوى
ليون تروتسكي وإسمه الحقيقي ليف دافيدوفيتش برونشتاين زعيم ماركسي روسي بارز وأحد الذين حاربوا إلى جانب الزعيم فيلاديمير لينين ورفاقه لتحرير الطبقة العاملة من ظلم النظام الملكي المسيطر وكان أحد زعماء ثورة أكتوبر في روسيا عام 1917م إضافة إلى الحركة الشيوعية العالمية في النصف الأول من القرن العشرين الماضي ومؤسس المذهب التروتسكي الشيوعي بصفته إحدى فصائل الشيوعية والذي يدعو إلى الثورة العالمية الدائمة وتسلم بعد الثورة مفوضية الحرب ومن خلال هذا المنصب أسس الجيش الروسي المعروف بإسم الجيش الأحمر وزاد في قوته وقاده إلى نصر عظيم في الحرب الأهلية التي نشبت في روسيا عقب قيام الثورة الروسية مابين عام 1918م وعام 1920م ضد القوات المناهضة للحكومة أو ما أطلق عليهم البيض الذين كانوا يقاتلون بإستماتة للإطاحة بنظام الزعيم فيلاديمير لينين الشيوعي وكان أغلب قادة هذه القوات من الجنرالات والقادة البحريين السابقين الموالين للقيصر كما إستعانت هذه القوات بدول الحلفاء في الحرب العالمية الأولى الذين أمدوهم بالمال والجنود وعلاوة علي ذلك فقد كان تروتسكي عضو المكتب السياسي في الحزب البلشفي إبان حكم لينين أول الرؤساء الروس وكان له الأثر الفعال في القضاء على أعداء الثورة كما قام لينين بتعيينه مفوض العلاقات الخارجية عندما أسس حكومته البلشفية الأولى في عام 1917م وكان يعتبره أفضل العقول في الحزب الشيوعي وأقدر منه في بعض الأمور وعملا جيدا مع بعضهما حتي إعتقد أغلب الشعب الروسي أن تروتسكي سوف يخلف لينين في رئاسة الحزب ورئاسة البلاد ولكن جوزيف ستالين كان ذا سلطة قوية أيضا ومن ثم إنتصر في النهاية هازماً تروتسكي.
ولد تروتسكي في يوم 25 أكتوبر عام 1879م في أوكرانيا التي كانت تابعة للإمبراطورية الروسية في عائلة يهودية حيث كان والداه ديفيد ليونتيفيتش برونشتاين وآنا برونشتاين يدينان بها ولكنهما كانا غير متدينين وكانا يعملان في الزراعة علاوة علي أنهما كانا من أصحاب العقارات وكان هو الإبن الخامس لهما وكان له عدد سبعة أشقاء وشقيقات وأجاد في طفولته اللغتين الروسية والأوكرانية بالإضافة إلى لهجة الإقليم الألماني الشمالي وأمضى السنوات التسع الأولى من حياته في مزرعة العائلة وترعرع في ايام شبابه ودراسته بالمدارس الثانوية في مدينتي أوديسا التي تقع علي شاطئ البحر الأسود ونيكولاييف ما بين عام 1889م وعام 1895م في عائلة إبن خاله الذى كان صاحب دار للنشر والطباعة وفي عام 1896م وهو في سن 17 عاما إنخرط تروتسكي في السياسة الثورية بعد أن إنتقل من مدينة أوديسا إلي مدينة نيكولاييف وإلتحق بالجامعة لمتابعة دراسته للحصول على إجازةٍ في الرياضيات لكنه سرعان ما تركها وإنضم الي إحدى الجمعيات الثورية بتلك المدينة والتي قامت بالدعاية للافكار الثورية بين العمال ثم شارك وتعاون في تأسيس إتحاد عمال روسيا الجنوبية عام 1897م وبدأ في كتابة العديد من الكتيبات والنشرات المليئة بالأفكار الإجتماعية التي تم تداولها بين الناس وفي عام 1898م تم القبض عليه بتهمة الإشتراك في قيادة عدد من التظاهرات والإضرابات العمالية وطبع الكتابات الممنوعة وسجن لمدة عامين بدون محاكمة مع العديد من أعضاء الإتحاد الآخرين .
وفي عام 1900م تم نفيه لمدة أربع سنوات إلى مقاطعة إركوتسك في سيبيريا وهناك تزوج وهو في منفاه من الكسندرا سوكولوفسكايا وأنجب منها طفلتان نينا وزينا واللتان فرتا من هناك مع والدتهما فيما بعد وفي المنفى أيضا إنضم تروتسكي إلى الإتحاد الإشتراكي الديموقراطي وإشتهر بإسم مستعار هو آنتيد أوتو المعلق السياسي والمحلل الإجتماعي والناقد الأدبي وفي عام 1902م هرب من سيبيريا وإنتقل إلى لندن وأثناء هروبه غير إسمه إلى تروتسكي حيث كان هذا هو إسم حارس السجن الذي أودع فيه في سيبيريا وفي لندن عمل دون كلل أو تعب وعلى نطاق واسع لأجل الفكرة التي أوقدها كارل ماركس مع بعض أنصار ومؤيدى المبادئ الإشتراكية من أمثال لينين وبليخانوف وأكسلرود وزاسوليتش ومارتوف وبتروزوف وهم مجموعة الماركسيين التي كانت تصدر صحيفة إيسكرا أي الشرارة إلى جانب لينين والتي كانت توزع بطريقة سرية بين العمال في المدن الروسية الكبرى ثم إنضم إلي الحزب الإشتراكي الديموقراطي الروسي أثناء انعقاد مؤتمره الثاني في العاصمة البلجيكية بروكسل والعاصمة البريطانية لندن عام 1903م والذي حدث فيه الإنشقاق التاريخي بين البلاشفة والذين كان يتزعمهم لينين وهم الأكثرية في الحزب وبين المونشفيك أي الأقلية والذين كان يتزعمهم مارتوف وكانت الأكثرية تسعى للحل الثوري بينما الأقلية تسعى للتغيير السلمي وإنضم تروتسكي في البداية إلى المونشفيك ثم إنفصل بسبب تغير سياساتهم وترددهم في المصالحة مع لينين وإتخذ موقفا مستقلا ومحايدا عن كلا الجناحين وفي عام 1904م تعرف في باريس على ناتاليا سيدوفا التي أصبحت فيما بعد زوجته الثانية ونظرا للنشاط الثورى المتميز لتروتسكي والذى أشاد به لينين فمن ثم عينه عضوا في هيئة تحرير صحيفة إيسكرا وفي عام 1905م وضع تروتسكي نظرية الثورة الدائمة التي يجب أن تتعدى حدود روسيا إلى أنحاء العالم وتدعو إلى إشعال ثورات متتالية في بلدان مختلفة لتقوم الثورة العالمية التي صارت أساس قوة وسلطة النخبة الشيوعية في إتحاد الجمهوريات الإشتراكية السوفيتية الذى تأسس في يوم 30 ديسمبر عام 1922م وكان يضم عدد 15 جمهورية أكبرها روسيا الإتحادية والذى تفكك بعد ذلك في أواخر عام 1991م وكان في شهر يناير من نفس العام 1905م قد إندلعت الثورة في روسيا بعدما إشتدت الإضطرابات والإحتجاجات العامة ضد الحكومة وبدأت الدعوة إلى إضرابٍ عمالي تحول إلى إحتجاجٍ ضخم في العاصمة الروسية حينذاك مدينة سانت بطرسبورج التي صار إسمها فيما بعد لينينجراد ثم تغير مرة أخرى إلي إسمها القديم وإنطلق المواطنون بمسيرةٍ إحتجاجيةٍ سلمية لكن تطورت الأحداث وتم إطلاق النار علي المسيرة مما تسبب في قُتل الآلاف وحفظ هذا اليوم وكان يوم أحد في ذاكرة التاريخ بإسم يوم الأحد الدامي وعاد تروتسكي عن طريق فنلندا إلى الإمبراطورية الروسية مع إندلاع هذه الأحداث للعمل بشكلٍ أكبر مع البلاشفة والمناشفة ومع ذلك إضطر للفرار إلى فنلندا مرة أخرى مختبئًا بسبب خيانة بعض الأعضاء وتجنبًا لإلقاء القبض عليه من قبل الشرطة وقد إستمرت الإضطرابات في جميع أنحاء روسيا وأصبحت سمةً منتظمةً في أماكن العمل ومؤثرةً على نظام السكك الحديدية وخلقت الفوضى في كل مكان .
وفي ظل هذه الأوضاع المضطربة في روسيا إستغل تروتسكي هذه الفرصة للعودة إلى بلاده مرة أخرى دون أن يكتشف أمره وليترأس مجلس نواب العمال في مدينة سانت بطرسبورج كما إنتخب عضواً في اللجنة التنفيذية لمجلس السوفييت في هذه المدينة وكتب تروتسكي العديد من المقالات التي هاجم فيها الحكومة القائمة وفي عام 1906م ألقي القبض عليه بعد فشل الثورة وتم تقديمه للمحاكمة وفي إحدى جلسات المحاكمة ألقى خطابًا حقق له الشهرة وصنفه كمتحدث وكخطيب بارع وفي عام 1907م صدر عليه حكم بالنفي مدى الحياة إلي سيبيريا مع تجريده من جميع حقوقه المدنية وخلال وجوده في منفاه إنتهى من صياغة نظريته عن الثورة الدائمة في مقالة بعنوان نتائج وتوقعات وما لبث أن هرب إلى أوروبا الغربية وأمضى الفترة ما بين عام 1907م وعام 1914م مع زوجته الثانية ناتاليا سيدوفا وولديهما ليون وسيرجي في العاصمة النمساوية فيينا حيث أصدر مجلة برافدا أي الحقيقة والتي إستمرت حتي عام 1912م كما ظل يشكل القوة الكامنة لثورة البروليتاريا العالمية وكان من رأيه أنه إذا كان الأمر يتعلق فعلا بثورة بورجوازية ديموقراطية كما يرى المناشفة فإن القضية الرئيسية فيها هي الأرض وستنتقل السلطة إلى أيدي الطبقة التي ستقود الفلاحين ضد القيصرية إلا أن البورجوازية قد وصلت متأخرة جدا مما يجعلها عاجزة عن لعب أي دور ثوري ولذا فقد إحتلت البروليتاريا الميدان الرئيسي وإن النضال الثوري ضد النظام القيصري سوف يؤدي إلى تعبئة الطبقة العاملة التي لن تتوقف عند الحدود المفروضة من طرف من يسمون بالليبراليين البورجوازيين ولهذا السبب سوف يخون الليبراليون الثورة ويدعمون القيصر ضد العمال والفلاحين وبالإضافة إلى ذلك فإن البورجوازية في روسيا مرتبطة بآلاف الخيوط مع كبار ملاك الأراضي من خلال النظام البنكي ولذا فإن الطبقة العاملة في ظل تنظيم وقيادة الماركسيين هي من يمكنها وحدها قيادة الفلاحين نحو النصر وإسقاط الدولة القيصرية وإنجاز مهام الثورة الديموقراطية البورجوازية لكن الأمور لن تنتهي عند ذلك الحد حيث ستجد حكومة العمال والفلاحين نفسها مجبرة على تطبيق تدابير إشتراكية منذ اليوم الأول لتوليها السلطة ومن ثم فإن المهمة التي يجب على الطبقة العاملة أن تحضر نفسها لها هي الإستيلاء على السلطة وبعد إندلاع الحرب العالمية الأولي في منتصف عام 1914م نزح تروتسكي إلى سويسرا ومنها عاد مرة أخرى إلى النمسا ثم إنتقل إلي فرنسا حيث عمل مراسلا لصحيفة يومية كبيرة يصدرها الليبراليون في روسيا كما أصدر صحيفة بإسم ناشيه سلوفو وظل علي إتصال مع لينين ومخططّي الثورة وفي عام 1915م كان تروتسكي أحد الدعاة إلى عقد مؤتمر زيمروالد في قرية سويسرية تحمل نفس الإسم عام 1915م الذي أدان الحرب العالمية ووصفها بانها حرب إمبريالية موجهة ضد العمال والطبقات الفقيرة في العالم كله وقد أدت دعوته لمعارضة الحرب ولتأسيس الأممية الثالثة إلى تقارب في وجهات النظر بينه وبين لينين بعد سنوات طويلة من الخلاف في الرأي بينهما وفي عام 1916م قامت السلطات الفرنسية بتهجير تروتسكي إلى أسبانيا لإتخاذه الموقف الموالي لالمانيا على حد وصفها ومنها إنتقل إلى الولايات المتحدة الأميريكية .
وبعد قيام ثورة فبراير عام 1917م في روسيا قرر تروتسكي العودة إلى الوطن لكن السلطات العسكرية البريطانية إشتبهت في كونه سياسيا قد يؤثر سلبا على تطور الأحداث في روسيا لذلك إحتجزته وأرسلته إلى سفينة إحتجز فيها البحارة التجاريون الألمان إلا أن الحكومة الروسية المؤقتة وجهت برقية إلى السلطات البريطانية بطلب الإفراج عنه بإعتباره مناضلا ضد القيصر فتم إطلاق سراحه ومن ثم عاد تروتسكي إلى روسيا في يوم 4 مايو عام 1917م وإتخذ موقفا معاديا للحكومة المؤقتة التي تكونت بعد شهر فبراير عام 1917م فإعتقلته الحكومة وإتهمته بالتجسس لصالح المانيا شأنه شأن لينين وأنصاره الذين إضطروا إلى الإختفاء وممارسة النشاط السري طوال شهور صيف عام 1917م وقد شهد المؤتمر السادس للحزب الإشتراكي الديموقراطي الروسي والمقصود به الحزب البلشفي والذي عقد في شهر يوليو عام 1917م التوحيد بين أنصار لينين وأنصار تروتسكي الذي كان ما زال سجينا في سجن سانت بطرسبورج بتهمة التجسس لصالح الألمان وفي هذا الوقت تم إنتخابه عضوا في اللجنة المركزية للحزب البلشفي وبعد فشل محاولة الإنقلاب برئاسة الجنرال كورنيلوف تم الإفراج عن تروتسكي بكفالة وفي يوم 20 سبتمبر عام 1917م تم إنتخابه رئيسا لمجلس نواب العمال والجنود في سانت بطرسبورج والذي لعب دورا رئيسيا في الإنقلاب على حكومة كيرينسكي التي كانت قائمة في البلاد حينذاك وبحلول شهر أكتوبر عام 1917م وبعد قيام ثورة أكتوبر في روسيا وتولي البلاشفة السلطة شغل تروتسكي منصب وزير الحربية ورئيس المجلس العسكري الثوري في جمهورية روسيا السوفيتية الإتحادية الإشتراكية وإتخذ تروتسكي خطوات رامية إلى إستعادة القدرة القتالية للجيش الأحمر الذي إنهار إثر توقيع إتفاقية السلام الإنفصالية مع المانيا وتمكن تروتسكي من تأسيس الجيش الأحمر من وحدة قوامها 15 ألف جندي وإستمر هذا العدد في التزايد تدريجيا حتي أصبح تعداد الجيش الأحمر مليون مقاتل خلال الحرب الأهلية التي تلت قيام الثورة مابين عام 1918م وعام 1920م وكان تروتسكي خلال هذه الفترة منظرا رئيسيا لسياسة الإرهاب الأحمر التي رأها بمثابة أداة أساسية لقمع طبقة محكوم عليها بالموت على حد تعبيره ولذلك فقد مارس تروتسكي مبادئ الصراع الطبقي على كافة الأصعدة وكان خلال هذه المرحلة يسعى دوماً إلى تولي زمام السلطة في الحزب والدولة لكن لينين الذي حظي في مرحلة الثورة والحرب الأهلية بشعبية أكبر منه حال دون وقوع ذلك وفي نفس الوقت فقد بدأ التصادم مع جوزيف ستالين ونشأ أول جدال حول نقابات العمال فقد أراد تروتسكي جعلها تحت سلطة الدولة ولم يرغب ستالين في ذلك وأيده لينين في رأيه وبحلول عام 1922م إستسلم لينين لمرضه وعانى من السكتات الدماغية التي إستنزفت قواه ببطء وكان واضحا ومن المتوقع أن تروتسكي سيحل مكانه لكن جوزيف ستالين جمع أنصاره وقواته لمنع تروتسكي من الوصول للسلطة بعد موت لينين في عام 1924م وحدث أن تروتسكي لم يتمكن من حضور الجنازة لعدم تواجده في سانت بطرسبورج وقتها فيما أعلن ستالين نفسه خليفة للزعيم وإتهم تروتسكي بقلة الإحترام للينين ومن ثم إحتدم الصراع من أجل السلطة بين الرجلين وفي النهاية تمكن ستالين من التحالف مع زينوفييف وكامنييف وبوخارين وغيرهم بل وتمكن أيضاً من عزل أنصار تروتسكي في الحزب وإشعال خلافات بينه من جهة وبين أنصاره من جهة أخرى وما بين عام 1925م وعام 1928م تم منع حلفاء تروتسكي من التدخل في شئون الحزب وتم إنكار دوره المؤثر في نجاح الثورة الروسية وفي عام 1926م تم إعفاؤه عن العضوية في المكتب السياسي في الحزب البلشفي بتهمة النشاط المعادي للحزب .
وفي عام 1929م تم نفي تروتسكي خارج الإتحاد السوفيتي إلى مدينة آلما آتا في آسيا الوسطي ثم إلى تركيا أما أنصاره في الحزب الذين إعترفوا باخطائهم مثل زينوفيف وكامينيف وراديك وأنتونوف أوفسينكو وغيرهم فقد تم إعدامهم كلهم على يد ستالين في ثلاثينيات القرن العشرين الماضي وفي عام 1932م تم نزع جنسية الإتحاد السوفيتي عنه فإنتقل إلى فرنسا ثم إلى الدانمارك والنرويج في عام 1935م ثم إعتقلته الحكومة النرويجية وصادرت مؤلفاته كلها خشية لتأثيره السلبي على الوضع الداخلي في البلاد ومن ثم اضطر إلى مغادرة النرويج خوفا من تسليمه إلى الحكومة السوفيتية وفي عام 1936م هاجر تروتسكي إلى المكسيك حيث أقام في منزل الفنان ديوجو ريفيرا وفي عام 1938م أعلن قيام الأممية الرابعة وهي المنظمة التي تضم الأحزاب التروتسكية في العالم كله والتي لا تزال قائمة حتي الآن ويحظى نشطاؤها بنوع من الشعبية في بعض الدوائر الشبابية لبعض دول العالم وخاصة في قارة أمريكا اللاتينية وتجدر الإشارة إلى دور لعبه التروتسكيون في الاضطرابات الطلابية التي إندلعت عام 1968م في العاصمة الفرنسية باريس في عهد الرئيس شارل ديجول وقد واصل تروتسكي من منفاه كتابة بياناته ومنشوراته المعادية لجوزيف ستالين وديكتاتوريته مما هيج الطلاب والعمال السوفييت ضده حيث كانت كتاباته قاسية وعن ذلك يقول الكاتب الأيرلندى الشهير جورج برنارد شو عندما يقطع تروتسكي رأس خصمه لا يكتفي بذلك بل يحمل الرأس عاليا ويعرضه على الناس قائلا إنظروا لا يوجد دماغ داخله وكانت قد أقيمت محاكمة لتروتسكي في الإتحاد السوفيتي في عام 1937م وصدر بحقه حكم غيابي بالإعدام ووجهت له تهمة الخيانة العظمى وفي عام 1938م تمكن رجال ستالين من التسلل إلى مشفى باريس حيث كان نجل ليون تروتسكي يرقد مريضا هناك وتم إختطافه ثم قتله بإسم الثورة وفي يوم 24 من شهر مايو عام 1940م تعرض تروتسكي لمحاولة إغتيال فاشلة ترأسها الفنان المكسيكي سيكيروس الستاليني بعدما صعد ستالين جهوده لإزالة هذه الشوكة التي تؤذي خاصرته حيث إندفع عشرون رجلا متخفين بملابس رجال الشرطة المكسيكية داخل منزل تروتسكي في مدينة مكسيكو سيتي وزرعوه بالديناميت وأمطروه بالرصاص ولم يكن تروتسكي في المنزل لكنهم إقتادوا حارسه القادم من نيويورك روبرت شيلدون وقد عثر على جثته ممزقة بفعل شفرات السكاكين الستالينية وبعد ذلك الهجوم الرهيب تحول منزل تروتسكي إلى ما يشبه القلعة فقد أضيف المزيد من الفولاذ إلى الأبواب والنوافذ وحشدت الأسلحة الأوتوماتيكية حول منافذه فيما جند جيش من الحراس للمراقبة وكما يحدث عادة أهمل تروتسكي حماية نفسه من أصدقائه ففي نفس العام 1940م قدمت فتاة أميريكية تدعي سيلفيا أجيلوف صديقها فرانك جاكسون إلى تروتسكي وكانت قد عرفته قبل سنتين في باريس وكان فرانك يتسم بصفات محببة حيث كان مستمعا جيدا وطالب مجد ويحسن الإطراء وبذلك صار ضيفا دائما على مائدة تروتسكي وأحد أفراد الحلقة المقربة والمحببة لديه وكان فرانك يمارس تسلق الجبال وكان يتدرب على إستعمال الفأس أثناء التسلق .
وفي حقيقة الأمر فقد كان فرانك عميلا للمخابرات السوفيتية إسمه الحقيقي رامون ميركادير وكان عمره حينذاك 27 عاما حيث ولد في عام 1913م وكانت المهمة المكلف بها هي إغتيال تروتسكي بمساعدة إفريقا دي لاس إراس الأسبانية الأصل والتي هاجرت إلي روسيا عام 1937م شأنها شأن الكثير من الأسبان الذين هاجروا من بلادهم في هذه الفترة وإقترح عليها أن تصبح عميلة سرية للمخابرات السوفيتية فوافقت وشاركت في العديد من العمليات الناجحة حينذاك ومن ثم كلفت بمساعدة رامون في التدبير لإغتيال تروتسكي فعملت كمترجمة لدىه بالمكسيك وخططا معا لعملية الإغتيال بعد جمع المعلومات اللازمة وإكتشاف الثغرات الأمنية التي يمكن من خلالها تنفيذ العملية بنجاح وفي يوم 20 من شهر أغسطس عام 1940م دخل رامون منزل تروتسكي متسلحا بمسدس وخنجر وحاملا فأساً في ثنايا معطفه ثم توجه إلى غرفة المكتب حيث أخفى الفأس وبعد ذلك توجه لمجالسة تروتسكي ثم توجها سويا إلى غرفة المكتب وفجأة سمعت زوجة تروتسكي ضجة في تلك الغرفة فنادت الحراس وإندفعت تفتح الباب ويا لهول المنظر الذي شاهدته في الداخل حيث كان الدم يغطّي المكان بلونه الأحمر القاني وبحسب إعترافات القاتل فإن الجريمة وقعت بعد أن وضع معطفه على المنضدة لكي يتمكن من تناول الفأس في اللحظة المناسبة من جيب المعطف وبالفعل عندما حانت له الفرصة وتروتسكي منشغل عنه حمل الفأس ثم أغمض عينيه وضرب تروتسكي بقوة على رأسه فأطلق صرخة مدوية طويلة ولم يسقط على الأرض فحاول القاتل إطلاق رصاص المسدس عليه لكن الباب فتح ودخل إثنان من الحراس وإنقضا على القاتل وأوسعاه ضربا قاسيا مؤذيا وفي تلك الأثناء سقط تروتسكي متهالكاً و لم يكن قد فارق الحياة ونقل هو والجاني إلى المشفى المركزي في مكسيكو سيتي وقد تعافى رامون سريعا بينما مات تروتسكي في اليوم التالي 21 أغسطس عام 1940م بالمستشفى بعد 26 ساعة متاثرا بجراحه ورغبت زوجة تروتسكي في نقل جثة زوجها إلى الولايات المتحدة الأميريكية لدفنه هناك لكن وزارة الخارجية الأميريكية كانت قد أصدرت بيانا يحظر دخول تروتسكي حيا أو ميتاً إلى الولايات المتحدة وهكذا دفن يوم 27 من شهر أغسطس عام 1940م في العاصمة المكسيكية مدينة مكسيكو سيتي وتم تقديم رامون للمحاكمة هو وسيلفيا آجيلوف التي تم القبض عليها أيضا ووجهت لها تهمة الإشتراك في تدبير جريمة مقتل تروتسكي وإستمرت المحاكمة شهورا بل سنوات وفي النهاية أسقطت التهم عن الفتاة سيلفيا وأطلق سراحها حيث وجدت المحكمة أنها كانت مخدوعة بذلك الرجل المدعو رامون ولم تكن تعلم حقيقة هوّيته وأهدافه وفي عام 1943م حكمت المحكمة بسجن رامون عشرين سنة وقد تبين أن والدته كاريداد التي منحت لقب بطل الإتحاد السوفيتي كانت تنتظره خارج منزل تروتسكي لتنقله بسيارتها وتساعده في الهروب بعد تنفيذ جريمته إلا أنه وقع في أيدى الحراس وبعد مفاوضات طويلة بين دولتي المكسيك والإتحاد السوفيتي أطلق سراح رامون عام 1960م وسمح له بمغادرة المكسيك إلى دولة تشيكوسلوفاكيا الشيوعية حيث عاش هناك فترة ثم أُعلن عن منحه لقب بطل الإتحاد السوفيتي وفي عقد السبعينيات من القرن العشرين الماضي هاجر رامون إلى كوبا ومات في هافانا يوم 18 من شهر أكتوبر عام 1978م عن عمر يناهز 65 عاما .
|