بقلم المهندس: طارق بدراوى
آرثر ويلسلي قائد عسكرى ورجل دولة بريطاني إكتسب شهرة عالمية بعد إنتصاره علي نابليون بونابرت في معركة تولوز بفرنسا في شهر أبريل عام 1814م ثم في معركة واترلو ببلجيكا في شهر يونيو عام 1815م والتي كانت آخر معارك نابليون وبها إنتهت حروب الثورة الفرنسية والحروب النابليونية والتي إستمرت من عام 1792م حتي عام 1815م .
ولد ويلسلي في العاصمة الأيرلندية دبلن في يوم أول مايو سنة 1769م قبل مولد نابليون بمائة يوم وخمسة أيام وكان هو الإبن الخامس لجارت ويلسلي الإيرل الأول لمورننجتون الذى كان يمتلك مزرعة وعقار إلى الشمال من العاصمة الأيرلندية وقد أمضى ولسلي معظم طفولته في منزل أسرته في قلعة دانجان وتم إرساله إلي كلية إيتون لما بلغ عمره 12 عاما لكنه دعي للعودة إلى منزله بعد ثلاثة أعوام غير مجيدة وليس هناك مايشير إلى أنه كان متفوقا فًي الرياضة إذ كان حاله فيها كحاله في الدراسة وفي وقت لاحق شكك في صحة المقولة التي لا نعرف قائلها والتي مؤداها أن معركة واترلو ما كانت ليحقق فيها البريطانيون نصرا لولا ما كان يجري في ملاعب إيتون وبعد عودته من إيتون كانت أمه حزينة أشد الحزن وتردد دائما قولها إنني ألجأ إلى الله لأعرف ما سأفعله مع إبني آرثر غير البارع وإنتهي الأمر بإلحاقه بالجيش حيث تم إرساله وهو في السابعة عشرة من عمره إلى الأكاديمية الملكية في مدينة أنجرز حيث كان أبناء النبلاء يتعلمون فيها الرياضيات وشيئا من العلوم الإنسانية ويتلقون كثيرا من التدريبات على ركوب الخيل والمبارزة وهي أمور لازمة لتأهيل الضباط للإلتحاق بالجيش وبالفعل دخل الجيش في عام 1787م وعمره 18 عاما وحصل علي عدة ترقيات سريعة في الجيش وفي عام 1794م شهد القتال لأول مرة في الحملة التي سميت حملة الفلاندرز وقاد خلالها عدد 3 كتائب ودارت وقائعها في هولندا وبلجيكا وشمال فرنسا وكانت هذه الحملة حملة عسكرية شنتها قوات التحالف التي كانت علي رأسها بريطانيا وبروسيا والنمسا ومملكة هانوفر الألمانية ضد فرنسا ما بين عام 1793م وعام 1795م خلال السنوات الأولى لحروب الثورة الفرنسية ومما يذكر أن حالة الحرب كانت قائمة منذ عام 1792م بين فرنسا من جهة والنمسا وبروسيا من جهة أخرى في حين حافظت بريطانيا وهولندا على سياسة الحياد تجاه الثورة في فرنسا وذلك حتى قيام الثوار بإعدام ملك فرنسا لويس السادس عشر وزوجته مارى أنطوانيت في يوم 21 يناير عام 1793م فقامت بريطانيا بطرد السفير الفرنسي فرد الثوار بإعلان الحرب على بريطانيا وهولندا في يوم 1 فبراير عام 1793م وكنتيجة لذلك قامت بريطانيا بحشد تحالف مؤلف من النمسا وبروسيا ومملكة هانوفر الألمانية وهولندا لمهاجمة فرنسا وتجمعت هذه القوات على طول الحدود الفرنسية الشمالية مع بلجيكا للزحف إلى باريس وإسقاط الحكومة الجمهورية هناك وقد حظيت قوات هذا التحالف بعدة إنتصارات في بداية الحملة لكنها لم تستطع التقدم خلف الحدود الفرنسية قبل أن تضطر للتراجع أمام سلسلة من الهجمات الفرنسية المضادة القوية ولذا فقد عاد من هذه الحملة غير الناجحة مشمئزا من الحرب ممرغا في الوحل ومتهما بعدم الكفاءة والمهارة حتى إنه فكر في ترك الجيش والإنخراط في الحياة المدنية .
ووصل ويلسلي في عام 1796م إلى رتبة كولونيل أي عقيد وذهب إلى الهند تحت قيادة أخيه ريتشارد الذي كان في هذه الفترة الماركيز ويلسلي والذى شغل منصب حاكم إقليم مدراس ثم البنغال كما قام بضم بعض الإمارات الهندية للإمبراطورية البريطانية وفي عام 1803م وكان قد بلغ من العمر 34 عاما ترقي ويلسلي إلي رتبة لواء وتسلم قيادة القوات البريطانية في الحرب الأنجلوماراثية الثانية مع مملكة الماراثا أقوى الممالك الهندية التي كانت تسيطر حينذاك على الأجزاء الغربية والوسطى من شبه القارة الهندية وحقق إنتصارات عديدة في هذه الحرب حيث تمكن من هزيمة قادة الماراثا ومن ثم وطد السلطة البريطانية في الهند بحزم وكانت هذه الحرب قد قامت بعدما أخذ أخوه ريتشارد يرسم سياسة لتدمير قوة الماراثا ويجعل من شركة الهند الشرقية صاحبة السلطة العليا في الهند بعد ضرب نظام حيدر اباد في هضاب إقليم الدكن جنوبي الهند والذى كان قد تم توقيع إتفاقية بينه وبين الإنجليز في عام 1798م تقوم بموجبها حكومة لندن بإدارة الشئون الخارجية للنظام مقابل حماية نظام الملك وأراضيه من جيرانه وأيضا إستهدف ريتشارد ضرب نظام مملكة ميسور التي كان يتزعمها الملك تيبو أيضا في المنطقة الجنوبية من البلاد وكانت الشركة المذكورة قد تشكلت لمزاولة التجارة مع جزر الهند الشرقية ولكن إنتهى بها الأمر بالمتاجرة مع شبه القارة الهندية والصين وكانت هي الشركة الأقدم بين العديد من شركات الهند الشرقية الأوروبية ذوات الأسماء المشابهة وقد حصلت هذه الشركة على تفويض ملكي إنجليزي تحت إسم حاكم وشركة تجار لندن المتاجرين في جزر الهند الشرقية وبعد أن تحدت شركة إنجليزية منافسة إحتكار هذه الشركة في هذه المنطقة في نهاية القرن السابع عشر الميلادى إندمجت الشركتان في عام 1708م ليشكلا الشركة المتحدة لتجار إنجلترا المتاجرين في جزر الهند الشرقية والتي إشتهرت بإسم شركة الهند الشرقية المحترمة وكانت هذه الشركة في ذلك الوقت قد تدخلت في صراع الخلافة الخاص بإمبراطورية ماراثا التي كانت تسيطر علي الجزء الأكبر من شبه القارة الهندية مما أدى إلى الحرب الأنجلو ماراثاية الأولى والتي خرجت إمبراطورية ماراثا منها منتصرة وبسبب هذه الحرب تعرضت مصالح شركة الهند الشرقية وسفنها التجارية لأخطار جسيمة إستدعت أن يقوم الأسطول البريطاني بدعمها وحمايتها وحراستها وتنفيذا لمخططات ريتشارد كانت خطة ويلسلي في الحرب الأنجلوماراثية الثانية تقوم على تطويق قوة الماراثا وهي القوة الوطنية الوحيدة التي كانت تعمل لها الشركة ألف حساب ولهذا فكر ويلسلى في الإستيلاء على ميسور حتى يتمكن من ضرب الماراثا من الناحية الجنوبية في موطنها والعمل على إضعاف حكومتها المركزية ببذر الخلاف والفرقة في عاصمتهم بونا هذا إلى جانب إزالة كل أثر للقوة التي كان الفرنسيون قد نظموها هناك وبعد حملة قصيرة وسريعة وصل ويلسلى إلى مملكة ميسور وبذلك يكون قد دفع بقواته إلى مقربة من موطن الماراثا ثم إتجه ويلسلى بعد ذلك إلى نظام حيدر أباد ودبر هناك إنقلابا تمخض عنه تسريح قوات هذا النظام والتي كان الفرنسيون يهيمنون عليها وتم تحويل النظام هناك إلى مرتبة أمير تابع وبذلك يكون ويلسلى قد دفع بقواته من ناحية أخرى نحو الماراثا التي أصبح متفرغا لمنازلتها وإستخدم ويلسلى أسلوباً في مواجهة الماراثا لا يخلو من المكر والخديعة وذلك بعقده معاهدة مع أحد الخارجين على النظام هناك والتي بموجبها أخذ يتدخل في شئون الماراثا تحت ستار مناصرة السلطة الشرعية داخل النظام القائم على المحالفات والحلفاء التابعين وقد ساعد هذا الأسلوب على دحر قوة الماراثا العسكرية في معركة أساى في عام 1803م بمنطقة إقليم الدكن والتي لم تكن النهاية لهذه القوة بل يمكن أن نقول إنها كانت بداية النهاية التي تحققت فيما بعد في الحرب الأنجلوماراثية الثالثة في عام 1818م وذلك نظرا لعجز قواته في ذلك الوقت عن تتبع قوات الماراثا والقضاء عليها خاصة أنه كان لدى هذه القوات محاربون أكفاء يجيدون الكر والفر وأسلوب الحرب داخل المستنقعات ولهذا إكتفي ويلسلي بما حققه من نجاح حتي ذلك الوقت وآثر التراجع عن الإستمرار في القتال ومواصلة الحرب في ذلك الحين وتكريما له علي ما حققه في حروب الماراثا حصل في عام 1804م علي لقب فارس .
وفي عام 1805م عاد ويلسلي إلي إنجلترا وإنتخب عضوا في البرلمان في السنة التالية وتقدم مرة أخرى لطلب يد كاثي باكنهام التي كان قد تقدم لها قبل ذلك بعدة سنوات ورفضته وفي هذه المرة قبلت الزواج منه وتم عقد قرانهما في عام 1806م وقد أنجب منها طفلين وواصل الترقي من منصب إلى آخر لشهرته بالتحليلات الدقيقة والإنجازات المتسمة بالكفاءة وقد وصفه وليم بيت الذى ترأس مجلس الوزراء البريطاني عدة مرات قرب موته بأنه رجل يضع في إعتباره كل الصعوبات قبل القيام بمهمة فلا يبقى من هذه الصعوبات شئ بعد إتمام المهمة وفي عام 1807م أصبح ويلسلي وزيرا أول لشئون أيرلندا في وزارة دوق بورتلاند وأثناء وجوده في هذا المنصب عمل من أجل سن قوانين جديدة تضع إيجارات عادلة للمستأجرين كما قام أيضا بوضع أسس تنظيم الشرطة الأيرلندية وفي عام 1808م ثارت أسبانيا ضد نابليون بونابرت بعدما غزت الجيوش الفرنسية البرتغال عام 1807م وأسبانيا في عام 1808م ومن ثم إندلعت الحرب في شبه الجزيرة الأيبيرية التي تشمل أسبانيا والبرتغال والتي إستمرت حتى عام 1814م وتمكنت القوات الأسبانية من التفوق على قوات الفرنسيين الذين لم يألفوا الأرض الأسبانية كما كانوا يعانون نقصاً في الرجال والعتاد ففي بيلا وهي تقع شمال شرق قرطبة توهمت فرقتان عسكريتان فرنسيتان أنهما محاصرتان بقوات كثيرة العدد والعتاد فإستسلمتا في واحدة من أكثر الهزائم خزيا في التاريخ وأسر الأسبان قرابة 23 ألف جندي فرنسي وتم إقتيادهم في يوم 2 يوليو عام 1808م إلى جزيرة كابريرا الصغيرة فمات مئات منهم جوعا ومرضا ولما تم تجريد ملك أسبانيا جوزيف شقيق نابليون من قواته العسكرية الرئيسية إنسحب مع ما تبقى من قواته من مدريد إلى خط دفاعي على بعد 170 ميلا شمال شرق العاصمة مدريد وفي هذه الأثناء ولما علمت الحكومة الإنجليزية بهذه الأنباء صارت واثقة من تناقص القوات الفرنسية التي يقودها القائد الفرنسي جونو في لشبونة وأنه لم يعد ممكنا أن تتلقى دعما ومن ثم أرسلت السير آرثر ويلسلى الذى كان قد ترقي إلي رتبة فريق أول بأسطول وجيش إلى البرتغال فأنزل رجاله البالغ عددهم 13500 مقاتل عند مصب نهر مونديجو إلى الشمال من لشبونة بحوالي مائة ميل في يوم 1 أغسطس عام 1808م وسرعان ما إنضمت إليه فرق مشاة برتغالية عددها 5 آلاف مقاتل وفي هذه الأثتاء وصله خطاب من وزارة الحرب البريطانية تعده فيه بإمداده بمحاربين آخرين عددهم 15 ألف آخرين في أقرب وقت ممكن كما أضاف الخطاب أن السير هيو دالرمبل البالغ من العمر 58 عاما سيكون على رأس هذا المدد وأنه سيتولى القيادة العليا للحملة كلها لكن ويلسلي كان قد وضع خططه بالفعل ولم يكن سعيدا بالعمل تحت قيادة قائد آخر فقرر ألا ينتظر وصول المدد فإتجه شمالا على رأس رجاله ليخوض المعركة التي ستحدد مصير جونو ومصيره هو أيضا وكان جونو قد أَنِسَ إلى الراحة بدلا من جعل قواته البالغ عددها 13 ألف مقاتل من المجندين إلزاميا تستعد لمواجهة قوات وِيلسلي حيث كان قد سمح لرجاله بالإنغماس في اللهو بكل أنواعه في العاصمة لشبونة ولكنه قبل التحدى إلا أنه تعرض لهزيمة منكرة في يوم 12 أغسطس عام 1808م في ڤيميرو بالقرب من لشبونة ولما وصل دالريمبل بعد المعركة وتولى القيادة أوقف مواصلة زحف القوات البريطانية ورتب مع جونو إتفاق سنترا في يوم 3 سبتمبر عام 1808م والذى بموجبه قام بتسليم كل المدن والحصون التي كان الفرنسيون قد إستولوا عليها في البرتغال وأن ينسحب بمن بقي من رجاله بأمان ووافق البريطانيون على تقديم سفنهم لنقل الراغبين منهم في العودة إلى فرنسا ووقع ويلسلي علي هذا الإتفاق شاعرا أن تحرير البرتغال بمعركة واحدة أمر يستحق من بريطانيا بعض الرضا عنه والتكريم له .
وقد لقي هذا الإتفاق نقدا لاذعا في بريطانيا حيث أن هؤلاء المقاتلين الفرنسيين الذين تم إطلاق سراحهم سرعان ماسيجندون مرة أخرى لمحاربة بريطانيا وحلفائها وعند هذه المرحلة تم إستدعاء ويلسلي إلى لندن لإستجوابه فعاد إلي بلاده غير آسف تماما فهو لم يكن راغبا في الخدمة تحت قيادة دالريمبل وكان كارها للحرب في هذا الوقت وقال بعد أن حقق إنتصارات كثيرة إسمعوا رأيي عن الحرب إنكم إن خضتم الحرب ولو ليوم واحد فستدعون الله القدير ألا تشهدوها ولو لساعة واحدة مرة أخرى ويبدو أنه قد أقنع محاكميه أن إتفاق سنترا قد أنقذ حياة الآلاف من البريطانيين وحلفائهم بمنع القوات الفرنسية من إبداء المزيد من المقاومة مما كان سيؤدى إلي خسائر كبيرة في الأرواح في جانب المقاتلين الإنجليز وبعد ذلك عاد إلى أيرلندا منتظرا فرصة أفضل لخدمة بلاده وإسمه الذى لمع حينذاك وإكتسب المزيد من السمعة الطيبة وكان ملك أسبانيا حينذاك جوزيف بونابرت في إضطراب شديد وكانت الجيوش الأسبانية التي هزمها نابليون عندما غزا أسبانيا قد جرى تشكيلها من جديد في مناطق أسبانية متفرقة حقيقة أنها لم تكن منظمة ومنضبطة لكنها كانت متحمسة وإستمرت حرب العصابات التي يشنها الفلاحون ضد الفرنسيين مغتصبي العرش الأسباني كل عام في الفترة ما بين موسم البذر وموسم الحصاد أي منذ بداية فصل الربيع وحتي نهاية فصل الصيف وكان يتحتم على الجيش الفرنسي في أسبانيا أن يقسم نفسه إلى قوات متفرقة يقودها جنرالات متحاسدون يخوضون معارك في جو من الفوضى وعدم الإنضباط وقد عجزت جهود نابليون للتنسيق بينهم من مقره في باريس وكان محور المقاومة الأسبانية في كل مكان وليس في مكان واحد وبعد إنهيار الجيش الفرنسي الرئيسي في بيلن إنضم الجانب الرئيسي من الأرستقراطية الأسبانية إلى الثورة وبذلك حولوا الكراهية الشعبية التي كانت موجهة إليهم إلى الغزاة الفرنسيين وكان للتأييد الفعال الذي قدمه رجال الدين الأسبان للثورة أثره المهم في تحويل الحركة عن الأفكار الليبرالية بل لقد حدث العكس فقد أدى نجاح حرب التحرير الأسبانية إلى تقوية الكنيسة ومحاكم التفتيش وبوجه عام كانت شبه الجزيرة الأيبيرية مفعمة بالعصيان المسلح والآمال والإيمان الكاثوليكي وفي حين كان جوزيف بونابرت يتطلع إلى نابولي وكان نابليون يحارب النمسا كان ويلسلي يستعد لينقض مرة ثانية من إنجلترا علي الفرنسيين في أسبانيا ليساعد في عودة أسبانيا إلى ما كانت عليه في العصور الوسطى مع أنه هو نفسه كان رجلا عصريا بكل معنى الكلمة وكان القائد البريطاني للقوات الإنجليزية المتواجدة في أسبانيا حينذاك السير جون مور قبل وفاته في معركة كورونا في يوم 16 يناير عام 1809م التي تصدى فيها لجيش فرنسي قد نصح الحكومة البريطانية ألا تقوم بمحاولات أخرى للسيطرة على البرتغال فقد كان يعتقد أن الفرنسيين سينفذون أوامر نابليون بضم البرتغال إلى فرنسا عاجلاً أم آجلا كما كان يعتقد أن إنجلترا لن تجد وسيلة لنقل العدد الكافي من الجنود لمواجهة 100 ألف جندي فرنسي موسمى إلي أسبانيا كما أنها لن تتمكن من تدبير المؤن اللازمة لجنودها لكن السير آرثر ويلسلي كان قلقا في أيرلندا وأخبر وزير الحرب في الحكومة البريطانية أنه إذا أتاح له قيادة عشرين ألف أو ثلاثين ألف جندي بريطاني إلي جانب الدعم الوطني فإنه يستطيع أن يحفظ البرتغال بعيدة عن قبضة أي جيش فرنسي لايزيد عن 100 ألف مقاتل ووافقته الحكومة البريطانية علي ذلك وألزمته بكلماته .
وفي يوم 22 أبريل عام 1809م وصل ويلسلي إلى لشبونة على رأس 52 ألف مقاتل بريطاني وصفهم في وقت لاحق بأنهم حثالة الأرض ومجموعة من الأوغاد لايمكن السيطرة عليهم إلا بالسياط إذ انهم لم يخلقوا إلا للسكر والعربدة لكنهم يستطيعون القتال بشراسة إذا لم يكن أمامهم سوى خيار واحد إما أن يقتلوا بفتح الياء أو يقتلوا بضم الياء وتحسبا لوصول ويلسلي وقواته حرك القائد الفرنسي المارشال سولت 32 ألف جندي فرنسي إلى أوبورتو وفي هذه الأثناء كان جيش فرنسي آخر بقيادة المارشال كلود فكتور يتقدم من الغرب على طول التاجوس وقرر ويلسلي الذي كان قد درس معارك نابليون بدقة أن يهاجم سولت قبل أن يتمكن المارشلان من ضم قواتهما معا لشن هجوم على لشبونة التي تمكن البريطانيون منها وبعد أن إنضم إلى قوات ويلسلي البالغة 52 ألف مقاتل عدد 51 ألف مقاتل برتغالي بقيادة وليام كار برسفورد قادهم جميعا إلى نقطة على نهر دورو شمالي البرتغال في مواجهة أوپورتو وفي يوم 21 مايو عام 1809م عبر مجرى النهر وهاجم مؤخرة جيش سولت بشكل مفاجئ فتراجع الجيش الفرنسي وعمته الفوضى وخسر الجيش الفرنسي عدد 6 آلاف قتيل وكل مدفعيته ولم يتعقب ويلسلي الجيش الفرنسي المنهزم فقد كان عليه أن يسرع جنوبا للتصدي لجيش فرنسي آخر بقيادة فيكتور لكن فيكتور بعد أن علم بهزيمة سولت إستدار عائدا إلى تالافيرا غربي أسبانيا وهناك تلقى من الملك جوزيف مددا زاد من عدد جيشه ليصبح 64 ألف مقاتل ولم تكن قوات ويلسلي تزيد على 32 ألف بريطاني بالإضافة إلي 63 ألف أسباني وإلتقى الجيشان في تالافيرا في يوم 28 يوليو عام 1809م وهرب الجنود الأسبان ومع هذا فقد تمكن ويلسلي من تكبيد جيش فيكتور 7 آلاف قتيل وجريح وإستولى منه على 71 مدفعا وسيطر ويلسلي على ميدان المعركة رغم أن جيشه فقد 5 آلاف مقاتل مابين قتيل وجريح وقدرت الحكومة البريطانية كفاءة ويلسلي وشجاعته فأصبح يحمل لقب فيكونت ولنجتون ومع هذا فقد أدى إنتصار نابليون في معركة واجرام ضد الإمبراطورية النمساوية التي وقعت في أوائل شهر يوليو عام 1809م وزواجه بعد ذلك من إبنة الإمبراطور النمساوي في شهر مارس عام 1810م إلى وضع حد لولاء النمسا لإنجلترا كما كانت روسيا لا تزال حليفة لفرنسا وكان هناك عدد 138 ألف جندي فرنسي إضافي مستعدين للخدمة العسكرية في أسبانيا وكان المارشال أندريه ماسينا بجنوده البالغ عددهم 65 ألف مقاتل يخطط للخروج بهم من أسبانيا لغزو البرتغال وونظرا لجميع هذه الأسباب أخبرت الحكومة البريطانية الفايكونت ولنجتون أنه إذا غزا الفرنسيون أسبانيا مرة أخرى فلا جناح عليه إن إنسحب بجيشه إلى إنجلترا وكانت هذه لحظة حرجة في مهمة ولنجتون فالإنسحاب رغم أن الحكومة البريطانية قد سمحت له به قد يلوث سجله العسكرى ويؤثر سلبا علي مكانته إذا لم يحقق نصرا كبيرا على نحو ما يخفف من وطأة الإنسحاب فقرر أن يخاطر برجاله وبمهمته وبحياته بضربة أخرى تعتمد على الحظ وفي هذه الأثناء كان قد جعل رجاله يقيمون خطا من التحصينات إلى الشمال من قاعدته في مدينة لشبونة بخمسة وعشرين ميلا من نهر التاجوس أطول أنهار شبه الجزيرة الأيبيرية والذى يصب في المحيط الأطلسي بالقرب من مدينة لشبونة وعبر مدينة تورز فيدراس البرتغالية حتى وصل إلي ساحل المحيط الأطلسي وبدأ ماسينا معركته بالإستيلاء على حصن سيوداد رودريجو الأسباني ثم عبر الحدود بين أسبانيا والبرتغال بستين ألف مقاتل وكان ولنجتون على رأس 25 ألف من المتحالفين بريطانيين وأسبان وبرتغاليين فإلتقى به في بوساكو شمال إقليم كويمبرا البرتغالي في يوم 27 سبتمبر عام 1810م فتكبد خسارة عدد 1250 مقاتل ما بين قتيل وجريح أما ماسينا فتكبد عدد 4600 ومع هذا فقد أدرك ولنجتون أنه لن يستطيع كماسينا التعويل على مدد يأتيه سريعا لذا فقد تراجع برجاله إلى تحصينات تورس فيدراس وأمر رجاله بإتباع سياسة الأرض المحروقة أي تدمير كل ما يلقونه في طريق تراجعهم حتى يعاني جيش ما سينا من الجوع .
وفي يوم 5 مارس عام 1811م قاد ماسينا جنوده الجياع المجهدين عائدا إلى أسبانيا وأسلم القيادة لأوجست مارمون وبعد أن قضى ولنجتون فترة الشتاء في الراحة وتدريب رجاله أخذ المبادرة فإتجه إلى أسبانيا على رأس جنوده البالغ عددهم 50 ألف مقاتل وهاجم قوات مارمون البالغ عددها 84 ألف مقاتل بالقرب من مدينة سالامانكا في وسط شمال أسبانيا في يوم 22 يوليو عام 1812م ففقدت القوات الفرنسية 41 ألف مقاتل ما بين قتيل وجريح بينما فقد البريطانيون وحلفاؤهم 4700 مقاتل فقط فإنسحب أوجست مارمون بما تبقي من جيشه وكان الملك جوزيف بونابرت في يوم 12 يوليو عام 1812م قد غادر مدريد على رأس 51 ألف مقاتل لتقديم النجدة لمارمون لكنه علم في أثناء الطريق بما حل بمارمون من هزيمة ومن ثم لم يجرؤ على العودة للعاصمة مدريد فقاد قواته إلى فالنسيا شرقي أسبانيا والمطلة علي البحر المتوسط ليلحق هناك بجيش فرنسي أكبر عددا بقيادة المارشال سوشيه ولحق به بعجلة وفوضى عدد 10 آلاف مقاتل من المتفرنسين أي المؤيدين للحكم الفرنسي من الأسبان والبرتغاليين وحاشيته وموظفوه وفي يوم 21 أغسطس عام 1812م دخل ولنجتون مدريد فرحبت به الجماهير بحماس بالغ وكتب ولنجتون لأحد أصدقائه إنني بين أُناس يكاد الفرح يذهب بعقولهم ولقد منحني الرب حظا سعيدا أرجو أن يستمر لأكون أداة لتحقيق إستقلاله لكن الرب لم يعطه إستمراراً لهذا الحظ فقد أعاد مارمون تنظيم جيشه خلف تحصينات بورجو فحاصره ولنجتون هناك وفي نفس الوقت تقدم جوزيف من فالنسيا على رأس 9 آلاف مقاتل لمواجهة القوات البريطانية والمتحالفين معها فتراجع ولنجتون في يوم 18 أكتوبر عام 1812م متجاوزا مدينة سالامانكا إلى سيوداد رودريجو وفقد في أثناء تراجعه 6 آلاف من قواته ما بين قتيل وجريح ودخل جوزيف مدريد مرة أخرى وسط إستياء عارم من الجماهير وإن إبتهجت الطبقة الوسطى لعودته وفي هذه الأثناء كان نابليون يرتجف في موسكو وظلت أسبانيا مثلها في ذلك مثل سائر أوروبا في إنتظار نتيجة مغامرته التي ستؤثر في أحوال القارة الأوروبية وأثناء آخر شهور عام 1813م وخلال الربع الأول من عام 1814م إستأنف ولنجتون قيادة جيش حرب الإستقلال الأسبانية وتوجه إلي جنوب غرب فرنسا وحارب في بعض المعارك ضد المارشال سولت والمارشال سوشيه وإستطاع أن يحقق النصر في عدة معارك منها معركة ممر فيرا ومعركة نيفيل وقد أدت هذه المعارك إلي إنتهاء القوات التي كان يقودها الجنرال سولت بعدما أنهكتها المعارك الطاحنة العديدة التي خاضتها وأصابها اليأس وبالتالي فقد خسرت كل فاعليتها ولم تعد للقتال نهائيا بنفس مهارتها وحماسها السابق كما قامت بين الطرفين معركة أخرى هي معركة نيف قرب بايون مابين يوم 10 ويوم 14 ديسمبر عام 1813م ومعركة أوتيز يوم 27 فبراير عام 1814م ومعركة تولوز في يوم 10 أبريل عام 1814م وكان نابليون بعد الإنسحاب من المانيا قد قاتل في سلسلة من المعارك في فرنسا إلا أنه أُجبر على التراجع في مقابل الإحتمالات الضئيلة للإنتصار وفي هذه الأثناء أصدر مرسوما لحوالي 900 ألف مجند جديد إلا أنه لم يتم تحقيق سوى عدد ضئيل منهم . وفي أوائل شهر فبراير عام 1814م حارب نابليون في حملة الأيام الستة والتي فاز فيها في عدة معارك ضد جيوش تفوقه عددا والتي كانت تزحف نحو باريس إلا أنه لم يتبق معه سوى 80 ألف جندي ضد جيش التحالف الذي يصل عدده إلي حوالي 400 ألف مقاتل ووصل الحلفاء باريس في يوم 30 مارس عام 1814م بعد معركة قصيرة وكان نابليون عازما على مواصلة القتال ضد القوات التي وصلت إلي باريس كما كان جنوده وفيالقه عازمين على الحرب إلا أن مارشالات نابليون والضباط الكبار تمردوا عليه وفي يوم 4 أبريل عام 1814م قام المارشالات والضباط الكبار بمواجهة نابليون وأخبروه أنهم يرفضون القتال وأكد نابليون على أن الجيش سيتبعه فأجابوه بأن الجيش سيتبع قادته وفي النهاية إضطر نابليون إلي الإستسلام في يوم 11 ابريل عام 1814م وتم توقيع معاهدة فونتانبلو بين قوى التحالف الأوروبي ونابليون وإنتهت بذلك الحرب رسميا على الرغم من إستمرار بعض أعمال القتال الخفيفة والمتفرقة بين الطرفين حتى شهر مايو عام 1814م وتبعتها معاهدة باريس في يوم 30 مايو عام 1814م بين فرنسا ودول التحالف الأوروبي بما في ذلك بريطانيا وتم نفي نابليون إلى جزيرة إلبا الإيطالية وإستعادت أسرة البوربون عرش فرنسا مرة أخرى في شخص الملك لويس الثامن عشر وحضر قادة التحالف إحتفالات السلام في إنجلترا في شهر يونيو عام 1814م قبل الإنطلاق نحو مؤتمر فيينا الذى تم عقده في العاصمة النمساوية فيينا تحت رعاية المستشار النمساوى المحنك كليمنس ميترنيش الذى إنعقد ما بين شهر سبتمبر عام 1814م وحتي شهر يونيو عام 1815م والذي كان الهدف منه إعادة رسم خريطة أوروبا بعد فترة الحروب النابليونية وفي أثناء فترة إنعقاد مؤتمر فيينا إستطاع نابليون الهرب من منفاه في يوم 26 فبراير عام 1815م علي متن سفينة مع رجال قلائل وأربعة مدافع وإقترب من الساحل الفرنسي وأرسل الملك لويس الثامن عشر جيشا بقيادة المارشال ناي لإعتقاله وبعد لقائه بناى وجيشه نزل نابليون من سفينته علي الشاطئ الفرنسي ومشى في مجال الرماية قائلا إذا كان أحد ما يرغب بقتل الإمبراطور فأنا هنا موجود لكن بدلا من إطلاق النار ذهب جنود ناي لينضموا إلى جانب نابليون هاتفين يعيش الإمبراطور ومن ثم إستعاد نابليون بونابرت عرش الإمبراطورية الفرنسية مؤقتا في يوم 20 مارس عام 1815م فيما يعرف بالمائة يوم وزحف إلى باريس محاولاً إستعادة مجد إمبراطوريته وإنتصاراته السابقة وهنا إضطر أعضاء مؤتمر فيينا إلي إيقاف المؤتمر مؤقتا والتفرغ لحرب نابليون الذي عدوه خارجا على القانون ووصفوه بأنه عدو ومزعج للسلام العالمي وتم توقيع إعلان بذلك وقد وقع دوق ولنجتون على هذا الإعلان حيث كان من ضمن الحاضرين في هذا المؤتمر ممثلا لبلاده .
وبسرعة تم حشد الجيش البريطاني بقيادة دوق ولنجتون وكان تعداده 68 ألف مقاتل والجيش البروسي بقيادة المارشال بلوخر وكان تعداده 50 ألف مقاتل ومن الطرف الآخر حشد نابليون جيشه وكان تعداده 72 ألف مقاتل وتوجهت تلك الجيوش إلي بلجيكا وكانت خطة نابليون الفصل بين الجيشين والقضاء على كل جيش بمفرده قبل وصول جيوش دول الحلفاء ولهذا سبق معركة واترلو الحاسمة والتي دارت أحداثها في قرية واترلو قرب العاصمة البلجيكية بروكسل في يوم 18 يونيو عام 1815م عدة معارك تمهيدية فرعية هي معركة كواتر براس في يوم 16 يونيو عام 1815م بين القوات الإنجليزية والقوات الفرنسية ومعركة ليني في نفس اليوم وهي المعركة التي إستطاع فيها نابليون هزيمة الجيش البروسي مما دفع قائده بلوخر إلى الإنسحاب والهرب ثم كانت معركة واترلو الفاصلة بعد يومين في يوم 18 يونيو عام 1815م والتي تأخرت بعض الوقت بسبب الأمطار والأوحال وهذا ما أعاق تنقل المدفعية ومن الجدير بالذكر أن ولنجتون قد وضع قواته خلف تلة لحمايتها من هجمات نابليون بالإضافة إلى أن تلك التلة ستلعب دورا كبيرا في نهاية المعركة وقبل بدء المعركة حاول الفرنسيون السيطرة على قلعة صغيرة تقع على الجانب الغربي من أرض المعركة والتي كان يحتلها الإنجليز ولكن فشلت محاولات الفرنسيين في السيطرة عليها وفي ظهر ذلك اليوم أمر نابليون بأن تسلط قذائف المدفعية على جنود الجيش الإنجليزي مما سبب خسائر كبيرة في جنود ولنجتون وفي بداية حلول المساء وصل بلوخر بقواته مرة أخرى إلى ولنجتون الذي كان موقفه حرجا أمام نابليون وتم إلتحام القوتين وهنا إتخذ نابليون أمره بهجوم فرقة الحرس الإمبراطوري وتراشقت المدافع النيران بالتناوب ولما حاول توجيه ضربة لقلب الجيش الإنجليزي مني نابليون بخسارة كبيرة وتساقطت أمامه زهرة جنوده المخضرمين من الحرس الإمبراطوري في جيشه بينما إجتمعت قوات بلوخر وولنجتون معا ورغم أن نابليون قد أوقع في صفوف أعدائه خسائر فادحة لكنه لم يسحقها بل بدأت مدفعية الإنجليز تحصد فرسانه التي وجهها إلى قلب القوات الإنجليزية ولما أدرك نابليون النهاية الأليمة ركب جواده وصف حرسه الخاص صفوف متلاحقة وأشار بإصبعه نحو الإنجليز ووصلت شدة المعركة أوجها ونابليون على رأس قواته وقد تكبد الإنجليز خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد في هذا الهجوم الأخير وإضطر ولنجتون بعد أن أصيب تحته جوادان أن يترجل حاملا سيفه ويتقدم حرسه إلى المعركة وإصطدم الحرسان ببعض وأراد نابليون أن يزج بنفسه وسط النيران لولا أن أثناه ضباطه فلوى رأس جواده وبرح الميدان وهو يقول خسرنا كل شيء إلا الشرف .
وإنتهت المعركة بهزيمة كبيرة للفرنسيين لدرجة أن الإنجليز يصفون الشخص الذي يعاني من حظ سئ جدا بأنه قد صادف واترلو وعاد نابليون إلى باريس بينما كان ميدان واترلو مليئا بجثث القتلى والجرحى من الجانبين حيث وصل عدد ضحايا الجيش الفرنسي 25 ألف ضحية بين قتلى وجرحى كما تم أسر 7 آلاف مقاتل إلي جانب فقد 15 ألف مقاتل في هذه المعركة إلا أنه ألحق بجيوش الأعداء أضرارا فادحة حيث تكبدوا حوالي 22 ألف ضحية بين قتلى وجرحى عدا الخسائر التي ألحقها بعتادهم هذا وتعتبر معركة واترلو الفصل الختامي لإمبراطورية نابليون بونابرت القائد الفذ قاهر أوروبا الذي عاد إلى باريس وتنازل عن العرش وتم نفيه إلى جزيرة سانت هيلينا وبإنتهاء معركة واترلو عاد مؤتمر فيينا ليستأنف أعماله والذى كان الهدف منه كما ذكرنا في السطور السابقة هو إعادة رسم الخريطه السياسية لأوروبا لإرجاعها للوضع القائم قبيل إندلاع الثورة الفرنسية بما يضمن إرضاء قوى التحالف المقدس المنتصرة في الحرب وبما يضمن كذلك حماية تلك الإمبراطوريات والممالك من إنتشار أفكار الحرية والديموقراطية التي روجت لها الثورة الفرنسية وكان المؤتمر فرصة فريدة للأمير ميترنيش لكى يؤثر أكبر تأثير على مجريات السياسة الأوروبية بما يؤمن مصالح النمسا وبالفعل فقد أحسن إستغلال تلك الفرصة وبفضل تميزه في الخطابة وكذلك أسلوبه المنمق وذكائه الشديد في معالجة كافة المشاكل المطروحة على المؤتمرين حاز ميترنيش على إعجاب جميع الحاضرين بما في ذلك ممثل فرنسا تاليران وقد نجح المؤتمر في تحقيق أهدافه أو بالأحرى أهداف ميترنيش الذي تمكن من التوصل لتسويات للمشاكل المتعلقة بكل من المانيا وبولندا وإيطاليا والأراضى المنخفضه النمساوية وهي بلجيكا الحالية وهولندا إلا أن أعظم أهدافه التي تحققت كان نجاحه في تحقيق توازن دقيق بين القوى الأوروبية الرئيسية روسيا والمانيا وبريطانيا وفرنسا والنمسا وخرج ميترنيش من المؤتمر مقتنعا بأنه قد وضع أساسا راسخا لقيام سلام دائم في قارة أوروبا وقد أدت هذه النتائج إلي تربع ميترنيش على قمة السياسة الأوروبية طوال الثلاثين عاما التي تلت إنعقاد مؤتمر فيينا حتى أن المؤرخين قد أطلقوا على الفترة من عام 1815م وحتى عام 1848م إسم عهد ميترنيش والذي قضى هذه الفترة منهمكا في تدعيم النظام القائم الذي كان هو المصمم الرئيسي لدعائمه وكان الهدف الأساسي لسياساته هو إستغلال النظام المتفق عليه في مؤتمر فيينا والذي إقتضى تعاون الدول الموقعة عليه في مواجهة أى ثورات قد تقوم بإحدى دول الإتفاق .
وبالفعل نجح نظام ميترنيش في قمع العديد من الثورات التي إندلعت بالمانيا وإيطاليا وهولندا والمجر والإمبراطورية النمساوية خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن التاسع عشر الميلادى ومثلت تلك الفترة قمة عصر الإستبداد في الكثير من دول أوروبا وقمع الحريات في عهد ميترنيش هذا وقد ظل ولنجتون في فرنسا علي رأس الجيش الإنجليزى الذى إحتل فرنسا لفترة قصيرة ثم عاد إلي بلاده في عام 1818م وتولى عدة مناصب حكومية وسياسية وإنضم إلي حزب المحافظين وفي عام 1827م أصبح القائد الأعلى للجيش لكنه إستقال في أوائل العام التالي 1828م ليصبح رئيس وزراء بريطانيا بداية من يوم 22 يناير من العام المذكور ولكنه أغضب الكثيرين في حزبه بدفعه قانونا لتحرير الكاثوليك وكان هذا القانون يعطى حق التصويت للكاثوليك أتباع كنيسة روما وكان يزيل عنهم الحظر السياسي كما كان الجمهور البريطاني يطالب بالإصلاح البرلماني وأدت معارضة ولنجتون لمشروع قانون الإصلاح لأن تفقد حكومته شعبيتها فإضطر للإستقالة في يوم 16 نوفمبر عام 1830م وفي عام 1834م عاد حزب المحافظين للسلطة لكن ولنجتون رفض أن يصبح رئيسا للوزراء مرة أخرى ولكنه قبل أن يكون وزيرا للخارجية ثم وزيرا بدون حقيبة بعد ذلك في وزارات السير روبرت بيل بعد ذلك بسبع سنوات في عام 1841م كما خدم قائدا أعلى للجيش مرة أخرى وفي عام 1846م إعتزل العمل السياسي بشكل نهائي ورغم أن معارضته للإصلاح أفقدته شعبيته إلي حد كبير إلا أنه ظلت له مكانته بصفته بطلا قوميا وكانت وفاته في يوم 14 سبتمبر عام 1852م عن عمر يناهز 83 عاما وذلك بعد إصابته بسكتة دماغية وقد دفن في كاتدرائية سانت بول في لندن بالقرب من بطل بريطانيا الآخر في حروب نابليون الأميرال لورد هوراشيو نيلسون قاهر الأسطول الفرنسي في معركة أبو قير البحرية عام 1798م والأسطولين الفرنسي والأسباني في معركة الطرف الآغر في عام 1805م .
|