بقلم المهندس/ طارق بدراوى
فارس الخورى سياسي ومفكر وزعيم وطني سوري وعلاوة علي ذلك كان أديبا وشاعرا حيث ملأت كتاباته وأشعاره الصحف السورية والمصرية حيث نظم الشعر وأولع به فكان شعره وطنيا تناول فيه القضايا القومية والوطنية إلا أن إنشغاله في العمل السياسي والوطني والقومي والعلمي جعله ينصرف عن الأدب والشعر ولا يقوله إلا في المناسبات وجدير بالذكر أن لقب الخوري يعني رجل الدين وهو بالتالي يدل على أن أصول أية عائلة تتسمى بهذا الإسم كانت تتصل بهذه المهنة وقد تقلد منصب رئيس الوزراء مرتين كانت المرة الأولي ما بين يوم 14 أكتوبر عام 1944م ويوم 1 أكتوبر عام 1945م في العهد ألأول للرئيس شكرى القوتلي رئيس الجمهورية السورية الأولي مابين عام 1943م وعام 1949م أما المرة الثانية فكانت ما بين يوم 3 نوفمبر عام 1954م ويوم 13 فبراير عام 1955م في العهد الثاني للرئيس هاشم الأتاسي الذى تولي منصب رئيس الجمهورية 3 مرات كانت المرة الأولي من يوم 21 ديسمبر عام 1936م وحتي يوم 7 يوليو عام 1939م والمرة الثانية ما بين شهر ديسمبر عام 1949م وشهر ديسمبر عام 1951م والمرة الثالثة ما بين يوم 1 مارس عام 1954م ويوم 6 سبتمبر عام 1955م
ولد فارس الخوري في عام 1873م في قرية الكفير بلبنان حاليا وكان الإبن الأكبر لوالده الذى كان يعمل نجارا يعقوب بن جبور الخوري المسيحي البروتستانتي أما والدته فهي حميدة بنت عقيل الفاخوري إبنة رجل كان قد قتل في مذبحة عام 1860 التي وقعت بين الدروز والمسيحيين وكانت شديدة الإهتمام بإبنها البكر فارس وتخطت كل المصاعب من أجل تعليمه وأمضى فارس مدة دراسته الإبتدائية في مدرسة القرية التي كان المرسَلون الأميريكيون قد أسسوها ثم تابع تعليمه في مدرسة مشابهة لها في صيدا عاصمة الجنوب اللبناني في عام 1887م وكان أثناء دراسته فيها متفوقا علي أقرانه وأعجب به أساتذته وخاصة أستاذ الرياضيات وأستاذ اللغة العربية حيث كان قد حفظ ألفية إبن مالك لإبن عقيل وأرجوزة نار القرى للشيخ ناصيف اليازجي ولذا فقد عينه المرسلون الأميريكيين معلما في مدرستهم الإبتدائية في مدينة زحلة عروس البقاع وحاضرة محافظة البقاع التي تقع بين جبال لبنان الشرقية والغربية ثم إلتحق بعد ذلك بالكلية الإنجيلية السورية والتي كانت قد تأسست عام 1866م والتي أصبحت بعد ذلك الجامعة الأميريكية في بيروت ولكن المرسلين الأميريكيين لم يمكنوه من الإستمرار بها فقد عينوه من جديد في عام 1892م في مدرستهم بقرية مجدل شمس وهي من أكبر قرى محافظة القنيطرة عاصمة مرتفعات الجولان السورية والتي تقع تحت سيطرة إسرائيل منذ عام 1967م وحتي الآن ثم تم نقله بعد ذلك إلى مدينة صيدا .
وفي عام 1894م عاد فارس الخورى للدراسة في الجامعة الأميريكية ببيروت وحصل على شهادة بكالوريوس في العلوم عام 1897م وكانت هذه الشهادة في ذلك الحين شهادة ثقافية عامة ليس فيها إختصاص في أحد فروع العلوم والآداب ودعاه رئيس الجامعة للتدريس في القسم الإعدادي كمعلم للرياضيات واللغة العربية وبعد فترة دعته إدارة المدارس الأرثوذكسية في دمشق للتدريس في مدارسها ثم عين ترجماناً للقنصلية البريطانية مابين عام 1902م وعام 1908م وأكسبته هذه الوظيفة الجديدة نوعا من الحماية ضد إستبداد الحكم العثماني حينذاك ولم يترك الدرس والتحصيل بل ظل منكبا على الدراسة والمطالعة فدرس اللغتين الفرنسية والتركية وحده دون معلم وبرع فيهما كما أنه درس القانون مع نفسه وإمتهن مهنة المحاماة بدمشق وتقدم بفحص لنيل شهادة ليسانس الحقوق فنالها في عام 1908م وإنتسب لحزب جمعية الإتحاد والترقي فكان هذا أول عهده بالسياسة وعندما إتضحت نوايا قياداتها من الإتحاديين الأتراك إنسحب منها في عام 1912م حيث أنه عندما تولت الحكم وأعلنت في البداية تطبيقها المبادئ الديموقراطية للثورة الفرنسية إلا أنه في الواقع لم يؤسس حكم الإتحاد والترقي الديموقراطية وإنما تحول نظام الحكم إلى حزب واحد وديكتاتورية واحدة حوت جميع العناصر الراغبة في تمزيق الدولة العثمانية وفي عام 1914م رشَح نفسه لمجلس المبعوثان وهو البرلمان العثماني وعلى الرغم من مقاومة الإتحاديين له فاز بأكثرية كبيرة من الأصوات وفي كلماته في المجلس وفي قصائد شهيرة له في بعض المناسبات كانت تبرز نزعته القوميةُ التحررية ومن الإنصاف له أن نشير إلى ما سجله التاريخ من غيرته على الدولة العثمانية وهو ينصحها اثناء عضويته في برلمانها بالتكثيف من همتها في نشر التعليم العثماني في بيروت مشيرا بالأرقام إلى أن المدرسة السلطانية بعد أربعة قرون من عمرها تضم أقل من 200 طالب بينما تضم الكلية الأميريكية 1100 طالب والكلية اليسوعية 700 طالب ومدرسة الفرير 700 طالب أيضا وعلاوة علي ذلك فقد سعى من خلال عضويته في مجلس المبعوثان وعلاقاته الواسعة في إسطنبول أن يحصل علي توصيات شفهية من بعض أقطاب الدولة العثمانية للتدخل لدى حاكم سوريا والشام المستبد أحمد جمال باشا الذى تولي هذا المنصب عام 1915م واصبح الحاكم المطلق لهما لصالح الوطنيين العرب ومنهم مَن كانوا يحاكَمون بالفعل فقابله من أجل ذلك في ربيع عام 1916م ولكنه اعتقِلَ بعد أسابيع قليلة وقدِم للمحاكمة بتهمة التآمر على أمن الدولة العثمانية وكانت النتيجة أنه كاد أن يلتحق بِمَن أُعدِمَ منهم في يوم 6 مايو عام 1916م لكنه برئ وأفرج عنه في يوم 28 يناير عام 1917م ونفي إلى إسطنبول عاصمة الدولة العثمانية حيث مارس نشاط التجارة هناك وبعد إنتهاء الحرب العالمية الأولي في أواخر عام 1918م وإنفصال سوريا عن الدولة العثمانية عاد فارس الخوري إلى دمشق وفي عام 1919م عين عضوا في مجلس الشورى الذي إقترح على ملك سوريا الشريف فيصل إبن الشريف حسين حاكم الحجاز تأسيسه كما سعى فارس مع عدد من رفاقه الحقوقيين إلى تأسيس معهد الحقوق العربي وكان هو أحد أساتذته .
وخلال العهد الفيصلي تولى فارس الخوري وزارة المالية في الوزارات الثلاث التي تألفت في سوريا وعلى إثر إحتلال الفرنسيين لسوريا والإستيلاء علي دمشق في شهر يوليو عام 1920م إنصرف فارس الخوري إلى العمل الحر كمحام ثم إنتخب نقيبا للمحامين وإستمر خمس سنوات متتاليات وإختير أيضا عضوا مؤسسا في المجمع العلمي السورى الذي اصبح اليوم المجمع اللغوي بدمشق وأستاذا في معهد الحقوق العربي لتدريس مادتي أصول المالية وأصول المحاكمات الحقوقية وقام بتأليف عدد 3 مؤلفات في القانون هي أصول المحاكمات الحقوقية وموجز في علم المالية وصك الجزاء وقد إستخدم في هذه الكتب المصطلحات القانونية الفرنسية بعد ترجمتها ترجمة مناسبة إلي اللغة العربية حتى أصبحت مراجع هامة في دراسة الحقوق والقانون باللغة العربية وعلاوة علي ذلك عين أيضا مستشارا لبلدية دمشق وفي عام 1921م وأثناء شغله لهذا المنصب فكر الفرنسيون في تنفيذ مشروع لتوصيل المياه النقية إلى منازل دمشق من أحد العيون وفي إعطاء إمتياز المشروع إلى شركة فرنسية إذ كان سكان دمشق يشربون من مياه نهر بردى وفروعه وكان ذلك يتسبب لهم في كثير من الأذى الصحي وعندما طلب رئيس البلدية من فارس الخوري بصفته المستشار الحقوقي للبلدية دراسة المشروع تبين له أن شروط الإمتياز تضر بمصلحة السكان فسجل إعتراضاته وإقترح تأسيس مشروع وطني تكون فيه المياه ملكا للأمة وأنهى دراسته بوجوب رفض المشروع وعلى هذا النحو وبعد هذه الحادثة بحوالي السنة إجتمعت لجنة من تجار دمشق وأغنيائها وبحثت موضوع تأسيس شركة تجارية لتوزيع المياه لكن معارضة فارس الخوري كانت شديدة لأنه لم يشأ أن يكون المشروع إستثماريا بهدف الربح بل أن يكون مشروعا خدميا ولذلك أسرع وقدم في اليوم التالي مشروعا وطنيا مفصلا وهو الذي تم إعتماده وتنفيذه ومازال قائما حتى يومنا هذا ومما يذكر أيضا أنه بعد أن إحتلت فرنسا سوريا في شهر يوليو عام 1920م في تنفيذ برنامج إستعماري خبيث فقسمت وجزأت البلاد إلى دويلات وهي دولة لبنان الكبير ودولة دمشق ودولة حلب وحكومة الساحل في لواء اللاذقية وحكومة جبل الدروز ولواء الإسكندرونة المستقل إداريا وماليا وتصرف الجنرال جورو قائد القوات الفرنسية في سوريا كما لو كانت مستعمرة ووضع على ثلاث من دويلاتها حكاما فرنسيين وذلك قبل إقرار صك الإنتداب من قبل مجلس عصبة الأمم وهو وضع دولي أبدعه المستعمرون في ذلك الزمان ليغلفوا به إحتلالهم لعدة دول في قارتي آفريقيا وآسيا بالشرعية والقانون ولما رأى جورو أن سياسة التجزئة التي إتبعها لم تبلغ غايتها بل أثارت الإستنكار في جميع أنحاء البلاد قرر تشكيل إتحاد سوري من دويلات حلب ودمشق والساحل فأصدر قراره في يوم 29 يونيو عام 1929م بإنشاء الإتحاد السوري وبتشكيل مجلس لهذا الإتحاد يؤخذ أعضاؤه من ممثلي الدويلات الثلاث فكان فارس الخورى أحد نواب دولة دمشق في هذا المجلس وكان معه نخبة من الرجال الذين يتصفون بالوطنية والشرف .
وردا علي الممارسات الإستبدادية لسلطات الاحتلال الفرنسي أسس فارس الخوري وعبد الرحمن الشهبندر وعدد من الوطنيين في سوريا حزب الشعب ولما قامت الثورة السورية الكبرى عام 1925م إعتقل هو وآخرون ونفوا إلى معتقل جزيرة أرواد التي تقع في البحر المتوسط قبالة ساحل ميناء اللاذقية ومكث في هذا المعتقل 76 يوما ثم أفرج عنه وفي عام 1926م نفاه الفرنسيون إلى خارج سوريا بسبب إستقالته من منصب وزير المعارف إحتجاجا على سوء نوايا الفرنسيين كما شارك فارس الخوري وعدد من الوطنيين في تأسيس الكتلة الوطنية وكان نائبا لرئيسها هاشم الأتاسي يضع القرارات ويكتب منشوراتها وهذه الكتلة قادت حركة المعارضة والمقاومة ضد الفرنسيين وكانت من أكثر الهيئات السياسية توفيقا وفوزا مدة تقارب العشرين عاما وعلى أثر الإضراب الستيني الذي عم سوريا عام 1936م والذى دام ستين يوما في دمشق وعدة أسابيع في المدن الأخرى وكان أطول إضراب في تاريخ سوريا والذى تم بناءا على دعوة الكتلة الوطنية لمقاومة الإنتداب الفرنسي والتوصل لإتفاق مع فرنسا لإعلان إستقلال البلاد والتي إندلعت خلاله مظاهرات حاشدة منددة بالمستعمر الفرنسي ومطالبة بإلغاء الإنتداب الفرنسي عليها ولم تستطع سلطات الإنتداب إنهاء هذا الإضراب بل نجده قد إمتد إلي بيروت كما جابت مظاهرات تضامن مع السوريين في الأردن والعراق ومصر وفلسطين وإضطرت سلطات الإنتداب إلي إتخاذ قرار بنزول الجيش الفرنسي إلى دمشق مع التهديد بإستعمال القوة لفض الإضراب غير أن الظروف الدولية والإقليمية دفعت فرنسا لقبول التفاوض مع هاشم الأتاسي رئيس الكتلة الوطنية في مطلع شهر فبراير عام 1936م ومن ثم تم الإتفاق على الدخول في مفاوضات من أجل عقد معاهدة بين سوريا وفرنسا علي أن يشكل السوريون وفدا لخوض هذه المفاوضات مع ممثلي الحكومة الفرنسية في العاصمة الفرنسية باريس فكان فارس الخوري أحد أعضاء هذا الوفد ونائبا لرئيسه هاشم الأتاسي وفي يوم 8 مارس عام 1936م وبعد إطلاق سراح المعتقلين السياسيين الذين كانت قد إعتقلتهم سلطات الإنتداب الفرنسي اثناء الإضراب وعودة المبعدين قص هاشم الأتاسي في حفل حاشد شريطا حريريا أخضر اللون على باب سوق الحميدية بدمشق إيذانا بإنتهاء الإضراب وتزامنا مع هذا الحفل أنهت المدن السورية الأخرى إضرابها وفي يوم 21 مارس عام 1936م سافر الوفد السورى إلى باريس وإستمرت المفاوضات لمدة 6 شهور حتى شهر سبتمبر عام 1936م وتوصل الطرفان إلي معاهدة نصت على إستقلال البلاد وإخراجها من دائرة الدول المنتدب عليها من قبل فرنسا وعقد صداقة وتحالف بين البلدين وقد صدق البرلمان السوري في شهر ديسمبر عام 1936م علي هذه المعاهدة أما البرلمان الفرنسي فلم يصدق عليها حتي قامت الحرب العالمية الثانية في شهر سبتمبر عام 1939م وأعقبها الاحتلال الألماني لفرنسا في شهر يونيو عام 1940م مما حال دون التصديق علي هذه المعاهدة من البرلمان الفرنسي غير أن الجنرال شارل ديجول قائد المقاومة الفرنسية قد أعلن إستقلال سوريا عام 1941م بعد أن دخل دمشق طاردا قوات حكومة فيشي الموالية للنازيين منها .
وفي العام نفسه 1936م إنتخب فارس الخوري رئيسا للمجلس النيابي السوري ومرة أخرى عام 1943م كما تم إختياره رئيسا لمجلس الوزراء السورى ووزيرا للمعارف والداخلية في شهر أكتوبر عام 1944م في عهد الرئيس شكرى القوتلي وكان لتولي فارس الخوري رئاسة السلطة التنفيذية في البلد السوري المسلم وهو رجل مسيحي صدى عظيم فقد جاء في الصحف ما نصه وإن مجيئه إلى رئاسة الوزراء وهو مسيحي بروتستانتي يشكل سابقة في تاريخ سوريا الحديث بإسناد السلطة التنفيذية إلى رجل غير مسلم مما يدل على ما بلغته سوريا من النضوج القومي كما أنه يدل على ما إتصف به رئيس الدولة السورية من حكمة وجدارة وقد أعاد تشكيل وزارته ثلاث مرات ما بين يوم 14 أكتوبر عام 1944م ويوم 1 أكتوبر عام 1945م في ظل تولي شكري القوتلي رئاسة الجمهورية السورية وكان فارس الخورى في إحدى هذه المرات رئيسا لمجلس الوزراء ووزيرا للأوقاف الإسلامية في نفس الوقت وعندما إعترض البعض خرج نائب الكتلة الإسلامية في المجلس آنذاك عبد الحميد طباع ليتصدى للمعترضين ويرد عليهم قائلا إننا نؤمن فارس بك الخوري على أوقافنا أكثر مما نؤمن أنفسنا وفي أحد الأيام ﺃﺑﻠﻐﻪ القائد الفرنسي ﺍﻟﺠﻨﺮﺍﻝ جورو إن فرنسا جاءت إلي سوريا من أجل حماية مسيحيي الشرق فما كان منه إلا أن قصد المسجد الأموى في يوم جمعة وبعد أداء صلاة الجمعة صعد إلي منبر المسجد وقال إذا كانت فرنسا تدعي أنها جاءت وإحتلت سوريا لحمايتنا نحن مسيحيو الشرق فأنا كمسيحي شرقي من فوق هذا المنبر أشهد أن لا إله إلا الله فأقبل عليه المصلون وحملوه علي الأعناق وخرجوا به إلي أحياء مدينة دمشق القديمة في مشهد وطني لا تزال تذكره دمشق طويلا وخرج أهالي دمشق المسلمين والمسيحيين يومها في مظاهرات حاشدة ملأت دمشق وهم يهتفون لا إله إلا الله حيث كان السوريون أبناء وطن واحد بتنوع معتقداتهم مسلمين ومسيحيين فالدين لله والوطن للجميع وكان هذا الموقف من فارس الخورى دليلا دامغا علي أنه كان متجردا في أحكامه عميقا في تفكيره صائبا في نظرته وكان مما قاله عن الإسلام الذي درسه وتعمق فيه إنه دين يحقق العدالة الإجتماعية بين بني البشر وقال أيضا عنه إنه يمكن تطبيقه كنظام دون الحاجة للإعلان عنه أنه إسلام ولا يمكننا محاربة النظريات الهدامة التي تهدد كلا من المسيحية والإسلام إلا بالإسلام وإنني لو خيرت بين الإسلام وبين الشيوعية لإخترت الإسلام وهذا هو إيماني فأنا مؤمن بالإسلام وبصلاحه لتنظيم أحوال المجتمع العربي وقوته في الوقوف بوجه كل المبادئ والنظريات الأجنبية مهما بلغ من إعتداد القائمين عليها ولقد قلت ولازلت أقول لا يمكن مكافحة الشيوعية والإشتراكية مكافحة جدية إلا بالإسلام وإن الإسلام وحده هو القادر على هدمها ودحرها ويؤثر عنه كثير ممن عاشره وإقترب منه حبه للإسلام وتعلقه به عقيدة وشريعة وكثيرا ما أسر بإعتقاده هذا إلى زائريه ومخلصيه .
وفي عام 1945م ترأس فارس الخوري الوفد السوري الذي كلف ببحث قضية جلاء الفرنسيين عن سوريا أمام منظمة الأمم المتحدة التي كان قد تم تأسيسها في نفس العام وكان هو من وقع ميثاقها ممثلا لسوريا كعضو مؤسس في المنظمة الدولية وقد ظهرت موهبته في الإجتماعات التي شهدت تأسيس هذه المنظمة الدولية وعرفه وزراء الخارجية الدوليون ومنهم الوزير الروسي الشهير مولوتوف ووزير الخارجية الأميريكية الأقل شهرة ستاتينيوس ولم يعد فارس الخورى من إجتماعات الأمم المتحدة إلى بلده مباشرة وإنما بقي بعض الوقت في الولايات المتحدة الأميريكية وحدث في ذلك الوقت أن نشأت أزمة بين سوريا وفرنسا بسبب طلب فرنسا لبعض الإمتيازات الثقافية والإقتصادية والعسكرية التي لم توافق عليها سوريا مما ترتب عليه قيام الفرنسيين بقصف مبني البرلمان السورى بالطيران في يوم 29 مايو عام 1945م في تصرف بربري وحشي وهي الحادثة التي أظهرت ذكاء رئيس البرلمان حينذاك سعد الله الجابري الذي فض البرلمان فلم يصب القذف هدفه وإن كان قد أصاب الحامية المكلفة بحراسته وقتل البعض منهم وقامت سوريا بتقديم شكوى للأمم المتحدة وترأس وفدها فارس الخوري الذى كان موجودا في الولايات المتحدة وقد أضاف ذكاؤه ودبلوماسيته وقدرته على الجدل بالقانون إلى قدرات الوفد السوري الذي إستطاع الحصول على قرار من الأمم المتحدة بإنهاء الوجود الفرنسي في سوريا إنهاءا كاملا خلال الجلسة التي عقدت في شهر يناير عام 1946م ونوقشت خلالها قضية الجلاء عن سوريا ولبنان وأبلى فارس الخوري بالاشتراك مع زميله حميد فرنجية ممثل لبنان بلاءا حسنا خلالها وأصرا على ضرورة جلاء الجيشين الفرنسي والإنجليزي من سوريا ولبنان في وقت واحد وهو ما حدث بالفعل وكان لفارس الخولي خلال هذه الجلسة موقف شهير حيث قام بالدخول إلى قاعة الإجتماعات بالأمم المتحدة بطربوشه الأحمر وبذته البيضاء الأنيقة قبل موعد الإجتماع الذي طلبته سوريا من أجل رفع الإنتداب الفرنسي عنها بدقائق وإتجه مباشرة إلى مقعد المندوب الفرنسي لدى الأمم المتحدة وجلس على الكرسي المخصص لفرنسا وبدأ السفراء بالتوافد إلى مقر الإجتماع وأدهشهم جلوس فارس بك المعروف برجاحة عقله وسعة علمه وثقافته في المقعد المخصص للمندوب الفرنسي تاركا المقعد المخصص لسوريا فارغا ودخل المندوب الفرنسي ووجد فارس بك يحتل مقعد فرنسا في الجلسة فتوجه إليه وبدأ يخبره بأن هذا المقعد مخصص لفرنسا ولهذا وضع أمامه علم فرنسا وأشار له إلى مكان وجود مقعد سوريا مستدلا عليه بعلم سوريا ولكن فارس بك لم يحرك ساكنا بل بقي ينظر إلى ساعته دقيقة إثنتان خمسة بينما إستمر المندوب الفرنسي في محاولة إفهام فارس بك بأن الكرسي المخصص له في الجهة الأخرى ولكن فارس بك إستمر بالتحديق إلى ساعته عشر دقائق أحد عشرة إثنا عشرة دقيقة وبدأ صبر المندوب الفرنسي ينفذ وإستخدم عبارات لاذعة ولكن فارس بك إستمر بالتحديق في ساعته تسع عشرة دقيقة عشرون واحد وعشرون وإهتاج المندوب الفرنسي ولولا تدخل سفراء الدول الأخرى للحيلولة بينه وبين عنق فارس بك لكان قد أمسك به وعند الدقيقة الخامسة والعشرين تنحنح فارس بك ووضع ساعته في جيب الجيليه ووقف وهو يرسم إبتسامة عريضة علي شفتيه وقال للمندوب الفرنسي سعادة السفير جلست على مقعدك لمدة خمس وعشرين دقيقة فكدت تقتلني غضبا وحنقا ولقد تحملت سوريا سفالة جنودكم خمس وعشرين سنة وآن لها أن تستقل وأن تحصل علي إستقلالها وفي هذه الجلسة قررت الأمم المتحدة أن تنال سوريا إستقلالها وفي يوم 17 أبريل عام 1946م كان جلاء آخر جندي فرنسي عن سوريا .
ومن مواقف فارس الخورى أيضا في الأمم المتحدة قيامه بإلقاء خطبة في المؤتمر المنعقد في دورته الأولى نالت تقدير العالم وإعجابه حيث أبدى فيها إستعداد بلده سوريا وشقيقاتها العربيات لتلبية نداء البشرية من أجل تفاهم متبادل وتعاون أوثق كما تحدث فيها عن خطورة المهمة الملقاة على عاتق المؤتمر وأظهر تفاؤله بإمكانية تحقيق الفكرة السامية التي تهدف إليها المنظمة العالمية وبناءا على جهوده فقد منحته جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة الدكتوراه الفخرية في الخدمة الخارجية إعترافاً بمآثره العظيمة في حقل العلاقات الدولية وما بين عام 1947م وعام 1948م إنتخبت سوريا عضوا في مجلس الأمن الدولي كما أصبحت رئيسا له في شهر أغسطس عام 1947م ومن الجدير بالذكر أنها إنتخبت بأغلبية 45 صوتا من أصل الأصوات الذي كان 53 صوتا في ذلك الوقت وبالإضافة لإهتمامه بوطنه سوريا إهتم بالقضية الفلسطينية إهتماما خاصا وأكد رفض الدول العربية إقامة دولة لليهود فيها كما شرح القضية المصرية وطالب بجلاء الإنجليز عن أراضيها وكانت مشاعره وتعبيراته عونا للوفد المصري الذي كان برئاسة محمود فهمي النقراشي باشا رئيس مجلس الوزراء حينذاك في عرض القضية المصرية الخاصة بجلاء الإنجليز جلاءا تاما عن مصر وبالإضافة إلي ذلك كان دائما ما يؤكد على ضرورة نشر السلام العالمي وأيضا طالب بإنهاء تنافس الدول الكبرى في الإستيلاء علي ثروات الدول النامية في قارات أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية وحذر من وقوع حرب ذرية مدمرة قد تفني العالم في حالة قيامها ولطالما ضجت هيئة الأمم بخطبه ومناقشاته باللغة الإنجليزية من أجل نصرة الحق في القضية العربية وبعد إنتهاء عضوية سوريا في مجلس الأمن الدولي عاد فارس الخوري إلى بلاده وكان قد إنتخب أيضا رئيسا للمجلس النيابي عام 1947م في نفس الوقت عندما كان يمثل سوريا في مجلس الأمن ولكن عندما حل هذا المجلس على أثر الإنقلاب العسكرى الذي قام به قائد الجيش السورى حسني الزعيم في شهر مارس عام 1949م قام فارس الخورى بدور هام جدا بعد قيام هذا الإنقلاب حيث كان صاحب فضل في تخفيف وطأته بكل ما أوتي من جهد حيث تمكن من الحصول من رئيس الجمهورية شكري القوتلي ورئيس الوزراء خالد العظم على إستقالتيهما وهما معتقلان في المستشفى العسكري بدمشق كي ينجيهما من بطش قادة الإنقلاب من العسكريين الذي يكون عادة لا حدود له في مثل هذه الحالات ويذكر التاريخ أن الأستاذ فارس الخوري قال لحسني الزعيم زعيم الإنقلاب سامحك الله فقد فتحت بابا يصعب على التاريخ إغلاقه وهو ما حدث بالفعل وبعد هذا الإنقلاب ثابر فارس الخوري على عمله في الحقل الدولي وترأس الوفود السورية إلى هيئة الأمم المتحدة متابعا نضاله ودفاعه عن القضايا العربية ومن المواقف الطريفة لفارس الخورى حين كان رئيسا للمجلس النيابي أن المجلس كان يضم عددا من نواب العشائر شبه الأميين فوقف واحد منهم يتحدث قائلا حضرات النواب المحترمون فصحح له فارس الخوري بقوله حضرات النواب المحترمين فأعاد النائب نطقها بالشكل الصحيح ثم تابع قوله كان النواب المحترمين فقاطعه فارس الخوري وصحح له مرة أخرى بقوله كان النواب المحترمون فثارت ثائرة النائب وصاح محتجا باللهجة العامية ليش هيك متحطط عليّ يا دولة الرئيس لما قلت المحترمون صححتها لي إلى المحترمين ولما قلت المحترمين قاطعتني وقلت المحترمون فهل تريدني أن أقول المحترمون أم المحترمين فرد عليه فارس الخوري ضاحكا لست أنا من يريد وإنما سيبويه هو الذي يريد وفي مرة أخرى كان المجلس يناقش مشروع قانون وطال النقاش حول أحد مواد القانون وإقترح أحد النواب حذف هذه المادة لحل المشكلة فرد عليه فارس الخوري بأنه لا يمكن حذفها لأن عدة مواد في الفصل الذى توجد به هذه المادة تستند عليها فإقترح النائب حذف الفصل بكامله من مشروع القانون فحبكت الضحكة على فارس بك ورد على النائب قائلا لا بأس ولكن سيكون حذف الفصل فصلا ناقصا من المجلس أمام الحكومة مثل هذه المواقف الطريفة تعبر عن شخصية سياسية فذة ومحنكة وفكر مستنير لشخص أبي قلما نجد مثيله بين السياسيين .
وكان أيضا من ضمن المواقف الوطنية القومية لفارس الخورى موقفه بشأن القضية الفلسطينية حيث صرح بأن قضية فلسطين لا تحل في أروقة مجلس الأمن ولكنها تحل على ثرى فلسطين وقد جاء هذا في كتاب هتاف المجد للكاتب المعاصر له علي الطنطاوي وفي عام 1954م طلب رئيس الجمهورية آنذاك هاشم الأتاسي من فارس الخوري تشكيل الحكومة خلفا لحكومة السياسي والمحامي السورى سعيد الغزى والذى إستجاب لهذا الطلب وقام بتشكيل الوزارة في يوم 3 نوفمبر عام 1954م لكنها لم تستمر سوى أشهر معدودة حيث سقطت هذه الوزارة في يوم 13 فبراير عام 1955م وكان من أهم الأمور السياسية التي حدثت أثناء توليه هذه الوزارة ردود الفعل والصدى البعيد في المجلس النيابي وفي دوائر الحكومة السورية وبين جماهير الشعب الذي أحدثه صدور الأحكام القاسية ضد الإخوان المسلمين في مصر مما جعل سائر الحكومات العربية بما فيها الحكومة السورية تتوسط لدى القاهرة لتخفيف هذه الأحكام وعرض الخوري وساطته الشخصية بالإضافة لوساطة حكومته والشعب السوري برئيس جمهوريته ومجلسه النيابي وفئاته وأحزابه وواضعا كرامته الشخصية كرجل يحفظ له المصريون أخلد الذكريات لقاء تخفيف هذه الأحكام وكان يظن أن الحكام المصريين حينذاك الذين عرفوا دوره في الدفاع عن قضيتهم في الأمم المتحدة سيكرمون وفادته ويستجيبون لرجائه إلا أنه لم يوفق في مسعاه ونفذت بالفعل أحكام الإعدام في ستة من أقطاب جماعة الإخوان المسلمين في وادي النيل فكان لذلك أثر كبير في نفسه لم يزايله بقية عمره وبعد سقوط وزارته وتكليف صبرى العسلي بتشكيل الوزارة الجديدة إعتكف فارس الخورى في منزله بدمشق وكان يذهب مرة كل عام إلى جنيف ليشترك في جلسات لجنة القانون الدولي التي كان عضوا فيها وفي بداية عام 1958م لما ظهرت بوادر إعلان الوحدة بين مصر وسوريا لم يؤخذ رأي الأستاذ فارس الخوري بصفته سياسي محنك وله رؤيته كما أنه لم يكن قادرا على أن يصرح برأيه تجاه هذا الأمر وتمت الإحتفاليات والمهرجانات إبتهاجا بقرب إعلان الوحدة وهو بعيد كل البعد عنها وتروي حفيدته الأديبة كوليت خوري والتي تعد الآن من رموز الحركة الثقافية العربية بإسهاماتها المبكرة وبدأبها في الإنتاج الثقافي المتميز إنها إثر عودتها من أحد المظاهرات المطالبة بالوحدة مع مصر قبل إعلانها عادت إلى منزل جدها فارس الخوري في حي المهاجرين بدمشق لتجده جالسا على الكرسي أمام المذياع ووجهه متجهم حيث لم يكن راضيا عما يجري في تلك الفترة وكان محتقن الوجه وغير مرتاح وأخبرته بأنها كانت مع المتظاهرين المؤيدين للوحدة فإكتفى بهز رأسه ولم يقل لها عفي عليكي كعادته مما أثار حفيظتها لتسأله لم أنت لست سعيدا فأخبرها أنه مشغول البال وقلق .
وفي تلك اللحظة وافته مجموعة من الشخصيات الكبيرة الذين صرح لهم بقلقه وخوفه على قضية العمر التي طالما سعوا إليها وحلم حياتهم بالوحدة الكبرى على إتساع رقعة الوطن العربي وقال بالحرف الواحد الآن عملوا وحدة مسلوقة سلقا والوحدة لا تسلق والخوف إذا ما فشلت سنعود إلى نقطة ما قبل الصفر وبحماستها المعهودة قالت حفيدته كوليت لا الوحدة حلوة لكنه أصر على أنه يؤيد الوحدة بين الدول العربية جميعها وأن هذا حلم حياته لكن ليس بهذا الشكل فالوحدة لا تسلق سلقا وستكون خسارة كبيرة إذا ما فشلت وفي النهاية تم بالفعل إعلان الوحدة بين مصر وسوريا في يوم 22 فبراير عام 1958م وبعد حوالي عامين ونصف العام تحققت مخاوف فارس الخورى وصدقت تنبؤاته وحدث الإنفصال بين مصر وسوريا في شهر سبتمبر عام 1961م وفي أواخر أيامه وفي يوم 22 فبراير عام 1960م أصيب فارس الخورى بكسر في عنق فخذه الأيسر مما تسبب له في آلام شديدة ونقل إلي مستشفى السادات بدمشق للعلاج إلا أنه توفي مساء يوم الثلاثاء 2 يناير عام 1962م في المستشفى المذكور عن عمر يناهز 89 عاما ومما يذكر عن هذا الرجل العظيم أنه عندما إنتهت مدة رئاسة سوريا لمجلس الأمن عام 1948م قدمت له جريدة المصري التي كانت من كبرى الصحف المصرية حينذاك تحيتها في تقييمها السنوي لنهاية عام 1948م وكتبت عنه قائلة اليوم ينتهي عام 1948م وتنتهي بإنتهائه عضوية بعض الدول في مجلس الأمن وتبدأ عضوية دول غيرها وإذا كان علينا أن نودع دولة من هذه الدول التي تنتهي عضويتها لا نجد غير سوريا نودعها في شخص ذلك الرجل الذي مثلها ومثل العرب أجمعين وهو دولة فارس الخوري بك البطل العربي الذي يبلغ من العمر 76 عاما والذي كانت وفود العالم تنظر إليه على إعتبار أنه مثل يضرب للنشاط الذي لا يكل والشجاعة التي لا يؤثر فيها شيء وإن دولة الخوري بك حقق المعجزات وسلك طوال عمره طريقا واحدا لم يحد عنه طريق الإنسانية الحقة الإنسانية التي تتلخص في حق كل بشر أن يعيش حرا محتفظا بكرامته وإذا سألت في دوائر هيئة الأمم المتحدة عن الرجل الذي يحبه الجميع ويفديه الجميع ويهتم برأيه الجميع فإن الجواب على سؤالك هو فارس الخوري وجدير بالذكر أيضا أنه قد تم منحه جائزة الدولة التقديرية في العلوم الإجتماعية من قبل الرئيس جمال عبد الناصر بناءا على توصية المجلس الأعلى للعلوم والفنون وكان هو السورى الوحيد الذى حصل علي هذه الجائزة من مصر .
|