السبت , 7 نوفمبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

عندما غزت الكوليرا طنطا

عندما غزت الكوليرا طنطا
عدد : 02-2020
بقلم الدكتور/ عمر محمد الشريف

الوباء الأسود أو الكوليرا كانت سبب تعيين أول حكيم صحة في طنطا، قديما كانت المدينة ضيقة الحارات قليلة الانتظام كثيرة الرطوبة لعدم تمكن الهواء وأشعة الشمس من الدخول إليها لذا كانت الأمراض تكثر فيها.

فعندما تفشت الكوليرا في عهد الخديوي اسماعيل عام 1865م، كان أول ظهورها في الأسكندرية ونقلت امرأة عدوى المرض إلى طنطا، فانتشر في المدينة بسرعة كبيرة حتى بلغت وفيات يوم واحد وهو ٢٤ يونيو عام 1865م ستة وتسعين ضحية، مما اضطر الخديوي لتعيين حكيم صحة في طنطا، فأخذ يكافح المرض حتى تم القضاء عليه بعد شهرين.

الكوليرا عدوى حادة تسبب الإسهال وقادرة على أن تودي بحياة المُصاب بها في غضون ساعات إن تُرِكت من دون علاج، ولم تكن تلك المرة الأول التي يتفشى فيها مرض الكوليرا في مصر حيث ضربت الكوليرا مصر عشر مرات في العصر الحديث أعوام 1831و1834و1850و1855و1865و1883و1895و1902و1947م.

فبعد الاحتلال البريطاني لمصر بعام، عاد المرض ليتفشى حيث ظهر في بدمياط يوم 22 يونيو 1883م، كما ذكر المؤرخ عبدالرحمن الرافعي في كتابه "مصر والسودان في أوائل عهد الاحتلال".

وكان يطلق عليه العامة "الشوطة أو الهيضة" ، وختلفت الآراء حول سبب الانتشار فقال البعض إنه نشأ في دمياط بسبب قلة العناية بالوسائل الصحية، وحاول الإنجليز في تلك الفترة عزل مصر عن باقي العالم، فيما كانت هناك اتجاهات أخرى وهى ما أثبتتها التحقيقات وهو أن أحد قادة البواخر البريطانية التي وصلت إلى بورسعيد قادمة من الهند كان يحمل المرض، ولم يكد يطأ قدميه دمياط حتى ظهر الوباء.

وساعد في انتشار العدوي رطوبة المناخ وكثرة الحوارى ووجود الترع، هذا بالإضافة إلى الحالة العامة المتعلقة بقلة الوسائل الصحية، وأكدت البعثات الطبية أن المرض جاء من الهند.

وقد اكتشف الطبيب الألماني "روبرت كوخ" ميكروب الكوليرا ، حيث سافر إلي مصر ومكث بالمستشفي وشرع في عمل أبحاث، فقام بعزل الميكروب الذى ينتشر في شكل ضمّات من البكتيريا القاتلة، حينما وجد أعراضه التى تستولى على شريان الحياة في الجسد وتُصيب المريض بالإسهال والقىء الهستيرى الذى يفرغ الشرايين والأوردة من محتوى الماء فيها فيهلك الإنسان فى ساعات من الجفاف.

ثم اتجه إلي الهند بعدها ليظهر علم الميكربولوجي للوجود، حيث أمكن التعرف علي طرق العدوي لوباء الكوليرا ووسائل انتشاره وأمكن وضع قواعد لمكافحته والوقاية منه.

وسرى الوباء عام 1883م من دمياط إلى المدن الأخرى ، وانتشر على الأخص في شربين والمنصورة وطلخا وسمنود والمحلة الكبرى وطنطا وزفتى وميت غمر والسنبلاوين ومنوف وكفر الزيات ودمنهور وكفر الدوار والإسكندرية ورشيد وبورسعيد والإسماعيلية والسويس والزقازيق ، ثم القاهرة وبنها والجيزة وبنى سويف والمنيا وأسيوط وجرجا وقنا.

وقد هلع له الناس، إذ كانت ضحاياه تبلغ في بعض الأيام بالمئات ، وكافحته الحكومة بكل ما لديها من الوسائل والاحتياطات ، وأنشئت اللجان في المدن لإسعاف المصابين وإرشادهم إلى طريق الوقاية من هذا الداء ، وانتشر انتشارا مروعاً في الأحياء الآهلة بالسكان ، ثم خفت وطأته في أواخر أغسطس ، وأمكن استئصاله في شهر ديسمبر سنة ۱۸۸۳ بعد أن بلغت ضحاياه في مختلف القطر ستين ألفا.

تنتشر الكوليرا بوسائل ثلاث : الوسيلة الأولى : تلوث مصدر الشرب وهي أخطرها ؛ لأن الماء لا يمكن الاستغناء عنه ، ولأن الميكروب في الماء لا يخضع للعوامل الجوية فهو في رطوبة دائمة لا يتعرض فيها للجفاف الذي يميته بسرعة.

الوسيلة الثانية : انتقال العدوى بطريق حامل الميكروب سواء كان مريضا أو حاملاً للميكروب بدون مرض أو بعد شفائه من المرض.

الوسيلة الثالثة : وهي انتشار الميكروب بواسطة مواد الطعام الملوثة.

ظهر الوباء مرة أخرى عام 1947م، حيث ظهر يوم ۲۲ سبتمبر ببلدة القرين التابعة لمركز أبو حماد بمحافظة الشرقية، ويعتقد أن الوباء انتقل إلى مصر من خلال الجنود الإنجليز العائدين من الهند والذين بدورهم نقلوا الميكروب إلى الفلاحين في القرية.

تم تشخيصهما في البداية "تسمم غذائي"، لكن بعد يومين ساءت حالة المريضين وتم نقلهم للمستشفى العام، ثم لم يلبثوا أن مات 7 حالات في نفس العنبر بالمستشفى، حتى تم الإعلان عن انتشار الكوليرا فى مصر.

وفي طنطا أغلقت الأسواق العامة والمحاكم، فصدر قرار باعتبار الغربية محافظة موبوءة، ثم أصدر وزير العدل قراره بوقف العمل بالمحاكم الواقعة في دائرة الغربية ومن أهمها محكمة طنطا الابتدائية ومحكمتي دسوق وخوه اعتباراً من ١٩ أكتوبر عام ١٩٤٧م.

وفي الأسبوع الذي كان الوباء وصل ذروته من حيث عدد الجهات الموبوءة وعدد الوفيات والاصابات (٢٢ أكتوبر حتى ٢٨ أكتوبر) سجلت مديرية الغربية في هذا الأسبوع ارتفاعا ملحوظا في عدد الجهات الموبوءة وعدد الإصابات ، إذ بلغ عدد الجهات الموبوءة بها ۳۸۱ جهة وعدد الإصابات فيها ۱۷۰۳ إصابة وعدد الوفيات ٦٧٤ وفاة، وبذلك تكون مديرية الغربية قد سجلت أعلى ارتفاع أسبوعي طوال فترة الوباء من حيث عدد الجهات الموبوءة وعدد الإصابات.

وكانت الصحف اليومية آنذاك تذكر أرقام الإصابات والوفيات في كل محافظة من المحافظات، وتكتب تحقيقات صحيفة عن واقع الوباء ، وأراء الأطباء ، وتبرز الإرشادات الواجب اتخاذها ، كما كانت الإذاعة نفعل نفس الشيء .

وفي طنطا وباقي المناطق الموبوءة كانت فرق التطعيم ضد المرض تجوب الشوارع ، والوحدات المتنقلة ترش المبيدات وتنظف الأماكن ، لتقضي على الذباب والقاذورات ، ويحكي لنا نجيب الكيلاني عن ذلك في مذكراته فيقول:

وارتفع سعر الليمون آنذاك، نظرا لأن عصير الليمون له القدرة على قتل الميكروب، ومن ثم ترى الناس يعصرونه على الماكولات والمشروبات، ويمسحون به أيديهم بعد المصافحة، أو الخروج من دورة المياه ، كما كانوا يتزاحمون على مراكز التطعيم التي اشترك فيها عدد غير قليل من المتطوعين من أهالي القرية ، أولئك الذين تدربوا على إعطاء الحقن، كما كان أئمة المساجد والوعاظ يوصون الناس بالنظافة، وعدم مغادرة القرية إلى أماكن أخرى.

ظلت الدولة تكافح المرض حتى أعلن رسمياً في ١١ فبراير ١٩٤٨ أن مصر أصبحت خالية من هذا الوباء، وقد تلقت الحكومة المصرية مساعدات وأدوية وخبراء من أميركا وفرنسا وبريطانيا وسويسرا وجنوب أفريقيا وسوريا والعراق، لمكافحة وباء الكوليرا.

وتقول ليلي السيد عبدالعزيز، في كتابها "الأمراض والأوبئة وآثارها علي المجتمع المصري"، إن الأجداد المصريون عانوا كثيرا من انتشار الأمراض والأوبئة فكان الوباء يحل بالمدينة أو القرية فيفتك بربع أو نصف السكان ناهيك عن سرعة انتشار المرض بسبب عدم وجود الأمصال والعلاج.

كتبت الشاعرة العراقية نازك الملائكة قصيدة "الكوليرا"

صوّرت فيها مشاعرها وأحاسيسها نحو مصر حين داهمها وباء الكوليرا، وحاولت التعبير عن وقع أرجل الخيل التي تجر عربات الموتى من ضحايا المرض في الريف المصري، فتقول:
في صمتِ الفجْر أصِخْ انظُرْ ركبَ الباكين
عشرةُ أمواتٍ عشرونا
لا تُحْصِ أصِخْ للباكينا
اسمعْ صوتَ الطِّفْل المسكين
مَوْتَى مَوْتَى ضاعَ العددُ
مَوْتَى موتَى لم يَبْقَ غَدُ
*****
في شخص الكوليرا القاسي ينتقمُ الموتْ
الصمتُ مريرْ
لا شيءَ سوى رجْعِ التكبيرْ
حتّى حَفّارُ القبر ثَوَى لم يبقَ نَصِيرْ
الجامعُ ماتَ مؤذّنُهُ
الميّتُ من سيؤبّنُهُ
لم يبقَ سوى نوْحٍ وزفيرْ
الطفلُ بلا أمٍّ وأبِ
يبكي من قلبٍ ملتهِبِ
وغدًا لا شكَّ سيلقفُهُ الداءُ الشرّيرْ
يا شبَحَ الهيْضة ما أبقيتْ
لا شيءَ سوى أحزانِ الموتْ
الموتُ، الموتُ، الموتْ
يا مصرُ شعوري مزَّقَهُ ما فعلَ الموتْ