بقلم المهندس/ طارق بدراوى
محمد عبد الكريم الخطابي قائد عسكري وزعيم وطني وسياسي مغربي من منطقة الريف كان قائدا للمقاومة الريفية ضد الإستعمارين الأسباني والفرنسي للمغرب ويعتبر أول من أشاع إستعمال مصطلح المغرب الشرقي بشكل كبير بعد أن أسس لجنة تحرير المغرب العربي حيث حدد الخطابي أهداف هذه اللجنة في البيان الذي أصدره بمناسبة تأسيسها في يوم 6 يناير عام 1948م ونادى فيه بجمع شمل كافة القوى والأحزاب الوطنية المناضلة في سبيل إستقلال المغرب والجزائر وتونس وإرساء أسس الوحدة الوطنية المغربية التي تنادي بالسلام والإستقلال التام وترفض أي مساومة مع المستعمر الأجنبي .
ولد عبد الكريم الخطابي في مدينة أجدير التي تقع شمالي المغرب وتتميز بموقعها الإستراتيجي الهام فهي محاطة بجبال الريف وتطل على حوض البحر الأبيض المتوسط وهو ينتسب إلى قبيلة بني ورياغل وهي قبيلة ريفية مغربية ترجع أصولها لمجموعة صنهاجة الأمازيغية وقد إرتبط إسمها في التاريخ الحديث بدورها الكبير خلال حرب الريف حيث كانت إحدى دعائم المقاومة الريفية ضد الإستعمار الأسباني وكان والده عبد الكريم الخطابي قاضي القبيلة وعرفت أسرته بالمكانة العلمية والسياسية لرجالاتها الذين شغلوا مناصب القيادة والقضاء في منطقتي الريف الأوسط والغربي ببلاد المغرب وتلقى محمد تعليمه الأولي المتمثل في حفظ القرآن الكريم والتعاليم الدينية في مسقط رأسه أجدير قبل أن ينتقل للدراسة في مدينة تطوان التي يطلق عليها لقب الحمامة البيضاء والتي تقع في منطقة الريف الكبير على ساحل البحر الأبيض المتوسط بين مرتفعات جبل درسة وسلسلة جبال الريف المغربي ثم مدرسة العطارين بمدينة فاس إحدى العواصم القديمة للمغرب ثم إنتقل إلى مدينة مليلة التي نال فيها شهادة البكالوريا الأسبانية وهي حاليا مدينة أسبانية وذاتية الحكم تقع على القارة الأفريقية داخل أراضي المملكة المغربية قبالة الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة الأيبيرية وتعتبرها المغرب مدينة مغربية محتلة والتي تحيط بها الأراضي الريفية المغربية من كل الأطراف ويحدها من الشرق والشمال الشرقي البحر الأبيض المتوسط ثم إنتقل بعد ذلك إلى الدراسة في جامعة القرويين الشهيرة بمدينة فاس والتي تأسست عام 245 هجرية الموافق عام 859م ولذا فهي تعد أقدم جامعة في العالم لا زالت عاملة إلى الآن بدون إنقطاع حسب منظمة اليونيسكو وموسوعة جينيس للأرقام القياسية والعديد من المؤرخين كما أنها تعد مؤسسةً تعليمية تابعة لجامع القرويين الذى تأسس في نفس العام المذكور وهناك تتلمذ على يد مجموعة من علماء الدين والسياسة كعبد الصمد بن التهامي ومحمد بن التهامي ومحمد الكتاني خلال فترة دراسته في مدينة فاس .
وفي عام 1908م تم تكليفه من طرف والده ببعثة سياسية لدى السلطان عبد العزيز أبدى فيها دعم بني ورياغل لمحاربة الجيلالي بن إدريس الزرهوني بو حمارة الذي هدد وحدة الكيان المغربي بعدما جال المغرب ممتطيا حماره لنشر دعوته بعزل السلطان عبد العزيز الذى تولي حكم البلاد عام 1894م خلفا لأبيه وكان يبلغ من العمر 16 عاما وإقامة حكومة جديدة بالبلاد دون إنتماء حقيقي للسلالة الملكية وكان ذلك قبيل فترة إحتلال بلاد المغرب وذلك بتحريض من القوى الإستعمارية الفرنسية والأسبانية الطامعة في هذه البلاد وفي ظل ظروف سياسية صعبة من تاريخ المغرب كان ختام مسيرته الجامعية في مدينة شلمنقة بغربي أسبانيا والتي درس فيها القانون الأسباني بجامعتها لمدة ثلاث سنوات وكانت بداية الحياة المهنية لمحمد عبد الكريم الخطابي في مدينة مليلة التي زاول بها مهنة التدريس لمدة حوالي 7 سنوات بين عام 1907م وعام 1913م وقد مكنه تكوينه الجامعي وإجادته للغة الأسبانية علاوة على اللغتين المحليتين العربية والأمازيغية للإشتغال أيضا مترجما وكاتبا بالإدارة المركزية للشئون الأهلية بمدينة مليلة بداية من عام 1910م كما عمل بالتوازى مع ذلك صحفيا بيومية تيليجراما ديل ريف الناطقة باللغة الأسبانية بين عام 1907م وعام 1915م حيث كان يكتب بها عمود يومي باللغة العربية وعلى غرار والده تم تعيينه عام 1913م قاضيا ثم رقي في العام التالي 1914م إلى منصب قاضي القضاة وكان سنه حينذاك 32 سنة وتبوأ بذلك أرفع درجة في سلك القضاء بمدينة مليلة وفي نفس السنة عين أيضا معلما بأكاديمية اللغتين العربية والريفية بمدرسة الشئون الأهلية بمليلة ومن أهم الأحداث التي وقعت في هذه المرحلة وتحديدا في عام 1912م كان توقيع معاهدة الحماية الفرنسية علي المغرب في يوم 30 مارس عام 1912م والتي تم بموجبها تقسيم المغرب إلى ثلاث محميات وهي المنطقة الشمالية والمنطقة الصحراوية في الجنوب ووضعت تحت الحماية الأسبانية والمنطقة الوسطى ووضعت تحت الحماية الفرنسية ومدينة وميناء طنجة المطلة علي مضيق جبل طارق والتي خضعت لحماية دولية بين فرنسا وإنجلترا والمانيا وأسبانيا .
ويتفق المؤرخون على أن محمد عبد الكريم الخطابي كان إلى حدود هذه المرحلة مؤمنا بالتعايش السلمي مع المستعمر وذا مكانة محترمة لدى السلطات الإستعمارية ويستدلون على ذلك بالوظائف التي شغلها في سلكي التعليم والقضاء بل كانت كتاباته الصحفية ذات خط إيجابي إزاء فتح أسبانيا لمدارس تعليمية لخدمة سكان مدينة مليلة بل وطالب بالجنسية الأسبانية مرتين لم تكللا بالنجاح وكانت نقطة التحول الرئيسية في وعيه السياسي وخطه إزاء العلاقات المغربية الأسبانية والفرنسية كانت تأثره الشديد نتيجة حدثين رئيسيين في حياته أولهما سجنه عام 1915م والذي كان نتيجة تعاطفه مع المانيا خلال الحرب العالمية الأولى وجاء السجن بإيعاز من السلطات الفرنسية التي كان نفوذها السياسي يمتد إلى غاية منطقة الحماية الأسبانية شمال المغرب والتي إتهمته بالتخابر مع المانيا حيث تم سجنه في سجن روسطروجوردو بمليلة والذى حاول الفرار منه مرات عديدة دون جدوى وكسرت ساقاه في إحدى هذه المحاولات ومكث في السجن 11 شهرا قبل أن يطلق سراحه ويعود لمزاولة مهنة القضاء في مليلة وفي هذه المرحلة تولد لدى الخطابي وعي وإحساس بالإضطهاد الإجتماعي والسياسي الذي كان يولده الإستعمار لدى المغاربة وشرع بربط علاقات مع معارضي الوجود الإستعماري بالبلاد في المنطقتين الأسبانية والفرنسية أما الحدث الرئيسي الثاني فيتجلى في إنتقال الإستعمار الأسباني إلى مرحلة التغلغل العميق الذي كان مرتكزا على قواعد رئيسية في السواحل المغربية الشمالية وذلك بعد نهاية الحرب العالمية الأولى في عام 1918م مباشرة عبر تكثيف التواجد العسكري بالمغرب ونشر 63 ألف عسكري وتوسيع المواقع العسكرية على إمتداد شمال المغرب وهو ما لاقى رفض ومعارضة قوية وعنيفة من طرف شيوخ القبائل وعلى رأسهم والده عبد الكريم الخطابي الذي إنتقلت مقاربته للإستعمار من الحياد الإيجابي إلى الرفض والتصادم مرورا بمرحلة ناشد فيها السلطات الأسبانية بالسير على نهج الحماية الفرنسية في مناطقها عبر ضرورة أن تتناسب البنية الإدارية الإستعمارية مع البيئة المغربية وكان المشهد السياسي في الريف المغربي معقدا في تلك المرحلة وتميز بتنافس اسباني فرنسي الماني سواء على مستوى العمل المخابراتي أو عبر إستمالة الأطراف المغربية كآل الخطابي لمصلحة هذا المشروع الإستعماري أو ذاك وتحولت تدريجيا العلاقة بين آل الخطابي والإدارة الاسبانية من التعايش إلى القطيعة وكان الوالد القاضي عبد الكريم الخطابي أول من نظم المقاومة الريفية عام 1920م بمساعدة إبنيه محمد وشقيقه الذى كان يدرس الهندسة في أسبانيا وكان لتعيين الجنرال سيلفيستري حاكما عسكريا اسبانيا في منطقة الحماية الأسبانية بالمغرب أثر كبير لهذا التحول بسبب توجهاته العسكرية الصارمة التي تحكمت في تحركاته الدبلوماسية وقراراته السياسية .
وكان المحرك الأول لتحرك عبد الكريم الخطابي الأب قيام الإدارة الأسبانية بمضايقات في منطقة نفوذ قبيلته بني ورياغل تمثلت في إعتقالات وترويج إشاعات عن إستسلامه وإنبطاحه أمام السلطة الإستعمارية وتنفيذه لأوامرها ومن ثم شرع في تعبئة القبائل في الأسواق والمساجد وجمع مائتي مقاتل ريفي لمحاصرة نقطة تفرسيت الإستراتيجية عام 1920م في الوقت الذي بقي فيه إبناه في أجدير لتنظيم وإعداد الثورة الوشيكة وحدث أن توفي الوالد بعد حصار النقطة لمدة 22 يوما وقرر قائد الأسبان الجنرال سيلفيستري التقدم على خط سيدي ادريس أنوال تفرسيت وجميعها مواقع إستراتيجية في الريف شمالي المغرب وبالتوازى مع ذلك عرض على محمد عبد الكريم الخطابي عبر الوسيط إتشفارياطا مقترحا يسمح بالتوغل الأسباني في عمق الريف مقابل تجهيز جيش ريفي يحارب فرنسا إلى جانب أسبانيا علاوة على مبلغ 20 مليون بسيطة إلا أنه رفضها وإستمر سيلفيستري في التوغل بهدف الوصول إلى خليج الحسيمة وتمكن من إنشاء أكثر من 100 نقطة مراقبة عسكرية من بينها نقطة دهار أوباران الإستراتيجية وفي يوم 1 يونيو عام 1921م قام محمد عبد الكريم الخطابي بمهاجمة النقطة برفقة 300 مقاتل بطريقة مفاجئة وأسفر الهجوم عن مقتل نصف الحامية العسكرية الأسبانية إضافة إلى إغتنام الريفيين لقطع مدفعية ومعدات حربية أخرى ويعتبر المؤرخ الأسباني ريكاردو دي لا ثييربا بأن هذه المعركة كانت أول هزيمة حاسمة للجيش الأسباني في الريف وساهمت في تقويض معنويات الأسبان وخصوصا سيلفيستري الذي دخل التاريخ كأول جنرال أسباني يخسر مدافعه في قارة أفريقيا ومباشرة بعد هذا الإنتصار تقاطرت القبائل الريفية على مركز قيادة الثوار في مدينة تمسمان وإرتفع جيش محمد عبد الكريم الخطابي إلى 1000 مقاتل جلهم من بني ورياغل وبني توزين وإستطاع الخطابي ان يحقق نصرا ثانيا في سيدي بيبان شمال غربي بلدة أنوال فقد فيه الأسبان 314 جنديا وكانت نقطة التجمع الرئيسية للقوات الأسبانية في أنوال وإعتمدت الإستراتيجية الأسبانية على تأمين الموقع عبر حاميات في المناطق الجبلية وفي الوقت نفسه وحد الخطابي صفوف قبائل الريف شمال المغرب وعلي رأسها قبائل بني ورياغل وتمسمان وبني توزين وبقيوة وباقي قبائل الريف وسماها ومن إنضم إليها مجلس القبائل وهنا دارت معركة أنوال في شهر مايو عام 1921م الشهيرة حيث إنهزم الأسبان أمام المقاومة والإحتلال أمام التحرير والحرية والآليات الحربية المعاصرة أمام عزيمة القبائل الثائرة المحاربة بالبندقية وإندحر الجيش المنظم والكثير العدد أمام قلة من المجاهدين الشجعان وحاقت الهزيمة بالجنرال سيلفيستري الصديق الحميم للملك الفونسو الثالث عشر ملك أسبانيا آنذاك الذي وعد ملكه وجيشه وشعبه والعالم بأنه سينتصر على الريفيين وسيشرب الشاي في بيت عبد الكريم الخطابي الأب بأجدير وخاب ظنه لما أرغم جنوده على شرب البول بسبب الحصار المحكم المضروب على الجيش الأسباني من طرف محمد عبد الكريم الخطابي .
وفي يوم 18 سبتمبر عام 1921م تأسست بمنطقة الريف بشمال المغرب جمهورية الريف المغربي وكان الإسم الرسمي لها الجمهورية الإتحادية لقبائل الريف وأعلنت جمهورية عصرية بدستور وبرلمان وذلك بعدما تحقق الإنتصار علي الأسبان وتم إعلان الإستقلال عن الحماية الأسبانية للمغرب وأعلنت مدينة أجدير عاصمة لهذه الجمهورية وأن تكون عملتها الريفان ويكون عيدها الوطني هو يوم إستقلالها 18 سبتمبر يتم الإحتفال به سنويا وتم إعلان محمد عبد الكريم الخطابي أميرا للريف وقد تشكلت الجمهورية رسميا في يوم 1 فبراير عام 1923م وأصبح محمد عبد الكريم الخطابي رئيسا للدولة الوليدة ورئيسا لمجلس الوزراء في البداية ثم تم بعد ذلك تعيين الحاج الحاتمي رئيسا لمجلس الوزراء من شهر يوليو عام 1923م وحتي سقوط هذه الجمهورية في يوم 27 من شهر مايو عام 1926م وبذلك بسط الخطابي سلطته على بلاد الريف بعد جلاء الأسبان عنها وإتجه إلى تأسيس دولة عصرية منظمة دون أن يتنكر لسلطان البلاد أو يتطلع إلى عرشه بدليل أنه منع أنصاره من الدعاء له في خطبة الجمعة وأعلن الخطابي أن أهداف حكومته تتمثل في عدم الإعتراف بالحماية الفرنسية على بلاد المغرب وجلاء الأسبان من المناطق التي إحتلوها وإقامة علاقات طَيبة مع جميع الدول والإستعانة بالخبراء الأوروبيين في بناء الدولة وقام بتحويل رجاله المقاتِلين إلى جيش نظامي على النسق الحديث وعمل على تنظيم الإدارة المدنية وقام بشق الطرق ومد أسلاك البرق والهاتف وأرسل وفودا إلى العواصم العربية للحصول على تأييدها وطلب من بريطانيا وفرنسا والفاتيكان الإعتراف بدولته وكان من أثر الهزيمة المدوية التي تعرض لها الأسبان في الريف المغربي أن قام إنقلاب عسكري في أسبانيا عام 1923م بقيادة بريمودي ريفيرا لكن هذا لم يغَير من حقيقة الأوضاع بالنسبة للمغرب فلم تعلن الحكومة الجديدة إنهاء إحتلالها للمغرب مما دعا الخطابي إلى مواصلة الجهاد والكفاح المسلح ضدها فقام بهجوم في العام التالي 1924م على مدينة تطوان لكنها لم تسقط في يده على الرغم من وصول جنوده إلى ضواحيها ولكنه أجبر القوات الأسبانية إلى الإنسحاب من المناطق الداخلية والتمركز في مواقع حصينة على الساحل كما أنها أخلت مواقعها في إقليم الجبالة الذى يقع في الجزء الأوسط والغربي من شمال المغرب في أواخر عام 1924م بعد أن ثبت لها عجزها عن الإحتفاظ بهذا الإقليم الهام أمام هجمات الخطابي وفوجئ الفرنسيون بإنتصار الخطابي على الأسبان وكانوا بالطبع يتمنون غير ذلك كما فجعوا بإنسحاب القوات الأسبانية من إقليم الجبالة كله لذا قرَروا التدخل في القتال ضدَ الخطابي من أجل مصلحتهم أولا ولمصلحة الأسبان ثانيا حيث كانت فرنسا تخشى من أن يكون نجاح الخطابي في ثورته عاملًا مشجعا للثورات في شمال أفريقيا ضدها كما أن قيام جمهورية قوية في الريف المغربي قد يدفع المغاربة إلى الثورة على الفرنسيين ورفض الحماية الفرنسية في المناطق المغربية الواقعة تحت سيطرة الإحتلال الفرنسي .
ومن ثم إستعدت فرنسا لمحاربة الخطابي بزيادة أعداد قوَاتها الموجودة في المغرب وبدأت تبحث عن مبرِر للتدخل في منطقة الريف التابعة لأسبانيا فحاولوا إثارة الأمير الخطابي أكثر من مرة بالتدخل في منطقته وفطن الخطابي للمخطط الفرنسي ولذا كان يلتزم الصمت أمام هذه الإستفزازات حتى لا يحاربَ في جبهتين في وقت واحد ويكتفي بإستنكار العدوان على الأراضي التابعة له ثم قام الفرنسيون بتشجيع رجال الطرق الصوفية على إثارة بعض القلاقل والإضطرابات في دولة الريف فلما تصدَى لهم الخطابي تدخلت فرنسا بحجة حماية أنصارها وإندلع القتال بين الخطابي والفرنسيين في شهر رمضان عام 1343 هجرية الموافق شهر أبريل عام 1925م وفُوجئ الفرنسيون بالتنظيم الجيد الذي عليه قوَات الخطابي وببسالتهم في القتال وأُصيبت بعض مواقعهم العسكرية بخسائر فادحة فإضطروا إلى إلتزام موقف الدفاع طيلة أربعة أشهر وهنا لم يعد أمام دولتي الإحتلال الكبيرتين فرنسا وأسبانيا سوى أن يجتمعا على حرب دولة الريف وزعيمها محمد عبد الكريم الخطابي وأَعدتا لهذا الأمر عدته بالإمدادات الهائلة لقوَاتهما في المغرب والإنزال البحري في مكانٍ قرب خليج الحسيمات الذي يمتد في قلب بلاد الريف كما تم حشد أعداد كبيرة من المرتزقة الخونة الذين تم تجنيدهم للقضاء على ثورة الريف حيث كانوا يعرفون شعاب وتضاريس المنطقة وتكتيك القبائل المحلية المقاتلة وتم شن هجوم كاسح وعنيف بحوالي 500 ألف مقاتل تحت قيادة المارشال الريفي أمزيان الذي كان أيضا على دراية بجغرافية المنطقة والتكتيكات العسكرية للقبائل الريفية بحكم إنتمائه لها مما مكنه من أداء دور حاسم في مساعدة القوى الإستعمارية في شن حرب شرسة على القبائل الريفية المناهضة للإحتلال الأسباني وأصبح على الخطابي أن يواجه هذه الحشود الضخمة بقوَاته التي أنهكها التعب والقتال المستمر فضلا عن قلة المؤن التي أصبحت تهدد إستقلالها وبالإضافة إلى ذلك لجأت فرنسا إلى دعم موقفها في القتال فأغرت السلطان المغربي بأن يعلن أن الخطابي أحد العصاة الخارجين على سلطته الشرعية ففعل السلطان ما أُمر به كما قامت بتحريض بعض قبائل المجاهدين على الإستسلام فنجحت في ذلك وكان من نتيجة ذلك أن بدأت الخسائرُ تتوالى على الخطابي في المعارك التي يخوضها وتمكن الأسبان بصعوبة من إحتلال مدينة أجدير عاصمة الخطابي ثم تمكَنت القوات الأسبانية والفرنسية من الإستيلاء على حصن ترجست الذي إتخذه الخطابي مقرا له بعد سقوط أجدير عاصمته في يوم 11 من شهر ذي القعدة عام 1344 هجرية الموافق يوم 23 من شهر مايو عام 1926م وبذلك تم تشديد الخناق علي الخطابي ورجاله كما إنهالت القذائف المدفعية علي الأهالي من الجيشين الفرنسي والأسباني مما إضطره إلى تسليم نفسه في نهاية المطاف إلى سلطات المستعمر الفرنسي كأسير حرب بعد أن إقتحم بجواده إحدى الثكنات العسكرية الفرنسية وذلك بعد أن شعر بعدم جدوى المقاومة وأن القبائل قد أُنهكت ولم تَعد قادرة علي مواصلة القتال ومما يذكر أنه قد إستخدمت في هذه المعركة أسلحة كيماوية محرمة دوليا كغاز الخردل السام الذي أُلقته طائرات الجيش الأسباني وذلك بشهادة العديد من العسكريين الأسبان الذين شهدوا حرب الريف كان من أبرزهم بيدرو توندرا بوينو في سيرته الذاتية أنا والحياة التي نشرت عام 1974م ولا زالت آثار هذا الغاز السام المميتة تعاني منها المنطقة حتي وقتنا الحاضر .
وبإستسلام محمد عبد الكريم الخطابي قرر الفرنسيون نفيه إلى جزيرة لارينيون وهي جزيرة فرنسية تقع في المحيط الهندى شرقي مدغشقر وظل بها منفيا هو وأسرته حوالي 20 عاما حينما تقرر نقله إلي فرنسا أوائل عام 1947م وأثناء توقف السفينة التي يستقلها في ميناء بور سعيد بعد عبورها قناة السويس تمكن بعض شباب المغرب المقيمين في مصر من زيارته على متن السفينة ورجوه أن يتقدم بطلب اللجوء السياسي إلى مصر ليواصل مسيرة الجهاد من أجل تحرير المغرب فوافق على هذا الرأي شريطة أن توافق الحكومة المصرية على طلبه وبالفعل تقدم بهذا الطلب إلي الملك فاروق ملك مصر حينذاك والذى وافق علي طلبه علي الرغم من إحتجاج السفير الفرنسي في القاهرة علي ذلك ولجأ معه لمصر شقيقه وعمه الأمير عبد السلام الخطابى وزوجاتهم وأولادهم وفي مصر بدأ الخطابي عهدا جديدا من النضال الوطني من أجل تحرير بلاده وأسس مع أبناء المغرب العربي لجنة أطلقوا عليها لجنة تحرير المغرب العربي تولى هو رئاستها في يوم 25 من شهر المحرم عام 1367 هجرية الموافق يوم 6 من شهر يناير عام 1948م وظل محمد عبد الكريم الخطابي مقيما في القاهرة يتابع نشاط المجاهدين من أبناء المغرب العربي المقيمين في القاهرة ويمدهم بنصائحه وإرشاداته وتوجيهاته وبعد كفاح مرير ومجهودات جبارة ومفاوضات شاقة متواصلة مع سلطات الحماية الفرنسية من أجل إسترجاع إستقلال البلاد إضافة إلى بناء الدولة المغربية وتنظيمها تم توقيع وثيقة إستقلال المغرب عن فرنسا في يوم 2 مارس عام 1956م وبعد إسترجاع المغرب لمنطقة الحماية الفرنسية تم توجيه المجهودات والمفاوضات نحو إستكمال الوحدة الترابية بإعادة الجيوب المتبقية تحت الإحتلال الأسباني إلى المغرب وفي هذا الإطار تم فتح مفاوضات مع أسبانيا إنتهت بتوقيع معاهدة مدريد التي وضعت حدا للحماية الأسبانية في المنطقة الشمالية يوم 7 أبريل عام 1956م وبإستعادة هذه المنطقة من أرض المغرب ازيلت الحدود الوهمية التي وضعتها كل من فرنسا وأسبانيا بين المناطق التابعة لكل منهما بالمغرب طيلة 43 سنة وفي يوم غرة شهر رمضان عام 1382 هجرية الموافق يوم 6 من شهر فبراير عام 1963م لقي محمد عبد الكريم الخطابي ربه وتم دفنه في مقابر الشهداء في مصر ونختم مقالنا عنه بقوله إذا تناهى إلى أسماعكم أن الإستعمار أسرني أو قتلني أو بعثر جسمي كما يبعثر تراب هذه الأرض فإعلموا أنني حي وسأعود من جهة الشرق كما تروي إبنته السيدة عائشة الخطابي كلمة عظيمة قالها والدها رحمه الله قبل تحقيق النصر في معركة أنوال الخالدة نصها أنا لا أريد أن أكون أميرا ولا حاكما وإنما أُريد أن أكون حرا في بلدي ولا أطيق أَن تسلب حريتي أو كرامتي وبعد أن تحقق له الإنتصار في هذه المعركة قال في إجتماع مع رجال الريف الذين توافدوا عليه بأعداد غفيرة يريدون إعلانه سلطانا علي البلاد لا أُريدها سلطنة ولا إمارة ولا جمهورية ولا محمية وإنما أريدها عدالة إجتماعية ونظاما عادلا يستمد روحه من تراثنا . |