بقلم المهندس/ طارق بدراوى
أمين الحسيني أو الحاج محمد أمين الحسيني كان المفتي العام للقدس ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى ورئيس اللجنة العربية العليا وأحد أبرز الشخصيات الفلسطينية في القرن العشرين الماضي وقد ولد في مدينة القدس عام 1895م لعائلة ميسورة الحال كان من أفرادها ثلاثة عشر شخصا تولوا مناصب إدارية وسياسية في مدينة القدس وتلقى علوم القرآن والحديث والفقه واللغة العربية والعلوم الدينية في فترة مبكرة من عمره وأدخله والده مدرسة الفرير لمدة عامين لتعلم اللغة الفرنسية وقام بتأدية فريضة الحج في عام 1913م وهو في سن الثامنة عشر من عمره مع والدته ولذلك أطلق عليه لقب الحاج الذى لازمه طوال حياته ثم وفد إلى القاهرة ليستكمل دراسته في جامعة الأزهر كما إلتحق بكلية الآداب في الجامعة المصرية وكذلك إلتحق بمدرسة الإمام محمد رشيد رضا المعروفة بإسم دار الدعوة والإرشاد ولما نشبت الحرب العالمية الأولى عام 1914م لم يستطع العودة إلي القاهرة لإستكمال دراسته فذهب إلى إسطنبول ليلتحق بالكلية العسكرية هناك وتخرج منها برتبة ضابط صف في الجيش العثماني ولكنه ترك الخدمة به بعد ثلاثة أشهر فقط من تخرجه لإعتلال صحته وعاد إلى القدس في عام 1915م وأسس وترأس النادي العربي وهو أول منظمة سياسية عرفتها فلسطين والتي إنطلقت منها الحركة الوطنية الفلسطينية ثم عمل معلما بمدرسة روضة المعارف الوطنية وفي عام 1917م ما لبثت القوات العربية والبريطانية أن سيطرت على القدس فإلتحق بقوات الثورة العربية الكبرى وجند لها المتطوعين وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى في عام 1918م شارك في عقد المؤتمر العربي الفلسطيني الأول وشارك أيضا في المظاهرات الفلسطينية ضد الاحتلال البريطاني في عام 1920م وإتهمته السلطات البريطانية بأنه وراء هذه المظاهرات وقامت بإعتقاله إلا أن شباب القدس هاجموا القافلة البريطانية المشرفة على ترحيله للسجن وتمكن من الفرار إلي سوريا وحكم عليه غيابيًا بالسجن 15 سنة وتحت ضغط الغضب الفلسطيني تم العفو عنه وبعد عودته بأشهر إلي القدس يتَوفَّى كامل الحسيني شقيقه الأكبر مفتي القدس ويرشحه رجال فلسطين لخلافة شقيقه وهو إبن خمسة وعشرين عاما ويفوز الشاب الصغير بالمنصب في عام 1921م ويتولي منصب المفتى العام للقدس وتكون باكورة أعماله بعد توليه منصبه قيامه بإنشاء المجلس الإسلامي الأعلى للشئون الإسلامية والأوقاف والمحاكم الشرعية بالقدس ويتم إختياره رئيسا له كما أشرف على إعادة تنظيم المحاكم الشرعية في سائر قطاعات فلسطين وكان عددها 18 محكمة شرعية .
ولم يكتف الحاج أمين الحسيني بذلك بل طالب بتشكيل هيئة إسلامية تتولي الإشراف على كافة الشئون الإسلامية في فلسطين وينجح في حمل السلطة البريطانية على الموافقة علي طلبه وفاز في إنتخابات رئاسة هذه الهيئة ومن خلال هذه الهيئة عمل علي تنظيم الشعب الفلسطيني حيث قام بتنظيم الجمعيات الكشفية وفرق الجوالة وإعدادها إعدادا جهاديا وقام بالإتصال بكافة المخلصين والمناضلين في العالمين العربي والإسلامي من أمثال المجاهدين الكبيرين عز الدين القسام وعبد القادر الحسيني والذى إستشهد أولهما بقرية الشيخ زيد بالريف الفلسطيني بعدما قاد الكفاح والنضال ضد الإنجليز مابين عام 1920م وإستشهاده في يوم 20 نوفمبر عام 1935م ففي هذا اليوم لحقت القوات البريطانية به وبرفاقه وطوقتهم وقطعت الإتصال بينهم وبين القرى المجاورة وطالبتهم بالإستسلام لكنه رفض وإشتبك مع تلك القوات وقتل منها خمسة عشر جنديا ودارت معركة غير متكافئة بين الطرفين لمدة ست ساعات والتي إنتهت بمقتل القسام وثلاثة من رفاقه وجرح وأُسر آخرون وكان لمقتله الأثر الأكبر في إندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936م والتي كانت نقطة تحول كبيرة في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية بعد ذلك وأما ثانيهما فقد قاد أيضا العديد من العمليات الفدائية ضد الإنجليز والعصابات الصهيونية في فلسطين في الفترة من عام 1935م وحتي إستشهاده يوم 8 أبريل عام 1948م في قرية القسطل القريبة من القدس بعد أن قاد معركة ضد العصابات الصهيونية لمدة ثمانية أيام وبالإضافة إلي ذلك تمكن المفتي من إستعادة الإشراف على الأوقاف الإسلامية بفلسطين بعد أن كانت في يد النائب العام وهو اليهودي الإنجليزي بنتويش وعلاوة علي ذلك قام بتأسيس وتقوية المدارس الإسلامية في كل أنحاء فلسطين وفي عام 1924م قام بتأسيس الكلية الإسلامية ودار الأيتام الإسلامية بالقدس وفي عام 1929م ترأس لجنة إعادة إعمار وترميم المسجد الأقصى وقبة الصخرة وفي عام 1931م تولي رئاسة مؤتمر العالم الإسلامي من أجل القضية الفلسطينية والذى تم عقده بالقدس وتكرر عقده برئاسته في مكة المكرمة والعاصمة العراقية بغداد وبمدينة كراتشي العاصمة القديمة لباكستان وفي هذه المرحلة من مراحل الجهاد والكفاح ضد الإحتلال البريطاني في فلسطين والوجود الصهيوني بها توجهت الدعاية المعارضة لأمين الحسيني لتظهره وكأنه الرجل المسالم للإنجليز وفي لقاء بينه وبين بعض قادة العمل الوطني كان على رأسهم عبد القادر الحسيني دار الحديث عن موقفه من مقاومة الإنجليز فرد الرجل قائلا ما رأيكم في أن تقاوموا أنتم الإنجليز وتتركوني لمقاومة اليهود وهنا أحس القوم أن الرجل له علم ونظرة أعمق من مجرد دفع عدو ظاهر وأن الأمر أخطر من مجرد السيطرة الإنجليزية وأن هذه السيطرة ستار لمؤامرة إستيطانية وكان ذلك سببا رئيسيا في أن تتوحد الجهود ويكون المجاهد الكبير عبد القادر الحسيني قائدا للأعمال العسكرية والمفتي الحاج أمين الحسيني هو الواجهة السياسية والمنسق العام من خلال منصبه وإتصالاته للجهود العسكرية وتوفير التمويل المالي والدعم المعنوى اللازم لكافة الجهود لنصرة القضية الفلسطينية .
وكان التحرك الأول لهذه الثورة عام 1929م ثم في عام 1933م ثم كانت الثورة الكبرى مابين عام 1936م وعام 1939م ومنذ البداية تولى أمين الحسيني مسؤولية اللجنة العربية العليا لفلسطين وهي لجنة سرية لتنسيق الجهود على مستوى الدول العربية لنصرة القضية الفلسطينية وهي قضية الوجود الصهيوني في فلسطين وكان أمين الحسيني يدرك تماما أن الأقوال لا قيمة لها مالم تقرن بالعمل وأن الخطب والبيانات لا تحرر أرضا دون جهاد أو نضال فقام بإستنهاض همة شعبه للجهاد وأوقد في أفئدته جذوة الكفاح وشعلة المقاومة فشكل جماعات مسلحة ضد المحتلين الغاصبين بداية من عام 1350 هجرية الموافق عام 1931م وظلت تقوم بعملها المسلح حتى قامت منظمة الجهاد المقدس عام 1354 هجرية الموافق عام 1935م بقيادة عبدالقادر الحسيني وإشراف المفتي كما أنه كان قد تنبه إلى خطورة تحركها ومكرها الخفي في التسلل والإستيلاء على الأراضي الفلسطينية وحين رأى بعض الغافلين يبيعون أراضيهم لليهود هاله ذلك وأخذ يقاوم هذه العملية الخبيثة وإستصدر فتوى من مؤتمر علماء فلسطين الأول الذى عقد في عام 1935م تحرم ذلك ووقف بكل حزم أمام محاولات اليهود للإستيلاء على ما أطلقوا عليه حائط المبكي بالقدس فحاولوا إغراءه بمبالغ طائلة ليتغاضى عن ذلك ولكن باءت محاولتهم بالفشل كما قام أيضا بمقاومة عملية هجرة اليهود إلى فلسطين وإمتلاكهم الأراضي التي كان الإحتلال البريطاني يمنحها لهم وشارك في الإضراب العام الذي تم في عام 1936م ودعا إلى إستمراره حتى يستجيب الإحتلال لمطالبهم المشروعة التي تتمثل في منع الهجرة اليهودية إلى فلسطين وأصدر بيانا دعا فيه أهل فلسطين إلى الإمتناع عن دفع الضرائب إلى الحكومة مالم تستجب لهذه المطالب الوطنية مما أدى إلي قيام ما تم إطلاق ثورة فلسطين أو الثورة العربية الكبرى عليه .
وقد بدأت هذه الثورة بقيام إنتفاضة وطنية قام بها الفلسطينيون في بلادهم التي كانت تحت الإنتداب البريطاني ضد الإدارة البريطانية والمطالبة بالإستقلال وإنهاء سياسة الهجرة اليهودية المفتوحة وشراء الأراضي والهدف المعلن المتمثل في إنشاء بيت وطني يهودي وبلا شك كان من أسباب هذه الإنتفاضة مقتل الشيخ عز الدين القسام في شهر نوفمبر عام 1935م وكذلك إعلان الحاج أمين الحسيني في يوم 16 مايو عام 1936م بإعتباره يوم فلسطين ودعوته إلى إضراب عام وبالفعل بدأ هذا الإضراب العام بداية من شهر مايو عام 1936م وإستمر حتي شهر أكتوبر عام 1936م ثم تحول إلي اندلاع الثورة العنيفة والتي تكونت من مرحلتين متميزتين كانت المرحلة الأولى منهما موجهة في المقام الأول من قبل اللجنة العربية العليا الحضرية والنخبوية وكانت تركز بشكل رئيسي على الإضرابات وغيرها من أشكال الإحتجاج السياسي وبحلول شهر أكتوبر عام 1936م إستطاعت الإدارة المدنية البريطانية السيطرة علي هذا الإضراب وإنهاء هذه المرحلة وتم توقف الإضراب لمدة حوالي سنة وذلك من شهر أكتوبر عام 1936م وحتي شهر سبتمبر عام 1937م ودخلت فلسطين بذلك في شبه هدنة مؤقتة في إنتظار نتائج توصيات اللجنة الملـكية التي سميت لجنة بيل والتي أرسلتها بريطانيا للتحقيق في مطالب أهل فلسطين وقد حافظ الثوار الفلسطينيون خلال هذه الفترة على درجة من الإستعداد يسهل معها إنتقال البلاد إلى الوضع الثوري السابق، في حالة عدم تحقيق المطالب العربية ولذلك فقد إستمرت عمليات المجاهدين ذات الطابع الفردي كالنسف والقنص والإغتيالات السياسية وقد إعترفت الحكومة البريطانية بمقتل 97 شخصا بينهم 9 جنود بريطانيين وجرح 149 بينهم 13 من الشرطة والجيش خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 1937م وقد أوصت اللجنة الملكية في خلاصة تقريرها الذي رفعته إلى الحكومة البريطانية في يوم 22 يونيو عام 1937م ونشرته الحكومة في يوم 7 يوليو عام 1937م بتقسيم فلسطين إلى دولتين واحدة عربية وأخرى يهودية على أن تبقى الأماكن المقدسة وممر إلى يافا تحت الإنتداب البريطاني وكانت النتيجة أن إجتاحت البلاد موجة من السخط أدت إلى تفجر المرحلة الثانية من الثورة والتي بدأت في أواخر عام 1937م وكانت حركة مقاومة عنيفة بقيادة الفلاحين أثارها تقرير اللجنة المشار إليها والقمع البريطاني العنيف للفلسطينيين في عام 1936م وتم خلال هذه المرحلة إستهداف القوات البريطانية بشكل متزايد وشملت هذه المرحلة مهاجمة المستعمرات البريطانية واليهودية و مراكز الشرطة الإنجليزية والمطارات الإنجليزية وحافلات المهاجرين اليهود وتدمير لبعض خطوط السكك الحديدية والجسور والإشتباك مع الجنود وأفراد الشرطة الإنجليز وأفراد العصابات الصهيونية ووقوع معارك طاحنة أسفرت عن خسائر من الجانبين وذلك إلي جانب مقاطعة لجان التحقيق البريطانية وإسترجاع مناطق كاملة من أيدي الإنجليز وخلال هذه المرحلة قمع الجيش البريطاني وقوة شرطة فلسطين حركة التمرد بوحشية بإستخدام تدابير قمعية كان الغرض منها تخويف السكان العرب وتقويض الدعم الشعبي للثورة وخلال هذه المرحلة قامت أسرة النشاشيبي بدور كان له تأثير سلبي شديد علي الموقف الفلسطيني حيث إنسحب حزبها بسرعة من اللجنة العليا العربية والتي وقفت إلى جانب البريطانيين ضد وحدات الفصائل العربية القومية والجهادية مما أدى في النهاية إلي فشل الثورة العربية في فلسطين وللأسف فقد أثرت عواقب هذا الفشل سلبيا على نتيجة حرب فلسطين عام 1948م بعد ذلك وتسببت في قيام سلطات الإنتداب البريطاني بتقديم دعم حاسم للميليشيات الصهيونية السابقة لقيام دولة إسرائيل مثل الهاجاناه والآرجونزفاى .
وكان من أسوأ نتائج فشل هذه الثورة أن تعقبت بريطانيا المفتي أمين الحسيني في كل مكان مما دفعه إلي أن يلجأ إلي المسجد الأقصى المبارك لكي يدير الثورة من داخله مما دفع السلطات الإنجليزية في عام 1937م إلي إصدار قرار قام بتوقيعه المندوب السامي البريطاني في فلسطين بإقالته من جميع مناصبه والقبض عليه ولكنه إستطاع أن يفر إلى دولة لبنان حيث إعتقلته هناك السلطات الفرنسية وترفض فرنسا التي كانت تحتل لبنان في ذلك الوقت تسليمه للسلطة البريطانية كما أنه سمحت له بالعمل في الفترة من عام 1937م حتي قيام الحرب العالمية الثانية التي إندلعت في الأول من شهر سبتمبر عام 1939م قررت السلطات الفرنسية القبض علي المفتي وفي أثناء نقله إلي السجن تمكن من الهروب وإنتقل إلي العراق وهناك شجع الضباط العراقيين على الثورة ضد الإنجليز وقامت بالفعل ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق عام 1941م ويناصر المفتي الثورة وتشترك معه مجموعات فلسطينية كان على رأسها المجاهد عبد القادر الحسيني الذي شارك في مقاومة الإحتلال الإنجليزي في العراق أيضا ومع بشائر الفشل للثورة ينتقل إلى العاصمة الإيرانية طهران ثم تنقل سرا بين عدة عواصم أوروبية حتى إنتهى به الأمر إلى العاصمة الألمانية برلين وفي هذه المرحلة إلتقى مع قادة دول المحور سواء في إيطاليا أو في المانيا ولم يكن الأمر غريبا أو مفاجئا حيث كان المفتي قد أجرى إتصالات سابقة مع القيادة الألمانية في بداية الحرب وهذا كان أمرا طبيعيا في هذا التوقيت فالدول العربية كلها تقريبا لم يكن بينها وبين المانيا عداوة أو خصومة وكانت المانيا في ذلك الوقت قد صارت العدو القوي المواجه لكل من إنجلترا وفرنسا وهما الدولتان الإستعماريتان اللتان كانتا تحتلان أغلب الدول العربية في ذلك الوقت ومكث المفتي في برلين قرابة 4 سنوات وكانت رسالة المفتي للقيادة الألمانية السابقة على وصوله إلي برلين تتضمن عددا من المطالب أهمها الإعتراف الرسمي من جانب دول المحور بالإستقلال التام لكل من مصر والسعودية والعراق واليمن مع إعادة عدن وبقية الأجزاء المنفصلة عن اليمن والتي يستعمرها الإنجليز إليه والإعتراف بحق البلدان العربية الخاضعة للإنتداب الفرنسي أو البريطاني وهي سوريا ولبنان وفلسطين والأردن بالإستقلال والإعتراف بحق البلدان الخاضعة للإحتلال البريطاني وهي السودان والبحرين والكويت وعمان وقطر وحضرموت وإمارات الخليج العربي في الإستقلال وذلك علاوة علي الإعلان من قبل دول المحور أنها لا تطمع في مصر والسودان مع الإعتراف بحق العرب في رقض إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وعدم الإعتراف بوعد بلفور الصادر عام 1917م بمنحهم هذا الحق وفي لقاء للمفتي مع الزعيم الألماني أدولف هتلر في عام 1941م رد هتلر قائلا إن هذه المطالب سابقة لأوانها وأنه عند هزيمته لقوات الحلفاء في هذه المناطق يأتي وقت مثل هذا الإعلان ثم كانت المفأجاة عندما عرض المفتي أمين الحسيني في لقائه الثاني مع هتلر تكوين جيش عربي إسلامي من المتطوعين في الشمال الأفريقي وشرق البحر المتوسط لمقاومة الحلفاء فكان رد هتلر إنني لا أخشى الشيوعية الدولية ولا أخشى الإمبريالية الأميريكية البريطانية الصهيونية ولكني أخشى أكثر من ذلك كله هذا الإسلام السياسي الدولي .
وبناءا علي رد هتلر بدأ المفتي يضع قواعد للإستفادة من الوضع الراهن مابين المحور والحلفاء لكي يستفيد من وجوده في المانيا وإستطاع أن يحصل علي الموافقة علي فتح أبواب الكليات العسكرية الألمانية لتدريب الشباب العربي والفلسطيني بما يعد نواة لجيش الجهاد المقدس في طوره الثاني وأخذ يسعي من أجل إستصدار بيان من قيادة المحور يضمن منح الإستقلال لأكبر عدد من الدول العربية بعد إنتصار المحور على الحلفاء وأيضا سعي في الحصول على أكبر كمية من الأسلحة وتخزينها إستعدادا لمرحلة قادمة وقد قام بالفعل بتخزين السلاح في مصر وليبيا وجزيرة رودس وعلاوة علي ذلك فقد نجح في تاسيس معهد لإعداد الدعاة في المانيا وقام بإقناع القيادة الألمانية في وضع داعية في كل الفرق العسكرية التي بها مسلمون وفي نفس الوقت دفع بعض الشباب المسلم العربي بها على الإشتراك في الجيش للتدريب على كافة الأعمال القتالية ومن جانب آخر نجح في وقف الأعمال الإرهابية ضد مسلمي البوسنة من جانب الصرب ونجح في إقناع القيادة الألمانية بتشكيل جيش بوسني لمنع تكرار هذه المذابح وتم بالفعل تكوين جيش من 100 ألف بوسني والذى تم تسريحه بعد إنتهاء الحرب وهزيمة دول المحور .
ومع تغير الأوضاع وبداية تعرض المحور للهزيمة قرب نهاية الحرب العالمية الثانية إستطاع المفتي الهروب من المانيا في اللحظات الأخيرة قبل سقوط العاصمة برلين في يد الحلفاء وتم القبض عليه في فرنسا وقضى يومين في زنزانة مظلمة ولكنه تقدم للضابط المسؤول عن السجن وعرفه بنفسه ومكانته وطالب أن يعامل بالشكل اللائق وبالفعل تم نقله إلي منزل جنوب العاصمة الفرنسية باريس وعندما أعلن عن وجوده في فرنسا بدأت المطاردة له من السلطات البريطانية والأميريكية والصهيونية داخل فرنسا ورفضت فرنسا أن تسلمه لآى جهة من تلك الجهات بسبب تعارض مصالحها مع المصالح البريطانية والأميريكية وحرصا على عدم إستثارة المشاعر الإسلامية وتدخل ملك المغرب ورئيس تونس أثناء وجودهما في باريس وطالَبَا بإصطحاب المفتي معهما وتدخلت أيضا الجامعة العربية والرئيس الباكستاني محمد علي جناح من أجل ضمان سلامة المفتي ورفضت فرنسا وبدأت المقايضة الأميريكية مع مشروعات إعادة إعمار فرنسا بتمويل أميريكي وقبل أن تقرر فرنسا تسليمه لأمريكا إستطاع أن يهرب المفتي من فرنسا عن طريق إستخدام جواز سفر لأحد أنصاره في أوروبا وهو الدكتور معروف الدواليبي بعد إستبدال الصورة ونجح المفتي في الوصول إلى القاهرة عام 1947م وظل متخفيا بها عدة أسابيع حتى إستطاع أن يحصل على ضيافة رسمية من القصر الملكي تحميه من المطاردة الدولية لشخصه .
ومن القاهرة بدأ الحاج أمين الحسيني في تنظيم صفوف المجاهدين خاصة وأن القضية الفلسطينية قد بدأت تدخل في مرحلة حرجة بإعلان الأمم المتحدة مشروع تقسيم فلسطين ثم إعلان قيام دولة إسرائيل علي الأراضي الفلسطينية يوم 15 مايو عام 1948م وترأس المفتي الهيئة العربية العليا لفلسطين وبدأت حرب فلسطين في شهر يونيو عام 1948م ومعها بدأت المؤامرات والخيانات وقامت بعض الدول العربية بمنع المجاهدين من الإستمرار في مقاومة العصابات الصهيونية وذلك بحجة أن جيوشهم سوف تقوم بهذه المهمة وللسف إنتهت الحرب بهزيمة جيوش الدول العربية وضياع معظم أرض فلسطين سوى الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة وتم إجبار المفتي من خلال موقعه كرئيس للهيئة العربية العليا على أن يصدر أمرا للمجاهدين الفلسطينيين بوضع السلاح وما ان تخلص المفتي من بعض القيود والضغوط التي مورست عليه حتى سارع بعقد المؤتمر الفلسطيني في القدس ليعلن إستقلال فلسطين وقيام حكومتها ولتقوم الحكومة المصرية القائمة في ذلك الوقت بإعتقاله هو وحكومة عموم فلسطين وتحدد إقامتهم في القاهرة ومع قيام ثورة يوليو عام 1952م يبدأ المفتي في تنظيم الأعمال الفدائية من جديد على كافة الجبهات وتستمر العمليات حتى عام 1957م وفي نفس الوقت ينشط في الجانب السياسي على مستوى الدول العربية والإسلامية وبعض من الدول الآسيوية وذلك لتأييد الحق الفلسطيني في وطنه ودعم الجهاد المسلح في مواجهة العدو الإسرائيلي ويمثل فلسطين في تأسيس حركة عدم الإنحياز عام 1955م في مؤتمر باندونج ولكن تدريجيا يتم تقييد حركته السياسية ويتوقف العمل الفدائي من عام 1957م على معظم الجبهات وتظهر خطة للتسوية مابين الجانبين العربي والإسرائيلي مع حلول عام 1959م والمعروفة باسم خطة همر شولد الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك وهي الخطة التي وافقت عليها دولة المواجهة العربية وهي مصر وسوريا والأردن وفي هذا التوقيت هاجر إلى سوريا ومنها إلى العاصمة اللبنانية بيروت عام 1961م والتي نقل إليها مقر الهيئة العربية العليا وفي نفس الوقت تفشل خطة همر شولد وفي هذه الآونة تظهر خطة عربية جديدة لإنشاء كيان بديل للهيئة العربية العليا ويتم صدور قرار من جامعة الدول العربية بإنشاء كيان فلسطيني جديد في عام 1963م بإسم منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964م ويعين أحمد الشقيرى رئيسا لها ويخلفه بعد ذلك الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وبعد نكسة عام 1967م يبدأ الحسيني من جديد نشاطه من أجل القضية موضحا موقفه الثابت وهو أن القضية لن يتم حلها إلا بالجهاد المسلح ويستمر الرجل في نضاله وهو مقيم في بيروت حيث مكث فيها حتى وفاته في عام 1974م ويتم تشييع جنازته رسميا ويحضرها الزعيم ياسر عرفات ويتم دفنه في مقبرة الشهداء ببيروت . |