بقلم/ اسلام نبيل عبد السميع
رئيس مكتب هيئة تنشيط السياحة بشرم الشيخ
من الأماكن القليلة التى تحدث عنها القرآن الكريم وكانت موجودة قبل نزوله واستمرت بعده حتى الان ( مصر)، ليس مصر فقط ، بل هناك جزء خاص منها يحتل مكانة خاصة فى الدين الالهى. وتلك الأهمية الخاصة كانت قبل نزول القرآن الكريم ، وصاحبت نزول القرآن الكريم ، وستستمر بعده الى يوم الدين، هذه المنطقة هى سيناء.
سيناء ذلك الجزء الآسيوي من مصر شهد انتقال بعض الأنبياء من فلسطين إلى مصر ، تذكر التوراة مسيرة إبراهيم خليل الله من الشام إلى مصر عبر سيناء ، ويذكر القرآن الكريم رحلة يوسف وهو طفل اشترته قافلة وسارت به إلى مصر ، كما يذكر استقبال يوسف لأبيه يعقوب عند الحدود الشرقية – أي سيناء – وقوله لأبويه وأهله : ( وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ.)( يوسف – 99) .
ولكن ما ذكرته التوراة والمصادر المسيحية عن سيناء مع أهميته يضاف إليه الأهمية الكبيرة لمكانة سيناء في القرآن الكريم .. وتتجلى هذه الأهمية في قصة موسى عليه السلام وانعكاساتها على نزول القرآن الكريم مرة واحدة على قلب خاتم المرسلين فى جبل الطور حيث كان المسجد الأقصى .
أهمية سيناء فى دين الله جل وعلا :
نلمح هذه الأهمية في قوله تعالى : ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ) فالله تعالى يقسم فى بداية السورة بالتين والزيتون وهما من منتجات سيناء ، ثم يقسم بجبل الطور وبنسبه إلى سيناء " وطور سينين " ثم يقسم بمكة البلد الأمين .. والمعنى أن سيناء جاءت في الترتيب قبل مكة في موضوع يقسم به رب العزة على خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وما يحدث له بعدها حين يتحول الى أسفل سافلين ،إلا من إعتصم بالوحى الالهى الذى نزل فى طور سيناء وفى مكة .
وأهمية سيناء تتلخص في مكان واحد هو جبل الطور .. ولذلك انتسبت سيناء . أو ( سينين ) إلى الطور " وطور سيناء " .، وهى أهمية عالمية ترتبط بالانسان نفسه ، لذا جرى الربط بين خلق الانسان فى أحسن تقويم ثم سقوطه فى الأسفل إلا من آمن وعمل صالحا ،والعبرة بالفلاح هى فى إتباع الوحى الالهى الذى بقى منه لنا ما جاء فى التوراة و ما جاء فى القرآن الكريم . وتأكد هذا الربط بالقسم الالهى بسيناء وما تنتجه وبالبلد الأمين مكة المكرمة المشار اليه فى قوله جل وعلا : (وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ) .
ولم تات كلمة ( الطور ) فى القرآن الكريم إلا فى الحديث عن طور سيناء ، وقد تكررت الكلمة فى القرآن الكريم عشر مرات ، دار الحديث خلالها عن الوحى الأول لموسى ، وفى أخذ العهد على بنى اسرائيل ورفع جبل الطور فوقهم ، ثم أهمية جبل الطور فى سيناء وشجرة الزيتون المباركة فيه ، مع الربط بين جبل الطور و ( المسجد الأقصى ) و البيت المعمور أو المسجد الحرام .
3 ـ ووصف الله جل وعلا أو سمّى جبل الطور : طوى، ويأتى هذا الوصف ملحقا بوصف آخر للجبل ، هو الوادى المقدس (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) (طه 12 ) (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) ( النارزعات 15 : 16)
ـ والعجيب أن كلمة ( جبل ) جاءت فى القرآن الكريم فى ستة مواضع ، ثلاثة منها جاءت نكرة ، وثلاثة جاءت فيها معرفة تدل على جبل الطور فقط .
جاء نكرة فى قصة ابراهيم حين طلب من ربه جل وعلا أن يريه كيف يحيى الموتى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا) ( البقرة ـ 260 ) وفى قصة نوح وغرق قومه المشركين وقول ابنه (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء ) ( هود 43 ) وفى سياق الوعظ بالقرآن الكريم (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) ( الحشر 21 ) . وكلمة الجبل هنا نكرة تدل على أى جبل .
ولكن الله جل وعلا حين يتكلم عن جبل الطور فإنه يجعل معرفا بالأف واللام ،اى( الجبل المعروف المشهور ) ، وقد ورد هذا فى ثلاث مرات فى سورة الأعراف (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ )( وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (الأعراف 143 ،171 ).
أى من بين جبال الكرة الأرضية ينفرد من بينها جبل واحد مبارك مشهور معروف شهد الوحى الالهى لموسى ، وشهد نزول الرسالة الالهية والأخيرة للبشرية قبيل قيام الساعة...هذا الجبل فى مصر ..
بل يأتى التحديد بموضع معين فى الجبل ، وذلك فى معرض التذكير بالجبل واللقاء الذى حدث عنده بترتيب رب العزة فيقول تعالى لبنى إسرائيل : "( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ )(طه 80 ). وجانب الطور الأيمن هو نفسه الذي قال فيه تعالى عن موسى : (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ) (مريم 52) .. أى فى ذلك الجانب الأيمن من جبل الطور.
أصل اسم سيناء من أقدم المصادر
الوضع الجغرافي لسيناء كان له تأثيره علي التوزيع السكاني، بل من الملاحظ أنه كان له أيضا تأثير علي الاسم الذي أخذته سيناء. فهناك خلاف بين المؤرخين حول أصل كلمة "سيناء "، فقد ذكر البعض أن معناها " الحجر " وقد أطلقت علي سيناء لكثرة جبالها، بينما ذكر البعض الآخر أن اسمها في الهيروغليفية القديمة " توشريت " أي أرض الجدب والعراء، وعرفت في التوراة باسم "حوريب"، أي الخراب.
لكن المتفق عليه أن اسم سيناء، الذي أطلق علي الجزء الجنوبي من سيناء، مشتق من اسم الإله "سين " إله القمر في بابل القديمة حيث انتشرت عبادته في غرب آسيا وكان من بينها فلسطين، ثم وافقوا بينه وبين الإله " تحوت " إله القمر المصري الذي كان له شأن عظيم في سيناء وكانت عبادته منتشرة فيها. ومن خلال النقوش الفرعونية في سرابيت الخادم و وادي المغارة يتضح لنا أنه لم يكن هناك اسم خاص لسيناء، ولكن يشار إليها أحياناً بكلمة " بياوو" أي المناجم أو " بيا " فقط أي " المنجم "، وفي المصادر المصرية الآخري من عصر الدولة الحديثة يشار إلي سيناء باسم " خاست مفكات " وأحياناً "دومفكات" أي "مدرجات الفيروز".
أما كلمة الطور التي كانت تطلق علي سيناء في المصادر العربية، فهي كلمة آرامية تعني "الجبل"، وهذا يعني أن طور سيناء تعني " جبل القمر "، وكان قدماء المصريين يطلقون علي أرض الطور اسم " ريثو " بينما يطلقون علي البدو في تلك المنطقة بصفة عامة اسم "عامو". |