بقلم الدكتور/ نبيل حنظل
ضاع اثر من الاثار الاسلاميه النادره– وحذف من قائمه المقاصد السياحيه الاسلاميه التى كان يقصدها الزائرون فى الفيوم والتى تضم خمسه مقاصد هى مسجد الروبى ومسجد قايتباى والمسجد المعلق وقنطره اللاهون اما المقصد الخامس – فقد ضاع فى هدوء.. ومحيت اثاره- ولم يدافع عنه احد او يحميه..واقصد هنا (وكالة المغاربة ) او ما يعرف ''بالقصبه – والقنطرة'' التى كانت متخصصه فى توفير احتياجات القبائل المغربيه التى مرت او استوطنت الفيوم عبر العصور الاسلاميه بدءا من العصر الفاطمى وحتى القرن الماضى كما رحبت بالقبائل التى نزحت الى الفيوم ابان الاحتلال الايطالى لليبيا وفى فترة مقاومه شيخ المقاومين ( عمر المختار) للاحتلال.
تطل الوكاله على بحر يوسف عند كوبرى الشيخ سالم وتنخرط فى موقع اثرى اسلامى كانت طراز منازله ومشربياته وزخارفه متسقه متناغمه مع مجموعه المساجد الهامه والاثريه التى تحيط بالموقع كمسجد العسيلى االذى تعلم فى كتابه ( يوسف وهبى ) والمسجد الواقدى صاحب كتاب المصباح المنير ومسجد النافع - وبالقرب منها مسجد الصوفى الذى سمى الحى باسمه ، ومساجد الفيوم الاثريه الثلاث ..( مسجد الروبى) الذى بناه السلطان برقوق هديه لشيخه الذى يمتد نسبه الى العباس رضى الله عنه و( مسجد قايتباى) الذى بنته خوند اصلباى زوجه السلطان قايتباى وبنت امامها قنطره عرفت باسم ( باب الوداع )لانها توصل الى المقابر،والمسجد المعلق الذى بناه حاكم البهنسا والفيوم – ومجموعه كبيره من الاضرحه والمعالم الاسلاميه ولكل منها حكاياتها الشيقه التى لا يعرف عنها الجيل الحاضر الا قليلا.
تخصصت الوكاله لمئات السنين فى توفير كل ما يتطلبه عرب الفيوم وبدوها من احتياجات يوميه ،وكل ما تحتاجه عرائس البدو والفلاحين لتجهير بيت العروس, وكان الاعراب يقصدون الوكاله لشراء احتياجاتهم وبيع ما يجلبونه من بلدانهم من ناحيه .. ومن ناحيه اخرى كان فريق من التجار يحملون بضاعتهم على ظهور خيولهم قاصدين مضارب الاعراب على اطراف حدود الفيوم الملاصقه للصحراء الموصله الى ليبيا ، ونشأت بينهما معاملات وصلات علاقات ونسب.
اما ايام ازدحام الوكاله فكان يومى الثلاثاء حيث سوق الفيوم الرئيسى الكبير, ويوم الجمعه – اما باقى ايام الاسبوع فكانت تعج بافواج السائحين الذين كانوا مغرمين بمنتجات الصناعات اليدويه وكانت عدساتهم تلتقط تفاصيل جميله من كل ارجاء الوكاله التى كانت تحمل عبق التاريخ وتعكس امكانيات المكان وشخصيه وانتاج السكان ،وكما كتب لى صديقى خالد عربى .. ان الوكاله كان لها رائحه مميزه يفوح منها رائحة زهور الفيوم وورودها ونعناعها البلدى الذى كان يزرع ويقطر في منشاه عبد الله ، كذلك كانت عامره بانواع البضائع و كانت محالها متخصصه تجد فيها مبتغاك عند تاجر شهير تميز فى عصره وتوارث ابناؤه تخصصه بعد ذلك . كانت تعرض ارقى انواع واللبان و البخوروالعطور وماء الورد الذى كان يجهز محليا عند ( الماوردى) اما الجلباب العربى ولوازمه كان عند ( الفخرانى) ، اما الانيه النحاسيه والاباريق والصوانى وحنفيه الماء والطشت والمنقد و السرير النحاس ذى الاعمده ومستلزمات البيت فكانت عند ( طرفايه) و الشال السجاد والكليم والاحرمه الصوف والمنتجات المغربيه عند (حمزه) والمانيفاتوره والحرير الطبيعى الذى كان يصنع في قريه فيديمين عند ( قاضى الهوي وسليم وحسن وحش و الحداد و خشت و حبيشى و مصطفى حسن )ا والعطارة عند (الجوهرى) و( محمود سعد الدين )و (الشوبكى) والجزاره عند (العيسوى و البحيرى و الدفناوى و القللي و ميلم) وعلى الحواف عند مسجد الواقدى كان هناك مصنع ( توفس) للحلويات الشرقيه ، وصناع الخيزران، و محافظ النقود، و الطاقيه الصوف، التى اشتهرت بصناعتها قريه السنباط .ولمنزل العروس كان هناك نجارون متخصصون لصناعه صندوق العروس – وكان بائعوا القطن بميزانهم المميز والمنجدون بادواتهم التقليديه ينتشرون في الشوارع المتفرعه من الوكاله، كانوا فنانين في زخرفه -درابية -العروس - وكان هناك ايضا ولا يزال متخصصون فى صناعه سرج الخيل والبرادع للدواب التى كانت زينه الاغنياء ووسيله للسفر والانتقال.
حكى لى- بحب - صديقى ا.د ديهوم الباسل الاستاذ بكليه العلوم، ذكرياته مع ابيه في رحلاته الاسبوعيه الى الوكاله لشراء سرج الخيل ومتطلبات قبيلته التى تسكن الاطراف الغربيه المحاذيه للصحراء الليبيه بقريه قصر الباسل.
اما عن فكرة ''الوكالات'' فتعود الى العصرين المملوكى والعثماني ولها مسميات منها ''الخان'' و''الفندق'' و''الرباط''، وكانت تتكون من عدة طوابق، الأرضي لتخزين البضائع واصطبلات الدواب والعلوية لسكن التجار، وتقع الحوانيت في صدارتها لبيع السلع.
هكذا كانت وكاله المغاربه بالفيوم ...عرفت باسم "سوق القنطره" لانها تواجه احد قناطر بحر يوسف وسط مدينه الفيوم – ميدان الشيخ سالم حاليا - وسميت ب"السوق المعرش" لان الشارع الذى تطل عليه مسقف - وسميت ب"وكاله المغاربه" لانها تخصصت فى بيع البضائع التى يقبل عليها المغاربه كالاحرمه والسجاد.
لكن ذلك كله اصبح ذكريات - لم يبق من اثر الماضى فيها الا القليل ..وتحولت وكاله المغاربه ببضائعها البدويه واليدويه المتخصصه المميزه الى ما يشبه البوتيكات التى تعرض الملابس والاحذيه والادوات المصنوعه من الالومنيوم والبلاستيك ففقدت بذلك تفردها التي تمتعت به فتره طويله والذى كان يمنحها الميزه النسبيه كسوق متخصص متفرد له طابعه الخاص.
لم يتبقى من وكالة المغاربه اليوم سوى بقايا مدخلها الذى ضاعت معالمه ..كان مبنيا بالحجر الأبيض المطعم بالأحمر وكان يوجد عقد نصف دائري على جانبيه شريط من الخشب يحيط به شريطين من النحاس. وكان على جانبى بوابه الوكالة مكسلتين حجريتين استعمل احدهما احد تجار النعال المغربيه و الاحذيه القديمه معرضا لبضاعته كان اسمه ( همسه) وكان شهيرا يحول الاحذيه القديمه الى جديده يقبل عليها الناس ،اما السقف الخشبى فلا يزال باقيا ولا تزال محال الوكاله التجاريه باقيه - وان اختقت منها البضائع البدويه لتتوافق مع متطلبات مرتادى المنطقه الان, واصبحت المخازن ومرابط الخيل محال تجاريه تعرض الاجهزه الحديثه ..
ودخل العمران الحديث بقوه وعلنا .... !! ليغير معالم الوكاله تماما ،ويضيع معلم من معالم التاريخ الاسلامى دون ان يتصدى له احد او تعترض طريقه اى من الجهات المسؤله بحجه ان هذا المعلم لم يتم تسجيله كاثر.
وهكذا ضاع منا مقصد سياحى نادر ومميز ومتفرد فى تصميمه وبضاعته وزبائنه و كانت تقصده قوافل العربان و البدو للبيع والشراء ويزوره السائحون كمقصد سياحى يتفقدون معالمه ويشترون ما يحلو لهم من معروضاته خاصه تلك التى تزينها الزخارف الاسلاميه ، وكانت تعمل بفضله ورش وتنمو صناعات وتروج بضائع فتنتعش الصناعات المحليه و ينتعش الدخل المحلى ,, وهكذا نواجه كل يوم بضياع معلم ،ودائما لا نعرف قيمته الا بعد ان يضيع!!
|