|
|
عدد : 08-2018 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
الروزنامة باللغة الفارسية تعني دفتر اليومية وجي التركية تدل على النسبة إلى الصناعة فيكون معني الكلمة كاتب اليومية وكان الروزنامجي يترأس ديوان الروزنامة وهو منصب يلي منصب الدفتردار في رئاسة الإدارة المالية للدولة وقد شغل هذا المنصب في عهد محمد علي باشا رجل أرمني الأصل يسمي بوغوص يوسيفيان نال ثقته وهو الذى كان لايثق في أحد بسهولة حتي أنه قال عنه إن بوغوص هو الرجل الوحيد الذي أثق به كل الثقة وأعتمد عليه كل الإعتماد وكان لمحمد علي باشا علاقات مبكرة مع الأرمن فقد إشتغل في صباه قبل مجيئه إلي مصر بتجارة الدخان عند تاجر أرمني يسمى قره قهيا يراميان والذى عامله معاملة أبوية ولذا فإنه عندما تولى حكم مصر في شهر مايو عام 1805م رد الجميل للأرمن الذين كان يثق بهم الباشا ثقة مطلقة علاوة علي أنه كان متسامحا جدا وغير متعصب من الناحية الدينية ولذا فقد كان لا فرق بين موظفيه أو رعاياه بسبب دياناتهم فكان يستعين برجال كثيرين من غير المسلمين ويقربهم منه ويجعلهم من خلصائه في بلاطه وحاشيته ولعل خير دليل على ذلك هو بوغوص بك يوسيفيان الذى نتحدث عنه الأرمني الأصل والذي كان يعد من أهم الموظفين في الإدارة المصرية في عهده حيث كان هو الشخص الوحيد الذي شغل مكانة كبيرة عند الباشا ونال ثقته المطلقة وقد أثبت التاريخ أنه كان جديرا بهذه الثقة حيث خدم الرجل مصر التي إستضافته وعاش ومات فيها بكل جهده وله أياد بيضاء في نهضتها وثروتها حيث كان إداريا عبقريا وسياسيا محنكا وقد إشتهر شهرة واسعة بإتقانه وتميزه وتفوقه الكبير في مهنة أو وظيفة الروزنامجي .
وقد ولد هذا الرجل في إزمير بتركيا عام 1768م وتعلم في منزل خاله أركيل الذي كان يعمل مترجما في القنصلية البريطانية في إزمير على يد العديد من المعلمين فتعلم الكثير من اللغات ثم جاء إلى مصر في عام 1791م وبدأ نشاطه بالتجارة وإستأجر جمرك رشيد لكن تم إستدعاؤه إلى إزمير في عام 1798م لكي يعمل مترجما بالقنصلية البريطانية بها وبعد عامين عاد إلى الإسكندرية ليعمل مترجما لضابط بريطاني يدعى سيدني سميث ولمهارته الفائقة في الترجمة تم تعيينه مترجما لخسرو باشا ثم خورشيد باشا اللذان تقلدا منصب والي مصر من جانب الدولة العثمانية وبعد ذلك ما لبث أن أسند إليه محمد علي باشا بعد توليه حكم مصر وظيفة الترجمان الأول في الإدارة المصرية وقد أدرك الباشا مبكرا قدرات بوغوص التجارية والإدارية والدبلوماسية غير العادية فأراد الإستفادة منه ومن ولائه قدر الإمكان ولم يبعده عمله كمترجم عن التجارة حيث إستطاع تأجير جمرك الإسكندرية من محمد علي باشا لمدة خمس سنوات وكانت هذه هي النقطة الفاصلة في حياته حيث تم بعدها منحه رتبة البكوية من الباشا عام 1818م فكان أول مسيحي يحصل على البكوية في عهد محمد علي باشا ثم قام الباشا بتعيينه ناظرا لديوان التجارة والأمور الإفرنجية في عام 1826م ومن يومها إلتصق الرجل بمحمد علي باشا فكان ترجمانه ووزير خارجيته ووزير تجارته في نفس الوقت وقد كان له نفوذ كبير وكان رأيه هو المرجح دائما وهذا هو مارشحه لكي يتبوأ المنصب المذكور وليكون أول من يشغله وكان مقره بمدينة الإسكندرية وهو المنصب الذي تحول بعد ذلك في عصر الخديوي إسماعيل ليصبح ناظر الخارجية .
ويروي المؤرخون أن محمد على باشا وبرغم طبيعته المتشككة التي كانت تدفعه للتلصص حتى على أولاده ومراقبتهم فقد منح محمد على ثقته المطلقة لبوغوص يوسفيان بك وأطلق يده في التصرفات المالية للدولة دون إستئذان وهو حق لم يحصل عليه أبناء محمد علي أنفسهم بل إنه عهد إليه بمراقبتهم مالياً وقيد حساباتهم في دفاتره وكان بوغوص والذي منحه محمد علي رتبة البشوية بعد ذلك تقديرا لأعماله المستشار الخاص له بل وفيلسوفه وناصحه الأمين وأقرب رجال حاشيته إليه حيث عرف منه معلومات كثيرة عن الأسواق الأوروبية وما يجري فيها والأحداث السياسية العالمية ونظرا لأن بوغوص كان أعزبا وعاش وحيدا بلا زوجة أو ولد ومن ثم لم يهتم بتكوين ثروة فقد كان ليس بحاجة إلى إقتناء وإكتناز المال وتكديسه فقد إنصرف عن متابعة مصالحه الذاتية وصب رعايته الأبوية على مجموعة من أقاربه ليحميهم ويوجههم وقرر أن يقوم بدور مفرخ المواهب من بني جنسه لخدمة مشروعات محمد علي ليمهد الطريق أمام الأرمن للقيام بدور سياسي وإقتصادى وإجتماعي كبير في مصر بالإضافة إلي دورهم العام كتجار كبار ورجال أعمال وأصحاب إمتيازات .
وما لا يعرفه الكثيرون أن نوبار باشا أول من تم تعيينه رئيس النظار أى رئيس الوزراء فى مصر في عهد الخديوى إسماعيل عام 1878م هو إبن شقيقة بوغوص يوسيفيان ويقول نوبار باشا في مذكراته بشأن خاله بوغوص إنه كان لا يذهب إلى الوالي قبل أن يصلى صلاة قصيرة وكأنه سيدخل إلى قفص الأسد وذلك بسبب تأثير الأحداث التي مر بها بل إنه كاد أن يصبح ضحية غضب الوالي في يوم من الأيام فقد كان بوغوص رئيساً لخزانة جمارك دمياط وعلى أثر مناقشة بينه وبين محمد علي إستشاط الأخير غضبا وصاح قائلا فليسق من قدميه وكانت هذه عبارة تعنى إعتقال شخص ثم إعدامه فتقدم أحد القواسة الذين كانوا يحرسون محمد علي بسرعة لتنفيذ الأوامر وسيق بوغوص إلى خارج الغرفة لكن القواس كان مدينا بمعروف لبوغوص فتظاهر بتنفيذ حكم الإعدام فيه وأخفاه بعيدا عن عيون محمد علي وبعد فترة قصيرة مر محمد علي بضائقة مالية فى رشيد وإحتاج بشدة إلى النصيحة فلم يستطع أن يمنع نفسه من الصياح قائلا لو كان بوغوص هنا لأنقذني من هذه المحنة وكان القواس الذى تظاهر بقتله حاضرا فإرتمى تحت قدمي محمد علي طالبا الرحمة فسأله لم الرحمة فأقر بأنه لم ينفذ الأوامر فصاح محمد علي إذن فإن بوغوص حي إذهب وأحضره حالا وإلا دفعت رأسك ثمنا على رأسه فتم إستدعاء بوغوص ومن وقتها لم يحدث أى شيء يعكر صفو العلاقات بين بوغوص والباشا .
ويصف نوبار باشا أيام بوغوص الأخيرة في مذكراته قائلا إن مكانة بوغوص قد إرتبطت في مصر بشخصية محمد علي لذا عندما داهمت الباشا الشيخوخة ولم يعد قادرا على الإدارة تعرض لمضايقات خاصة من عباس باشا الأول فإستاء بوغوص كثيرا من هذا السلوك وأضرب عن الطعام والشراب حتى مات من الهزال في شهر يناير عام 1844م قبل وفاة محمد علي بحوالي 5 سنوات ونصف السنة بالإسكندرية عن عمر يناهز 72 عاما وليدفن في كنيسة الأرمن الأرثوذوكس بالإسكندرية بمنطقة اللبان وكانت المفاجأة المذهلة عند وفاته حين إكتشف محمد علي باشا عدم إمتلاك بوغوص يوسفيان أى ثروة سوى تسعة عشر شلنا وسبعة عشر قيراطا من الماس كانت ملكا في الأصل لمحمد علي باشا نفسه بالإضافة إلى ست أوراق بيضاء مختومة أعطاها محمد علي إياه أثناء سفره إلى بلاد السودان ولكنه لم يستخدمها ولم يستغلها هذا إلى جانب أن محمد علي كان لم يحدد راتبا شهريا أو سنويا منتظما له على الرغم من أنه كان قد ترك له حرية التصرف في النواحي المالية ولهذا يعد بوغوص يوسفيان أنزه من تولى أحد المناصب الهامة في عصره ولذا فقد غضب محمد علي غضبا شديدا وقت وفاته وأرسل لنوبار باشا يؤنبه على عدم إقامة جنازة عسكرية لخاله وأمره بأن يخرج جثمانه من قبره ثم يعاد دفنه مرة أخرى بعد إقامة جنازة عسكرية له وعلى الرغم من عدم إخراج جثمانه إلا أنه قد أقيمت له فعلا جنازة عسكرية كبيرة ولكن بدون وجود جثمانه .
ومن باب الوفاء من جانب نوبار باشا نحو خاله الذى كان له بمثابة الوالد أن سمي إبنه بوغوص علي إسم خاله والذى كان من أشهر المهندسين المعماريين في أواخر القرن التاسع عشر الميلادى وكان من أعماله فندق سان ستيفانو القديم الذى تم إفتتاحه يوم 26 يونيو عام 1887م بحضور الخديوى توفيق والذى تم بناؤه علي مساحة قدرها 30 ألف متر مربع في موقع مابين البحر المتوسط وطريق الحرية أحد أهم وأشهر شوارع الإسكندرية وبحيث يكون له شاطئ خاص وكان معماره مستوحي من الطراز المعمارى لعصر النهضة الأوروبية والذى كان سائدا في ذلك الوقت في المنتجعات السياحية الفاخرة والكازينوهات التي تطل علي الشواطئ الفرنسية والشواطئ البلجيكية مابين مصيف دوفيل بفرنسا ومصيف أوستيند ببلجيكا كما كان الكازينو الملحق بالفندق مشيدا أيضا على نفس الطراز المعماري حيث كان المهندس بوغوس نوبار مفتونا بهذه المنتجعات والتي شاهدها وأعجب بها أثناء دراسته بالعاصمة الفرنسية باريس .
|
| |
|
| |
|
الصور : |
|
|
|
|
|
|
|
|