|
|
عدد : 07-2018 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
هذه المهنة قد إنقرضت تماما ولم يعد لها أى وجود في أى بلد في العالم بعد أن كانت منتشرة في معظم قارات ودول العالم منذ أقدم العصور وكان يطلق أيضا علي من يعمل بها لقب النخاس والرق أو العبودية يعني إمتلاك الإنسان للإنسان بمعني أن يكون العبد أوالرقيق مملوكا لسيده وكان العبيد يباعون ويشترون في أسواق النخاسة بعد إختطافهم من بلادهم الأصلية أو أسرهم من خلال الإغارة عليها كما كان يتم إهداؤهم للغير من جانب مالكيهم أو يتم بيعهم تسديدا لديون علي مالكيهم وممارسة العبودية ترجع لأزمان ما قبل التاريخ عندما تعلم الإنسان الصيد والرعي والزراعة بشكل متنام فكانت هناك حاجة ماسة للأيدي العاملة فلجأت المجتمعات البدائية للعبيد لتأدية نوعيات عديدة من الأعمال ومن ثم كانت العبودية متفشية في الحضارات القديمة لدواعٍ إقتصادية وإجتماعية فكانت حضارات الصين وبلاد الرافدين والهند تستعمل العبيد في الخدمة المنزلية أو العسكرية والإنشائية والبنائية الشاقة وكذلك كان قدماء المصريين يستعملون العبيد في تشييد القصور الملكية والصروح الكبرى وفي الخدمة في القصور الملكية وكانت حضارات المايا والإنكا والأزتك في أمريكا اللاتينية تستخدم العبيد على نطاق واسع في الأعمال الشاقة والحروب وفي بلاد الإغريق كان الرق ممارسا على نطاق واسع جدا لدرجة أن مدينة أثينا رغم ديمقراطيتها كان معظم سكانها من العبيد وهذا يتضح من كتابات هوميروس لملحمتيه الشهيرتين الإلياذة والأوديسا .
وفي العصر الروماني وبصفة خاصة في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد كان الرقيق يعملون في الحقول وهم مصفدون في الأغلال الثقيلة التي تكفي لمنْعهم من الفرار ولم يكونوا يطعمونهم إلا ما يسدّ الرمق إبقاءا على وجودهم ليعملوا كالبهائم عبيدا مسخرين وكانوا في أثناء العمل يساقون بالسوط لا لشيء إلا للذة فاجرة يحسها السيد في تعذيب هذه المخلوقات الإنسانية التي ولدتهم أمهاتهم أحرارا وكانوا ينامون في زنازين أو زرائب مظلمة كريهة الرائحة تعيش فيها الحشرات والفئران وكانوا يوضعون في حلقات للمبارزة بالسيف والرمح في العاصمة روما وفي غيرها من مدن الإمبراطورية الرومانية فيجتمع إليها السادة ليشاهدوا الرقيقَ يتبارزون بضربات السيوف وطعنات الرماح بلا تحرز ولا إحتياطات حتي لايصابوا أو يقتل أحدهم الآخر بل كان مرح السادة يصل إلى أقصاه وترتفع الحناجر بالهتاف والأكف بالتصفيق وتنطلق الضحكات العالية السعيدة حتى يقضي أحد المبارزين على زميله قضاءا كاملا فُيلقيه طريحا على الأرض فاقد الحياة ومن المعلوم أن القانون الروماني وقتئذ هو الذي أعطى للسيد الحق المطلق في قتل الرقيق وتعذيبه وتسخيره وإستغلاله دون أن يكون للرقيق حق الشكوى ودون أن تكون هناك جهة تنظُر في هذه الشكوى أو تعترف بها لكون الرقيق في نظر القانون الروماني حيوانًا أو أقل من الحيوان فيفعل فيه السيد ما يشاء وما يريد دون أن يسأله أحد عما يفعل بينما الأرقاء يسئلون كما كان القانون الروماني يبيح الإسترقاق ويبيح للدائن أن يستولي على مدينه وأن يسترقه إذا كانت أملاكه لا تفي بالدين وكان هذا الدين يكون دائما بالربا الفاحش وكان ينمو ويتضاعف بل إن الرومان كانوا يعدون الأسرى والسبايا وسكان البلد المفتوح ملكا للفاتح يتصرف فيهم كما يشاء فله أن يقتلهم وله أن يستعبدهم وله أن يبيعهم وكان نظام الإسترقاق أيضا معمولا به عند الفرس وكانوا لا يعاقبون العبد على هفوته الأولى فإذا هفا مرة ثانية يكون من حق سيده أن يعاقبه أشد العقاب وله أن يعذِّبه أو يقتله إن شاء وإذا كنا نذكر لهم بالخير أنهم كانوا يتغاضون عن هفوته الأولى فإننا نذكر لهم بالخير أيضا أنهم كانوا يسمحون له ببعض الراحة ولا يرضون بالعدوان عليه إلا أن معاملتهم للرقيق لم تختلف كثيرا عما ذكرنا من حيث إهدار إنسانية الرقيق إهدارا كاملا وتحميله أثقل الواجبات وأشق الأعمال دون إعطائه أى حقوق في المقابل .
وكان الرق معروفا أيضا في غرب قارة آسيا وفي شمال وشرق قارة أفريقيا فلم تكن إذن تجارة الرقيق مقصورة على شعب معين وفي خلال القرن الثامن والتاسع الميلاديين كان معظم الرقيق من دول أوروبا الشرقية وأيضا من الشعوب السلافية ويسمون صقالبة وأيضا من شعوب منطقة البحر الأبيض المتوسط والفرس والأتراك وأيضا من شعوب القوقاز وخاصة من المناطق الجبلية مثل جورجيا وأرمينيا وأجزاء من آسيا الوسطى ومن شعوب أخرى من أصول متنوعة وقد قدر بعض المؤرخين أن هناك ما يتراوح بين 11 إلي 18 مليون من الرقيق الأفارقة السود قد عبروا البحر الأحمر والمحيط الهندي والصحراء الكبرى منذ عام 650 بعد الميلاد وحتى العام 1900م إلى الأمريكتين بغرض تجارة الرقيق الأطلسية وفي القرون الوسطي قامت الكيسة الكاثوليكية الرومانية مرارا وتكرارا بالتوصية بمنع تصدير الرقيق المسيحيين إلى الأراضي غير المسيحية وعلي سبيل المثال كان ذلك خلال إنعقاد مجلس كومبلز في عام 922م ثم خلال إنعقاد مجلس لندن في عام 1102م وأخيرا خلال إنعقاد مجلس آرما في عام 1171 م .
وفي القرن الخامس عشر الميلادى مارس الأوربيون تجارة العبيد الأفارقة وكانوا يرسلونهم قسرا إلي العالم الجديد ليفلحوا الضياع الأميريكية وفي عام 1444م كان البرتغاليون يمارسون النخاسة ويرسلون للبرتغال سنويا ما بين 700 إلي 800 عبد من مراكز تجميع العبيد على الساحل الغربي لأفريقيا وكانوا يخطفونهم من بين ذويهم في أواسط أفريقيا وفي القرن السادس عشر الميلادى مارست أسبانيا تجارة العبيد التي كانت تدفع بهم قسرا من أفريقيا لمستعمراتها في المناطق الإستوائية بأمريكا اللاتينية ليعملوا في الزراعة بالسخرة وفي منتصف هذا القرن دخلت إنجلترا حلبة تجارة العبيد وإدعت حق إمداد المستعمرات الأسبانية بالعبيد وتلاها في هذا المضمار البرتغال وفرنسا وهولندا والدانمارك ودخلت معهم المستعمرات الأميريكية في هذه التجارة اللا إنسانية فوصلت أمريكا الشمالية أول جحافل العبيد الأفارقة عام 1619م حينما جلبتهم السفن الهولندية وأوكل إليهم الخدمة الشاقة بالمستعمرات الإنجليزية بالعالم الجديد .
ومع التوسع الزراعي هناك في منتصف القرن السابع عشر الميلادى زادت أعدادهم ولاسيما في الجنوب الأميريكي وبعد الثورة الأميريكية أصبح للعبيد بعض الحقوق المدنية المحدودة وفي عام 1792م كانت الدانمارك أول دولة أوربية تلغي تجارة الرق وتبعتها بريطانيا وأمريكا بعد عدة سنوات وفي مؤتمر فيينا عام 1814م عقدت كل الدول الأوربية معاهدة منع تجارة العبيد وعقدت بريطانيا بعدها معاهدة أخرى مع الولايات المتحدة الأميريكية عام 1848م لقمع هذه التجارة وبعد ذلك كانت القوات البحرية الفرنسية والبريطانية تطارد سفن مهربي العبيد وقد حررت فرنسا عبيدها وحذت حذوها هولندا وتبعتها جمهوريات أمريكا اللاتينية ما عدا البرازيل حيث ظلت العبودية بها حتى عام 1888م وفي مطلع القرن التاسع عشر الميلادى كان معظم العبيد يتمركزون بولايات الجنوب بالولايات المتحدة الأميريكية لكن بعد إعلان الإستقلال الأميريكي إعتبرت العبودية شرا ولا تتفق مع روح مبادئ الإستقلال حيث نص الدستور الأميريكي على إلغاء العبودية عام 1865م وفي عام 1906م عقدت عصبة الأمم مؤتمر العبودية الدولي حيث تقرر منع تجارة العبيد وإلغاء العبودية بشتى أشكالها وتأكدت هذه القرارات بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان .
وكان الرق معروفا أيضا في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام بقرون عديدة وكان من أشهر الأسواق التي كان يعرض فيها العبيد سوق عكاظ بمكة المكرمة وكلنا يعلم أنه لما جاء الإسلام ودخل فيه الكثير من العبيد في مكة المكرمة لاقوا أشد العذاب من سادتهم وكان منهم سيدنا بلال بن رباح مؤذن الرسول صلي الله عليه وسلم الذى كان يعذبه سيده أمية بن خلف حتي إشتراه سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه منه وأعتقه لوجه الله تعالي وهكذا فعل مع كثيرين غيره كان يشتريهم من أسيادهم الذين يقومون بتعذيبهم ويعتقهم لوجه الله تعالي وكان منهم أيضا سيدنا عمار بن ياسر وأمه سمية وأبوه ياسر الذين كان يعذبهم سيدهم عمرو بن هشام المعروف بإسم أبو جهل وكان الرسول صلي الله عليه وسلم يقول لهم عندما يراهم صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة وهنا لابد أن نذكر أمرا هاما فالإسلام لم يأت بالرق وإنما كان الرق نظاما إجتماعيا من قبل ظهور الإسلام وكان مما تعرض له الإسلام بشكل مباشر الرق والعبودية حيث حث على تحرير العبيد من العبودية وشجع عليه وجعله من القربات إلى الله كما جعله كفارة لبعض الأمور مثل كفارة الحلف واليمين الكذب وكفارة القتل الخطأ وكفارة يمين الظهار وكفارة الإفطار عمدا في شهر رمضان وهكذا وذلك تجفيفا لمنابعه كما دعا الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام إلى حسن معاملة الأسرى والعبيد والرفق بهم حتى أنه نهى عن تسميتهم بلفظ العبيد حينما قال لا يقل أحدكم عبدي أمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله وليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي وهكذا ولأن الرق مسألة تدخل في باب التشريع في الإسلام ولأن هذا الدين معروف عنه التدرج في تحريم المنكرات والسيئات كالخمر مثلا فإنه ينظر إلى معالجة مسألة الرق من منظور منطقي يحفظ الأسس الإقتصادية والإجتماعية التي قامت على تجارة الرق في المجتمعات ويراعيها ويتفهمها منعا لإنهيار عنصر مهم في حياة الناس ألا وهو الإقتصاد لكنه لا يقف عند هذا الإقرار بل يتدرج في سحب بساط الرق من تحت أقدام الأسياد بتشريعاته المتدرجة وقيمه السمحة وهنا تتجلى منهجية الإسلام في معالجة مسألة الرق بما لا يشرخ الأسس الإقتصادية والإجتماعية المتجذرة في أي مجتمع كان وفي هذا رد كاف وواف على شبهة من يقول بعدم رفض الإسلام للرق فإن كان الإسلام لم يرفض الرق في زمن من الأزمان فإن هذا ليس إقرارا من الدين الحنيف بمشروعيته المطلقة وإنما كانت معالجته بأسلوب هادئ بتجفيف منابعه مراعاة لما شب عليه الصغار وشاب عليه الكبار كما يقول الخليفة الأموى الزاهد الذى لقب بالخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز ولأجل حفظ المجتمعات وأسسها الإقتصادية والإجتماعية وعدم تعريضها لأى هزة أو إضطراب .
وفي مصر عرف الرق منذ عهد القدماء المصريين وإستمر ذلك حتى أوائل القرن العشرين الماضي وكان العبيد يجلبون إلي مصر من بلاد مختلفة فالعبيد البيض كانوا يجلبون من جورجيا ومن المستعمرات الشركسية وكان منهم أيضا أسري الحروب أما العبيد السود فيجلبون من دارفور وكردفان ببلاد السودان كما يتم جلب العبيد ذوى البشرة البرونزية من جنوب السودان وكان العبيد آنذاك يصنفون طبقا لألوانهم ومناطق جلبهم ولكل لون ثمن مختلف وكان الذكور من العبيد يخدمون في بيوت الأعيان أما النساء فيعملن كمحظيات لأغنياء القوم وفي عصر الدولة الأيوبية قام حكام مصر من خلفاء السلطان صلاح الدين الأيوبي بإستقدام الكثير من العبيد الأرقاء وأطلق عليهم إسم المماليك وكان الأصل التركي هو الأكثر من بين الأصول الأخرى للمماليك وقد إهتم السلاطين الأيوبيون بتدريبِ المماليك حتى يكونوا جنودا لهم ولكي يشاركوا في حروبهم وكان أول من فعل ذلك منهم الملك العادل وكذلك الملك الكامل ثم الملك الصالح نجم الدين أيوب ومع مرور الزمن إستطاع المماليك التدخل في شئون الحكم فإمتد نفوذهم في جميع مفاصل الدولة ثم كانت الحملة الصليبية علي مصر بقيادة الملك لويس التاسع ملك فرنسا وكان ما كان من إصابة السلطان نجم الدين أيوب بالمرض ووفاته أثناء مقاومة هذه الحملة وإستدعاء إبنه توران شاه ليتولي الحكم ثم مقتله علي أيدي المماليك ومن ثم إقامتهم لدولتهم في مصر التي سميت دولة المماليك البحرية وتمت تسميتها بهذا الإسم لكونهم يعيشون بالقربِ من البحرِ أي بالقربِ من نهر النّيل الذي كان يسمى بحر في ذلك الوقت حيث سكنوا بجانب البحرِ في قلعة بناها لهم الملك الصالح نجم الدين أيوب حتى يصبحوا علي مقربة من قصره حيث كان يسكن قصرا في القاهرة في منطقة الروضة وكان أول سلاطين هذه الدولة السلطان عزالدين أيبك التركماني أحد قادة السلطان الأيوبي نجم الدين أيوب وإستمرت هذه الدولة من عام 1250م وحتي عام 1382م وكان آخر سلاطينها الصالح زين الدين حاجي ثم حلت محلها دولة المماليك البرجية والتي سميت بهذا الإسم لأنّهم عاشوا في أبراجِ القلعة وكان مؤسس هذه الدولة هو السلطان برقوق وقد تعاقب خمسةٌ وعشرون سلطانا على حكمِ دولة المماليك البرجية وإستمر حكمهم 135 سنة تقريبا مابين عام 1382م وحتي عام 1517م وكان آخر سلاطينهم السلطان طومان باى الذى هزمه السلطان العثماني سليم الأول في موقعة الريدانية عام 1517م وتم القبض عليه وشنقه علي باب زويلة وإنتهت بذلك دولة المماليك إلي الأبد وأصبحت مصر ولاية عثمانية ولم يستغن عنهم الولاة العثمانيون الذين تعاقبوا علي حكم مصر من أجل حكم البلاد والسيطرة علي الأمن فيها وتحصيل الضرائب وخلافه وإستمر هذا الوضع قائما حتي تولي محمد علي باشا حكم مصر حيث قضي عليهم في مذبحة المماليك الشهيرة عام 1811م فلم تقم لهم قائمة بعد ذلك ولكن ظل نظام الرق معمولا به في مصر حيث ظلت مصر تستخدم العبيد حتي بدايات القرن العشرين الماضي وكانت توجد أسواق مخصوصة لبيعهم وشرائهم كما كانت توجد في القاهرة بيوت خاصة ببيع الرقيق فكان يرتاد هذه البيوت من يريد إقتناء الجواري أو المماليك أو العبيد وكانت القصور الملكية وقصور وبيوت الطبقات المتيسرة يكثر فيها الجوارى والعبيد وكان لكل حاكم من حكام مصر فى تلك الفترة موقف من ذلك الأمر وكانت البداية مع عباس باشا الأول والى مصر فى الفترة من يوم 24 نوفمبر عام 1848م حتى يوم 13 يوليو عام 1854م والذى كان يكره الرق وتجارته ولكنه إستعان بهم فى عهده فى الكثير من الوظائف الهامة حيث جعل الرقيق البيض يعملون كضباط في الجيش المصري والسود منهم جعلهم جنودا وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادى بدأت مصر في إتخاذ موقف معاد لتجارة الرقيق حين أصدر محمد سعيد باشا خليفة عباس باشا الأول في عام 1856م أمرا بمنع تجارة الرقيق غير أن الأمر لم يجد طريقه للتنفيذ بسبب أن غالبية مناطق إصطياد الرقيق في الجنوب لم تكن تحت سيطرته الكاملة ولكن محمد سعيد باشا نجح في تثبيط تلك التجارة في شمال السودان خاصة في الخرطوم وكان رد فعل تجار الرقيق الذين لم يستجيبوا له حفاظا علي مصالحهم على ذلك الإجراء أن قاموا بنقل مركز تجارتهم إلى قرية كاكا في جنوب السودان حيث لم تكن لمحمد سعيد باشا سلطة أو نفوذ في هذه المنطقة ولما تولي الخديوي إسماعيل حكم مصر خلفا لمحمد سعيد باشا في شهر يناير عام 1863م كان متأثرا إلي أقصي حد بالفكر الأوروبي وعزم علي أن ينضم إلي حركة المطالبين بتحرير الأرقاء وبالفعل أصدر أمرا إلي حكمدار السودان في أوائل حكمه بتعقب تجار الرقيق ومنعهم بالقوة من ممارسة تجارتهم المحرمة ونفذ الحكمدار أوامر الخديوى فقام بضبط سبعين سفينة مشحونة بالأرقاء وإعتقل التجار الذين جلبوهم أما الأرقاء فقد أطلق سراحهم وأعادهم إلي بلادهم وفي عام 1865م إحتل الجيش المصري بلدة فاشودة في السودان والتي كانت مركزا ومحطة هامة لتجارة الرقيق في السودان لكي يسد ويقطع الطريق علي تجار الرقيق ووضع بها نقطة مراقبة حربية دائمة لمنع هذه التجارة
وقد إستمر الوضع فى تلك التجارة مستقرا في مصر بعد ذلك حتى إندلاع الحرب الأهلية الأميريكية حين بدأت حركات حقوق الإنسان تنادي بتحرير العبيد وإلغاء تجارة الرقيق فكان على الخديوى إسماعيل ضرورة إتخاذ موقف يكسب به نقاط وسط الأمواج الدولية المتلاطمة آنذاك وفي يوم الرابع من شهر أغسطس عام 1877م إضطر أن يخضع لضغوط الحكومة البريطانية علي توقيع معاهدة معها للتعاون علي منع الإتجار بالرقيق في مصر والسودان وقام بإسناد رئاسة مقاومة الإتجار بالرقيق للكولونيل جوردون حاكم عام السودان والذي أثار مشاعر تجار الرقيق الذين جمعوا ثروات طائلة من هذه التجارة فإنضم هؤلاء إلي الحركة المهدية في عهد الخديوى توفيق خليفته بعد ذلك وكانوا سببا في نجاح ثورته التي نجحت في قتل الكولونيل جوردون وخروج الجيش المصرى من السودان وقد أكد الخديوى إسماعيل أنه بمحاربة تلك التجارة فسوف ينهى في نهاية المطاف الرق في مصر وجميع المناطق التي تتبع لها حتى وإن إستغرق ذلك خمسة عشر أو عشرين عاما وإتخذ الخديوي إسماعيل حينذاك عدة إجراءات لمحاربة تجارة الرقيق منها إنشاء شرطة نهرية فأقام نقطة مراقبة حكومية في بلدة فاشودة بأعالي النيل وأحكم سيطرته على كثير من المناطق التي كان يؤتى بالأرقاء منها مثل مناطق بحر الغزال ودارفور وأعالي النيل وترتب على هذه الإجراءات أن غير تجار الرقيق من خط سير قوافلهم المحملة بالأرقاء من طريق نهر النيل إلى الصحراء وعلى الرغم من تلك الجهود للتخلص من الرق فإنه من الطريف أن الخديوى إسماعيل نفسه ظل محتفظا بحريمه ومحظياته حتي آخر أيامه في مصر وكان يتكون من أربع عشرة إمرأة بين زوجة ومستولدة وقد تسبب هذا العدد الكبير في أزمة عند رحيله عن مصر في أواخر شهر يونيو عام 1879م منفيا الي أوروبا بعد خلعه عن عرش مصر بفرمان صادر من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني فلم يكن في مقدوره أن ينفق علي ذلك العدد الضخم من الجواري والمحظيات وأبنائهن وبالتالي إضطر لأن يوزع العديد منهن علي أقاربه من العائلة المالكة ورجال الحاشية ليتزوجوهن وفى عصر الخديوى توفيق خليفته والذى حكم مصر من أواخر شهر يونيو عام 1879م وحتي وفاته في أوائل شهر يناير عام 1892م بدأ يتخذ حكام وملوك مصر زوجات فقط وإنتهي بذلك نظام الحريم والمحظيات والمستولدات إلي الأبد .
الأثرياء المصريون بالقانون الجديد وألقوا به عرض الحائط وإستمرت عمليات بيع وشراء النساء والأطفال في مصر رغم صدور المعاهدة الثانية لمنع الرقيق في بروكسل عام 1890م وفي عهد الخديوى عباس حلمي الثاني خليفة الخديوى توفيق وحفيد الخديوى إسماعيل والذى حكم مصر من أوائل شهر يناير عام 1892م بعد وفاة أبيه الخديوى توفيق وحتي أواخر شهر ديسمبر عام 1914م حينما خلعه الإنجليز من حكم مصر بعد قيام الحرب العالمية الأولي وقعت حادثة هامة في عام 1894م عندما حضر إلي مصر عن طريق صحراء الواحات خمسة من تجار الرقيق ليبيعوا ست جاريات سودانيات وقام علي باشا شريف رئيس المجلس التشريعي المصرى بشراء ثلاث جاريات منهن ضاربا بالقانون عرض الحائط أما الجاريات الثلاث الأخريات فقد إشتراهن الدكتور عبد الحميد بك شافعي الذي إحتفظ لنفسه بواحدة وأرسل الثانية للشواربي باشا أحد أصدقائه كما أرسل الثالثة إلي منزل حسين باشا واصف مدير مديرية أسيوط وفى هذا الوقت كان بمصر مصلحة لرعاية شئون الرقيق وبحث أحوالهم وتحريرهم من الرق وكان لها فروع بالمديريات المختلفة لكي يحصل منها العبد علي وثيقة تحمل إسم تذكرة حرية وكان يرأس هذه المصلحة الضابط الإنجليزي شيفر بك ومن حسن الحظ أن ضابطا مصريا يعمل بمصلحة الرقيق يدعي اليوزباشي محمد ماهر علم بنبأ تلك الصفقة فتوجه إلي حيث يقيم التجار الخمسة وألقي القبض علي أربعة منهم بينما إستطاع الخامس أن يهرب وإعترف التجار بجريمتهم التي يحظرها ويعاقب عليها القانون ورفع محمد ماهر تقريرا بذلك إلي رئيسه الإنجليزي شيفر بك فإستدعي علي باشا شريف إلي مكتبه ووجه له تهمة الإشتراك في الإتجار بالرقيق وتشكلت محكمة عسكرية في يوم 4 سبتمبر عام 1894م لمحاكمة كل من إشترك في الجريمة التجار النخاسين والجواري والباشوات وفي يوم 13 سبتمبر عام 1894م أصدرت المحكمة العسكرية حكمها بإدانة الدكتور عبد الحميد الشافعي وحبسه مع الشغل وكذلك إدانة علي باشا شريف رئيس المجلس التشريعي بتهمة الإتجار بالرقيق وعندما وصل الحكم إلي علي باشا شريف رفع إستقالته من رئاسة المجلس التشريعي إلي الخديوى عباس حلمي الثاني ليس لإرتكابه تلك الجريمة وإنما بسبب مرضه وطلب العفو من الخديوي فأعفاه وبعد ذلك قام مجلس شورى النواب بمناقشة القوانين المتعلقة بالعبودية وتجارة الرقيق بداية من شهر يناير عام 1896م ولم يظهر خلال هذه المناقشات رأي واحد يعارض قمع العبودية وتجارة الرقيق وإستمر الأمر مابين شد وجذب حتي عهد الملك فؤاد الأول عام 1926م حيث تم التوقيع علي إتفاقية إلغاء الرق والعبودية في مؤتمر الرق العالمي الذي تم عقده في مدينة جنيف السويسرية يوم 25 سبتمبرعام 1926م وعملت بريطانيا آنذاك جاهدة بعد توقيع مصر علي هذه الإتفاقية على التأكد من إلغاء الرق والعبودية في مصر نهائيا وبشكل كامل بما كان لها من نفوذ في ذلك الوقت علي مصر التي وإن كان قد أعلن إستقلالها عن بريطانيا ورفعت عنها الحماية البريطانية التي كانت مفروضة عليها منذ بداية قيام الحرب العالمية الأولي بموجب تصريح 28 فبراير عام 1922م إلا أن بريطانيا كان لها الكثير من السيادة والسيطرة علي الأمور في مصر بحكم التحفظات الأربعة التي تضمنها هذا التصريح والتي كانت تنقص من هذا الإستقلال كثيرا .
|
| |
|
| |
|
الصور : |
|
|
|
|
|
|
|
|