|
|
عدد : 07-2018 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
وفي حقيقة الأمر كان صباح يوم 7 أكتوبر عام 1973م يعد سباقا بين القوات المسلحة المصرية وقوات العدو الإسرائيلي من أجل التجهيز للمعارك المرتقبة القادمة فقد قام العدو في هذا اليوم بإستعراض الدبابات الثلاثمائة التي خسرها في اليوم السابق كما قام بحشد عدد 8 ألوية مدرعة أمام قواتنا منقسمة إلي 3 فرق مدرعة أولها مكون من 3 ألوية مدرعة في القطاع الشمالي للجبهة وثانيها يتكون أيضا من 3 ألوية مدرعة في القطاع الأوسط وثالثها يتكون من 2 لواء مدرع في القطاع الجنوبي وبذلك أصبح العدو مستعدا لشن الهجمات المضادة الرئيسية بداية من صباح يوم 8 أكتوبر عام 1973م وعلي الجانب الآخر ففي هذا اليوم 7 من أكتوبر عام 1973م قامت فرق المشاة الخمسة التي عبرت القناة في اليوم السابق بتوسيع رؤوس الكبارى التي أنشأتها وسد الثغرات فيما بينها وبين الفرق المجاورة لها في نطاق كل جيش وبحلول صباح يوم 8 أكتوبر عام 1973م أصبح لنا في شرق القناة رأسا كوبريين للجيشين الميدانيين الثاني والثالث وكان رأس كوبرى الجيش الثاني يمتد من القنطرة شمالا وحتي الدفر سوار جنوبا بينما كان رأس كوبرى الجيش الثالث يمتد من البحيرات المرة شمالا وحتي بور توفيق جنوبا وكان كل منهما بعمق حوالي 10 كيلو مترات كما إستفادت قواتنا خلال نفس اليوم 7 أكتوبر عام 1973م في تحسين الموقف الإدارى لها وتكوين إحتياطي معقول من الإحتياجات الإدارية شرق القناة والتي من أهمها الذخيرة والمياه والمواد الغذائية وإلي جانب ذلك قامت القوات الخاصة المصرية التي تم إبرارها خلف خطوط العدو بمهاجمة قوات العدو التي تتحرك نحو الجبهة من مؤخرتها مما كبدها خسائر جسيمة وأثار الذعر والفزع في نفوس أفرادها وأجبرها علي التحرك ببطء وحذر شديدين مما تسبب في تأخير وصولها إلي الجبهة ومن ثم تأخير شن الهجمات المضادة الرئيسية .
وفي صباح يوم 8 أكتوبر عام 1973م تحرك الفريق الشاذلي إلي جبهة القناة للوقوف علي أوضاع قواتنا علي الطبيعة وتوجه أولا إلي مقر قيادة الجيش الثاني الميداني لمقابلة اللواء سعد مأمون قائد الجيش ثم توجه إلي قطاع الفرقة الثانية المشاة لمقابلة العميد آنذاك حسن أبو سعدة قائد الفرقة ثم توجه إلي مقر قيادة الجيش الثالث الميداني لمقابلة اللواء عبد المنعم واصل قائد الجيش ثم توجه إلي قطاع الفرقة السابعة المشاة لمقابلة العميد آنذاك أحمد بدوى قائد الفرقة وفي آخر النهار عاد مسرعا إلي مقر القيادة العامة للقوات المسلحة بالمركز رقم 10 بمدينة نصر بالقاهرة ويقول الفريق الشاذلي عن هذه الزيارة إنها أسعدته جدا حيث قابل الضباط والجنود ورآهم في قمة السعادة والسرور وشاهدهم وهم يتمتعون بروح معنوية عالية جدا علي الرغم من المجهودين العصبي والبدني اللذين تحملوهما خلال اليومين الماضيين بلا نوم تقريبا وكانوا يحيطون به ويعانقونه ويهنئونه علي نجاح خطة العبور وفي هذا اليوم 8 أكتوبر بدأ العدو الإسرائيلي في شن هجماته المضادة وكان من المتوقع أن يركز العدو هجماته علي أحد القطاعات ولكن ما حدث كان عكس ذلك حيث شن العدو هجمات متفرقة علي قطاع الفرقة 18 مشاة وعلي قطاع الفرقة 16 مشاة وعلي قطاع الفرقة الثانية المشاة مما تسبب في فشلها جميعا وإستطاعت الفرقة الثانية المشاة في إبادة أحد الألوية المدرعة التي هاجمتها إبادة تامة بعدما تم إستدراج هذا اللواء ليدخل في أرض قتل أو كمين كما يقول العسكريون وفي اللحظة المناسبة أطلق العميد آنذاك حسن أبو سعدة قائد الفرقة طلقة من مسدسه وهي إشارة بدء توجيه نيران الأسلحة المضادة للدبابات نحو دبابات هذا اللواء مما أسفر عن تدمير أكثر من 70 دبابة من أصل 90 دبابة تقريبا كان يشملها هذا اللواء بينما فر الباقي هاربا وتم أسر العقيد عساف ياجورى قائد هذا اللواء المدرع وكان أشهر من تم أسرهم خلال هذه الحرب وفي اليوم التالي شن العدو الإسرائيلي بعض الهجمات المضادة أيضا علي قطاع الفرقة 16 مشاة إلا أنها منيت بالفشل أيضا كما حاول العدو صباح يوم 10 أكتوبر عام 1973م إختراق قطاع الفرقة الثانية المشاة ونجح في البداية ولكن مع حلول الليل تم صد هذا الهجوم وأجبرت دبابات العدو علي الإنسحاب نحو الشرق .
وفي صباح يوم 11 أكتوبر عام 1973م زار الفريق الشاذلي الجبهة للمرة الثانية لتفقد موقف قواتنا علي الطبيعة بعد نجاحها في صد الهجمات المضادة طوال الأيام الثلاثة السابقة وتبين له أن الموقف مطمئن للغاية وأن قواتنا قادرة علي صد أى هجمات مضادة أخرى قد تتعرض لها في الأيام التالية ثم عاد مرة أخرى إلي القيادة بالقاهرة وفوجئ بالفريق أول أحمد إسماعيل يفاتحه في أمر تطوير الهجوم شرقا نحو المضايق فما كان منه إلا أن عارض هذا الأمر موضحا أن معني تطوير الهجوم شرقا نحو المضايق معناه خروج قواتنا من مظلة الدفاع الجوى التي شلت طيران العدو تماما طوال الأيام السابقة ولن تستطيع القوات المتحركة نحو الشرق مواجهة هذا السلاح الهام بوسائلها الدفاعية المتحركة كما أن دخول دباباتنا في معارك دبابات مفتوحة مع دبابات العدو في غير صالحنا تماما حيث أن دبابات العدو تتميز عن دباباتنا بتسليح أقوى وإمكانيات ملاحية أكثر جودة كما أن دباباتنا كانت موزعة علي فرق المشاة الخمس لمعاونة المشاة وتدعيم قدرات كل فرقة علي مواجهة أى هجوم تتعرض له بواسطة الدبابات ومن ثم فقد كنا نستخدم الدبابات وكأنها مدافع مضادة للدبابات ذاتية الحركة ليس عن جهل بأصول إستخدام الدبابات في الحروب ولكن بسبب الظروف التي فرضت علي قواتنا نتيجة ضعف تسليح دباباتنا عن الدبابات الإسرائيلية إلي جانب ضعف قواتنا الجوية وإحتمال تعرض دباباتنا بعد خروجها من مظلة الدفاع الجوى للقصف بواسطة الطيران الإسرائيلي علاوة علي أننا سوف نضطر إلي دفع قواتنا المدرعة الإحتياطية المتمركزة غرب القناة للقيام بهذه المهمة ومن ثم إخلاء غرب القناة من أى قوات إحتياطية يمكننا بها مواجهة أى محاولة إختراق من جانب العدو لقواتنا وعبور القناة من الشرق إلي الغرب ولم يعلق الفريق أول أحمد إسماعيل وكما يقول الفريق الشاذلي بدا عليه وكأنه قد إقتنع بوجهة نظره ولكنه عاود مفاتحته في هذا الأمر صباح اليوم التالي 12 أكتوبر عام 1973م قائلا له إن أمر تطوير الهجوم شرقا نحو المضايق الهدف منه تخفيف الضغط عن الجبهة السورية حيث ستضطر إسرائيل لسحب بعض القوات ونقلها من الجبهة السورية إلي الجبهة المصرية وكان رد الشاذلي إن لإسرائيل علي الجبهة المصرية عدد 8 ألوية مدرعة وهي قوات كافية جدا لصد أى هجوم من جانب قواتنا ولن يضطر إلي سحب أى قوات من الجبهة السورية ولن تتحقق أى نتائج إيجابية وأننا سنتعرض لخسائر فادحة في الأرواح والمعدات إذا نفذنا هذا الأمر بلا أى إستفادة تذكر وعاود أحمد إسماعيل الحديث في هذا الأمر بعد الظهر موضحا أن قرار تطوير الهجوم شرقا قرار سياسي ولابد من تنفيذه بداية من صباح اليوم التالي 13 أكتوبر عام 1973م وحوالي الساعة الواحدة والنصف كانت التعليمات الخاصة بهذا الأمر قد تم إعدادها وتم إرسالها إلي قائدى الجيشين الثاني والثالث الميدانيين .
وعندما وصلت التعليمات إلي اللواء سعد مأمون قائد الجيش الثاني الميداني قام بالإنصال بالفريق الشاذلي قائلا له أنا مستقيل حيث أنني لا أستطيع تنفيذ التعليمات التي وصلتني ولم تمض دقائق إلا وإتصل أيضا اللواء عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث الميداني وأبدى أيضا إعتراضه الشديد علي التعليمات التي وصلته ويقول الفريق الشاذلي في مذكراته إنه أبلغهما إنه إعترض هو أيضا علي هذه التعليمات ولكن الأمر خرج من يده وأجبر علي تنفيذه وهنا تم الإتفاق علي إستدعاء قائدى الجيشين الثاني والثالث إلي مقر القيادة وتم عقد إجتماع إستمر حتي ساعة متأخرة من الليل وفي النهاية تم تأجيل البدء في تطوير الهجوم شرقا نحو المضايق ليكون في صباح يوم 14 أكتوبر عام 1973م بدلا من صباح يوم 13 أكتوبر عام 1973م علي الرغم من تحذير كل من رئيس الأركان وقائدى الجيشين الثاني والثالث من مغبة هذا القرار ولكن كان هناك إصرار من جانب أحمد إسماعيل علي ضرورة تنفيذ هذا القرار لأنه قرار سياسي واجب النفاذ وعلي العسكريين تنفيذه دون نقاش وبلا شك أن هذا الأمر كان أمر يفتقر لأى أصول عسكرية فقد كان مطلوبا من عدد 4 ألوية مدرعة بالإضافة إلي عدد 1 لواء مشاة ميكانيكي من القوات الإحتياطية المتمركزة غرب القناة لمواجهة أى موقف طارئ من المحتمل تعرض قواتنا له ولديها فقط ما مجموعه حوالي 400 دبابة مواجهة عدد 8 ألوية مدرعة إسرائيلية لديها حوالي 900 دبابة وهي محرومة من حماية الدفاع الجوى المصرى في أرض ومكان يختاره العدو ويسيطر عليه بقواته الجوية وبالطبع كانت النتيجة الطبيعية فشل هذا الهجوم فشلا ذريعا وخسرنا في هذا اليوم حوالي 250 دبابة في حين لم نخسر خلال الأيام السابقة أكثر من 50 دبابة كما خسرنا إثنين من أكفا ضباط المدرعات هما العقيد السيد توفيق أبو شادى قائد اللواء الأول المدرع والعقيد نور الدين عبد العزيز قائد اللواء الثالث المدرع اللذين كانا في الصفوف الأمامية بين قواتهما التي شاركت في عملية تطوير الهجوم شرقا نحو المضايق حيث إستشهدا وهما يؤديان واجبهما بكل شجاعة وبسالة وفي النهاية تم إنسحاب جميع القوات التي شاركت في هذا الهجوم الفاشل وفي ظهر هذا اليوم في حوالي الساعة الحادية عشر صباحا حدث إتصال باللواء سعد مأمون لمتابعة سير العمليات في نطاق الجيش الثاني الميداني فكان الرد إنه في الراحة ولم يكن هذا أمرا عاديا أن يخلد القائد إلي الراحة وقواته مشتبكة في معركة وكانت الأخبار عموما لا تبشر بخير وحضر الرئيس السادات إلي مقر القيادة وأطلعه القادة علي الموقف فطلب من الفريق الشاذلي التوجه إلي الجبهة لمتابعة الموقف ورفع الروح المعنوية لقواتنا ووصل الفريق الشاذلي إلي مقر قيادة الجيش الثاني في حوالي الساعة الرابعة مساءا وعلم أن اللواء سعد مأمون قد تعرض لأزمة قلبية مفاجئة وأن الأمر يستدعي إخلاءه فورا إلي المستشفي وبلا شك كانت هذه خسارة فادحة أن يصاب قائد الجيش الثاني الميداني أكبر تشكيل قتالي في القوات المسلحة المصرية في هذا الوقت الحرج وقام الفريق الشاذلي بالإجتماع مع كبار ضباط الجيش الثاني وبحث معهم الأمر كما قام بالإتصال بجميع قادة الفرق وبحث معهم الموقف العسكرى لقواتنا ثم تحرك مرة أخرى عائدا إلي مقر القيادة فوصلها في الساعة الحادية عشر مساءا وأطلع كل من الرئيس السادات والفريق أول أحمد إسماعيل علي الموقف برمته .
وفي صباح اليوم التالي 15 أكتوبر عام 1973م إقترح الفريق الشاذلي ضرورة سحب الفرقة 21 المدرعة واللواء المدرع واللواء المشاة الميكانيكي التابعين للفرقة الرابعة المدرعة وهي القوات التي شاركت في عملية تطوير الهجوم شرقا نحو المضايق في اليوم السابق ولم تستطع تنفيذ مهمتها وذلك من أجل إستعادة التوازن دفاعيا لقواتنا غرب القناة ولكن تم رفض هذا الإقتراح من جانب الفريق أول أحمد إسماعيل وكان تبريره لذلك أن العدو قد يفسر هذا السحب للقوات علي أنه علامة ضعف ويزيد من ضغطه علي قواتنا شرق القناة مما قد يحول سحب القوات المشار إليها إلي ذعر ويتم تشتيتها وفي نفس الوقت تم رصد طائرة إستطلاع فوق الجبهة تطير علي إرتفاع عال وكانت قد قامت بنفس هذه المهمة يوم 13 أكتوبر عام 1973م وأعادتها في هذا اليوم وبذلك تأكدت القيادة الإسرائيلية من خلو غرب القناة من أى قوات مدرعة إحتياطية غرب القناة ومن ثم بدأت عملية الإختراق لقواتنا والعبور إلي غرب القناة ليلة 15/16 أكتوبر عام 1973م ففي هذه الليلة تمكنت قوة مكونة من حوالي 2000 ضابط وجندى ومعها بعض المركبات والدبابات البرمائية من الوصول إلي شط القناة عند الدفرسوار في المنطقة الفاصلة بين الجيشين الثاني والثالث وعبرت القناة إلي الغرب وفي صباح اليوم التالي 16 أكتوبر عام 1973م بدأت تصل معلومات مقتضبة إلي القيادة العامة المصرية مفادها أنه قد نجحت جماعات صغيرة من العدو في العبور إلي الضفة الغربية للقناة وأن الجيش الثاني يقوم بإتخاذ الإجراءات اللازمة للقضاء عليها وبعد ذلك وفي خلال اليوم بدأت تصل بلاغات إلي القيادة العامة بأن عدد من كتائب الصواريخ المضادة للطائرات قد هوجمت بواسطة دبابات العدو حيث كانت تهاجم هذه الكتائب عدد 7 إلي 10 دبابات وتقوم بقصفه من مسافة حوالي 1500 متر فيتم تدميره أو إسكاته وليتم مهاجمة موقع آخر وهكذا ولم تكن كتائب الصواريخ المضادة للطائرات المشار إليها تمتلك الأسلحة التي تمكنها من مواجهة هذه الهجمات .
وبعد ظهر يوم 16 أكتوبر عام 1973م تم عقد مؤتمر بالقيادة العامة للقوات المسلحة لبحث الموقف وإتخاذ الإجراءات اللازمة لتصفية عملية الإختراق التي تمت عند الدفرسوار في صباح اليوم التالي 17 أكتوبر عام 1973م وكانت خطة الفريق الشاذلي تشمل ضرورة إعادة الإتزان إلي الدفاعات المصرية غرب القناة وذلك بسحب اللواء المدرع واللواء المشاة الميكانيكي التابعين للفرقة الرابعة المدرعة واللذان شاركا في عملية تطوير الهجوم الفاشلة قبل يومين من قطاع الجيش الثالث وأيضا سحب اللواء 25 المدرع من قطاع هذا الجيش أثناء ليلة 16/17 أكتوبر عام 1973م وفي صباح يوم 17 أكتوبر عام 1973م يتم توجيه ضربة قوية لمنطقة الإختراق بقوة 3 ألوية مدرعة هي اللواءان المدرعان التابعان للفرقة الرابعة المدرعة بالإضافة إلي اللواء 25 المدرع وأيضا اللواء المشاة الميكانيكي التابع للفرقة الرابعة المدرعة من غرب القناة وفي الإتجاه من الجنوب إلي الشمال وعلاوة علي ذلك يتم توجيه ضربة ثانوية بواسطة الفرقة 21 المدرعة المتواجدة شرق القناة بالإشتراك مع أحد ألوية المشاة من الغرب إلي الشرق وذلك بهدف غلق الطريق المؤدى إلي منطقة الإختراق وكان يؤيد الفريق الشاذلي في هذه الخطة كل من قائدى الجيشين الثاني والثالث وقائد اللواء 25 المدرع بينما كانت خطة الفريق أول أحمد إسماعيل مبنية علي أساس عدم سحب أى قوات من الشرق إلي الغرب وأن يقوم اللواء 25 المدرع بتوجيه ضربة لمنطقة الإختراق من شرق القناة من الجنوب إلي الشمال وفي نفس الوقت تقوم الفرقة 21 المدرعة بتوجيه ضربة من الشمال إلي الجنوب لتلك المنطقة وفي الوقت نفسه يقوم أحد ألوية المشاة بتوجيه ضربة ثانوية من غرب القناة لمنطقة الإختراق وحاول الفريق الشاذلي إقناع الفريق أول أحمد إسماعيل بخطته علي أساس أنها ستحقق عدة مزايا حيث أن اللواء 25 المدرع الذى سيقوم بالضربة الأساسية بعد سحبه من الشرق إلي الغرب كان من ضمن الواجبات التي تدرب عليها قبل بدء القتال كيفية مواجهة العدو إذا نجح في الإختراق من منطقة الدفرسوار وبالتالي كان جميع ضباطه وجنوده علي علم تام بطبيعة الأرض التي سيقاتلون عليها غرب القناة وتلك ميزة كبرى لا يجب التضحية بها كما أن هذا اللواء لديه دبابات طراز ت 62 المزودة بالمدفع عيار 115 ملم والتي كانت قد وصلت من الإتحاد السوفيتي قبل الحرب بوقت قصير وتعد من أحدث الدبابات في العالم ومدى هذا المدفع يفوق مدى مدافع دبابات القوات الإسرائيلية التي تسللت إلي غرب القناة بالإضافة إلي أن توجيه الضربة من غرب القناة معناه أنها ستتم تحت مظلة الدفاع الجوى المصرى بينما إذا تمت من الشرق فمعني ذلك أنها ستتم خارج هذه المظلة ومن ثم قد تقع قواتنا فريسة سهلة للهجوم الجوى المعادى كما أن توجيه الضربة الرئيسية بإستخدام الفرقة الرابعة المدرعة واللواء 25 المدرع يحقق لنا قوة الصدمة التي سيتم توجيهها لقوات العدو كما أن قواتنا ستكون أجنابها ومؤخرتها مؤمنة أما توجيه الضربة الرئيسية بواسطة اللواء 25 المدرع من شرق القناة لن يحقق قوة الصدمة علاوة علي أن جانبه الأيمن وقاعدة هجومه لن يكونا مؤمنين وبالإضافة إلي كل ماسبق فإن سحب القوات التي إقترح الفريق الشاذلي سحبها من الشرق إلي الغرب سوف يعيد الإتزان إلي مواقعنا الدفاعية غرب القناة ويجعلنا قادرين علي مواجهة أى تهديدات يقوم بها العدو إذا حاول أن يخترق قواتنا أو حاول أن يصل إلي مؤخرة قواتنا .
ولم يتفق الفريق أول أحمد إسماعيل والفريق الشاذلي علي رأى واحد وتم إستدعاء الرئيس السادات إلي مركز القيادة والذى أيد إقتراح الفريق أول أحمد إسماعيل وإحتد في الحديث علي الفريق الشاذلي وهدده بالمحاكمة العسكرية إذا سمع منه بعد ذلك أى إقتراحات بسحب أى قوات من الشرق إلي الغرب، وهنا إضطر الفريق الشاذلي إلي إصدار التعليمات الخاصة بعمليات صباح يوم 17 أكتوبر عام 1973م طبقا لما إتفق عليه كل من الرئيس السادات والفريق أول أحمد إسماعيل وبعد منتصف ليلة 16/17 أكتوبر عام 1973م وفي الساعة الثالثة صباحا فوجئ الفريق الشاذلي بإتصال تليفوني من اللواء عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث يخبره فيه بأن اللواء 25 المدرع لن يمكنه التحرك في الصباح لأسباب فنية وكان من الواضح أن قائد الجيش الثالث وهو أصلا ضابط مدرعات وقائد اللواء 25 المدرع غير مقتنعين بالمهمة المطلوب تنفيذها لإفتقارها لكل الأصول العسكرية ويتوقعان حدوث كارثة لهذا اللواء المدرع وأنهما يريدان خلق المشكلات التي قد تتسبب في إلغاء المهمة الإنتحارية المطلوب منه تنفيذها. ويذكر الفريق الشاذلي في مذكراته إنه كان بلا شك يحس بصدق وإحساس كل كلمة يقولها اللواء واصل ولكن مسئوليته في ذلك الوقت كانت تحتم عليه أن لا يستجيب له فكمبدأ عام في الجيوش يمكن للقادة أن يختلفوا في وجهات النظر قبل إتخاذ أى قرار ولكن عند إتخاذ القرار فعلي كل منهم الإلتزام بتنفيذه وبعد حديث طويل مع اللواء واصل قال الرجل بنبرة حزن وبحسرة شديدة لا حول ولا قوة إلا بالله سوف أقوم بتنفيذ الأوامر ولكني أقولها مسبقا سوف يدمر هذا اللواء وللأسف الشديد تحققت مخاوف الفريق الشاذلي واللواء واصل والعميد أحمد حلمي بدوى قائد اللواء 25 المدرع ووقع هذا اللواء في كمين محكم من 3 جهات وتم تدميره تدمير شبه تام ولم تنج منه إلا بعض الدبابات التي لجأت إلي موقع كبريت القريب من أرض المعركة والذى تم حصاره بعد ذلك بأيام وإستمر حصاره قرابة 3 شهور حتي تم توقيع إتفاق فك الإشتباك الأول في شهر يناير عام 1974م وبذلك فشلت خطة تصفية الثغرة يوم 17 أكتوبر عام 1973م وإنفتح الطريق أمام قوات العدو لتوسيع الثغرة وتم خلال ليلة 17/18 أكتوبر عام 1973م إقامة أول كوبرى عبور إسرائيلي في منطقة الدفرسوار والذى تدفقت عليه القوات الإسرائيلية من الشرق إلي الغرب لتصل في صباح يوم 18 أكتوبر عام 1973م إلي عدد 3 ألوية مدرعة وعدد 1 لواء مشاة وليفاجأ اللواء 23 المدرع الذى أوكلت إليه مهمة ضرب الثغرة من الغرب بهذا الوضع حيث أن نسبة التفوق للقوات المعادية تبلغ 3 إلي 1 وتفشل مهمته هو الآخر وعند الظهر يعبر لواء مدرع آخر ليصبح للعدو غرب القناة عدد 4 ألوية مدرعة بالإضافة إلي عدد 1 لواء مشاة تم تقسيمها إلي فرقتين وبذلك أصبح الموقف خطيرا وينذر بالخطر بعدما تم فتح ثغرة كبيرة في مظلة الدفاع الجوى المصرى مما سمح للطيران الإسرائيلي المعادى بالعمل بحرية من خلال هذه الثغرة وأخيرا وبعد ضياع الكثير من الوقت تقرر سحب وحدات الفرقة الرابعة المدرعة الموجودة شرق القناة إلي الغرب ولكن بعد أن تدهور الموقف وأصبح للعدو فرقتان غرب القناة ومن الممكن أن يصبحا 3 فرق في اليوم التالي أو خلال الأيام التالية علي أقصي تقدير .
وعند ظهر هذا اليوم 18 أكتوبر عام 1973م تم تكليف الفريق الشاذلي بالتحرك نحو الجيش الثاني لكي يعمل علي رفع الروح المعنوية للضباط والجنود وبذل أقصي جهده لكي يمنع تدهور الموقف ووصل الفريق الشاذلي مقر قيادة الجيش الثاني حوالي الساعة الخامسة والنصف مساءا وقابل اللواء عبد المنعم خليل قائد الجيش الثاني الذى كان قد تم تعيينه منذ يومين خلفا للواء سعد مأمون بعد إصابته بأزمة قلبية وإستعرض معه الإجراءات التي إتخذها في محاولة منه للسيطرة علي الموقف ومنع تدهوره وأقره الفريق الشاذلي علي قراراته وكانت هناك معارك دائرة في منطقة غرب القناة في ذلك الوقت وإستمرت يومي 19 و 20 أكتوبر عام 1973م حاول خلالها الجنرال إيريل شارون الذى كان يقود إحدى الفرق التي عبرت القناة من الشرق إلي الغرب إحتلال مدينة الإسماعيلية لكن المقاومة الشديد ة والبطولات التي قام بها أفراد الكوماندوز المصريين حالت دون تحقيق هذا الهدف حيث كان يدافع عن الإسماعيلية في ذلك الوقت قوات تعادل تقريبا فرقة خليطة من الصاعقة والمظلات وبعض قوات المشاة والمدفعية وبحلول مساء يوم 20 أكتوبر عام 1973م عاد الفريق الشاذلي إلي مقر القيادة العامة للقوات المسلحة بمدينة نصر بعد أن أمضي حوالي يومين في قيادة الجيش الثاني بالإسماعيلية وبعد أن إستعرض موقف الجبهة في نطاق الجيشين الثاني والثالث كان يرى من وجهة نظره ضرورة إعادة توزيع قواتنا مابين غرب وشرق القناة بأن يتم سحب عدد 4 ألوية مدرعة من شرق القناة وهي الألوية التي كانت تدعم فرق المشاة أثناء تنفيذ خطة العبور ومرحلة صد الهجمات المضادة الأمر الذى تم رفضه من جانب الفريق أول أحمد إسماعيل علي والرئيس الراحل أنور السادات .
وهنا سنقف وقفة قبل أن نكمل مع يوميات حرب أكتوبر ودور الفريق الشاذلي خلال هذه الحرب ونقول بكل حياد وأمانة كلمة للتاريخ ليس الهدف منها التحيز لطرف والتحامل علي طرف آخر فقد عارض الفريق الشاذلي قرار تطوير الهجوم شرقا حتي المضايق بداية من يوم 11 أكتوبر عام 1973م وأيده في ذلك قائدا الجيشين الثاني والثالث وفي النهاية تم إتخاذ القرار بهذا الهجوم وكان هذا القرار أكبر خطأ جسيم تم إرتكابه في حرب أكتوبر عام 1973م نتيجة تدخل القيادة السياسية في النواحي العسكرية وإتخاذ قرار سياسي لم يكن ممكنا تنفيذه بواسطة العسكريين لعدم توافر ووجود الإمكانيات اللازمة لذلك وبعد فشل هذا الهجوم كان من رأى الفريق الشاذلي ضرورة سحب القوات المدرعة التي شاركت فيه والتي كانت تمثل الإحتياطي التعبوى غرب القناة لمواجهة أى إختراق أو تسلل للقوات المعادية غرب القناة ولإعادة التوازن لمواقعنا الدفاعية في هذه المنطقة وأيضا لم يتم تنفيذ ذلك وفي مساء يوم 16 أكتوبر إقترح تصفية الثغرة عن طريق توجيه ضربة رئيسية لها من غرب القناة بعد سحب اللواء 25 المدرع من الشرق ولم يؤخذ بهذا الإقتراح أيضا ثم بعد عودته من الجبهة مساء يوم 20 أكتوبر عام 1973م إقترح سحب عدد 4 ألوية مدرعة من الشرق إلي الغرب لمواجهة وإحتواء الثغرة والقوات الإسرائيلية التي أخذت تتدفق من الشرق إلي الغرب ولم يؤخذ بهذا الإقتراح أيضا وقد أجمع المحللون العسكريون والخبراء الإستراتيجيون علي أن الفريق الشاذلي كان علي حق في معارضته لتطوير الهجوم شرقا وفي مقترحاته بسحب القوات المدرعة التي شاركت في هذه العملية الفاشلة من الشرق إلي الغرب وفي خطته ليلة 16/17 أكتوبر عام 1973م من أجل تصفية الثغرة وكان يؤيده في ذلك قائدا الجيشين الثاني والثالث والأمر الوحيد الذى إختلفت الآراء حوله كان مقترحه بسحب عدد 4 ألوية مدرعة من الشرق إلي الغرب فالبعض يرى أنه كان علي حق وذلك لإستعادة توازن الدفاعات المصرية في الغرب والبعض يرى أن هذا الإقتراح كان من الممكن أن يضيع الإنجاز الذى تم في شرق القناة وإحتلال مسافة حوالي 15 كيلو متر شرق القناة الأمر الذى سيحرك قضية تحرير سيناء وفتح الباب أمام المفاوضات السياسية من أجل إسترداد سيناء بالكامل .
وللتاريخ فقد حاول الرئيس الراحل السادات تحميل مسئولية عدم تصفية الثغرة للفريق الشاذلي وذكر في حديث له مع مجلة "الحوادث اللبنانية" ثم في مذكراته "البحث عن الذات" إنه قد كلف الشاذلي بالإنتقال إلي الجبهة يوم 16 أكتوبر عام 1973م وأعطي له التوجيهات والتعليمات بأن يحاصر منطقة الدفرسوار بحيث لا يستطيع الخروج منها من يدخلها من القوات الإسرائيلية وبذلك تقع القوات الإسرائيلية في كمين محكم ولكن الشاذلي أضاع الوقت بعد وصوله إلي مقر قيادة الجيش الثاني في جمع المعلومات وفي إنشاء قيادة له هناك ينافس بها قيادة غريمه أحمد إسماعيل في المركز رقم 10 بالقاهرة وبالتالي لم ينفذ المهمة المطلوبة منه.
والحقيقة أن الفريق الشاذلي لم يذهب إلي الجبهة يوم 16 أكتوبر عام 1973م وأول من يعلم ذلك هو السادات نفسه حيث كان هناك خلاف وصدام شديد مساء هذا اليوم بين الشاذلي والسادات علي أسلوب تصفية الثغرة والسابق الحديث عنه في السطور السابقة كما أن ما قاله السادات للأسف كلام غير منطقي من الناحية العسكرية وقد أعطي الفرصة بهذا الكلام للفريق الشاذلي وغيره لكي يصفوه بأنه كلام مصاطب وليس له أى صلة بأى أصول عسكرية كما أن الفريق الشاذلي عندما إنتقل إلي الجبهة بعد ظهر يوم 18 أكتوبر عام 1973م لم يكن في حاجة إلي وقت طويل لجمع المعلومات حيث أنه بحكم منصبه قبل أن يترك المركز رقم 10 كان علي علم تام بمواقع قواتنا علي مستوى الجبهة ككل وكل ماحدث أنه قابل اللواء عبد المنعم خليل قائد الجيش الثاني كما ذكرنا والذى أطلعه علي ما إتخذه من قرارات وإجراءات لإحتواء الموقف المتدهور والتي أقره عليها الفريق الشاذلي وقام بإعتمادها والموافقة عليها وبالطبع فإنه غير صحيح قيام الشاذلي بتأسيس مقر قيادة ينافس به مقر قيادة غريمه أحمد إسماعيل في القاهرة وظل الفريق الشاذلي خلال المدة التي قضاها في جبهة القتال من مساء يوم 18 أكتوبر عام 1973م وحتي بعد ظهر يوم 20 أكتوبر عام 1973م في مقر قيادة الجيش الثاني وكان يستخدم وسائل الإتصال وخرائط العمليات الخاصة بقيادة الجيش الثاني وأخيرا إدعي الرئيس السادات أن الفريق الشاذلي قد عاد من الجبهة مساء يوم 20 أكتوبر عام 1973م منهارا وطالب بسحب جميع قواتنا من الشرق إلي الغرب الأمر العارى تماما من الصحة فكل ما إقترحه الشاذلي هو سحب عدد 4 ألوية مدرعة من الشرق إلي الغرب لإحتواء ومواجهة الثغرة وإعادة التوازن لدفاعاتنا في الغرب .
|
| |
|
| |
|
|
|
|
|
|
|