|
|
عدد : 07-2018 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
كان النظام القضائى فى مصر منذ الفتح الإسلامى للبلاد هو النظام القضائى الشرعى فكانت المنازعات تعرض على القاضى وهو يفصل فيها وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية ويقوم هذا النظام على الإنابة فالخليفة يعين قاضى القضاة وهو بدوره يعين القضاة ولكن لم تكن هناك درجات متعددة من التقاضى بل كان هناك ما يسمى بوحدة القاضى وفى هذا النظام أيضا نوع من القضاء الإدارى يتولاه من يطلق عليه صاحب المظالم وقد كان ينظر فى الشكاوى التى يتظلم بها الناس من تصرفات الحكام كما كان هناك فرع متخصص للنظر فى قضايا الجند يسمى قاضيه قاضى العسكر وهى الوظيفة التى عرفت فى النظام القضائى الإسلامى منذ القدم وبالإضافة لكل ما سبق كان هناك المحتسب الذى كانت وظيفته مراقبة الأسواق والطرق وقد طبق هذا النظام حتى الفتح العثمانى لمصر عام 1517م حيث أصبحت مصر ولاية عثمانية وأنشئت فيها محاكم شرعية بعد تقسيمها إلى عدد 36 ولاية قضائية .
وفي أثناء الحملة الفرنسية علي مصر مابين عام 1798م وعام 1801م جرت محاولات لتنحية القضاء الشرعى ولكنها باءت بالفشل وظل هذا النظام سائدا خلال معظم فترة حكم محمد علي باشا مابين عام 1805م وعام 1848م رغم إدخاله دواوين ومجالس مختلفة ذات إختصاصات قضائية وفى عهد خلفائه صدرت لائحتان لتنظيم المحاكم الشرعية الأولى في يوم 26 ديسمبر عام 1855م في عهد محمد سعيد باشا والثانية فى عهد الخديوى توفيق وكانت يوم 27 يونيو عام 1880م ونصت علي أن يكون الحكم بأرجح الأقوال فى المذهب الحنفى ثم صدرت لوائح أخرى فى عام 1897م في عهد الخديوى عباس حلمي الثاني ثم في عام 1907م في عهده أيضا وإمتد إختصاص المحاكم الشرعية ليشمل الأحوال الشخصية والقضايا المدنية والتجارية والجنائية وكذلك الدعاوى العينية والعقارية والوقفية وأصبحت المحاكم الشرعية على ثلاث درجات محكمة شرعية عليا مقرها القاهرة وكان يشمل إختصاصها البلاد كلها وأحكامها تصدر من خمسة قضاة ومحاكم إبتدائية فى كل من القاهرة والإسكندرية وعواصم المديريات مثل طنطا والزقازيق والمنصورة وبنى سويف وأسيوط وقنا وكانت أحكامها تصدر من ثلاثة قضاة ومحاكم شرعية جزئية متعددة تقع فى دائرة إختصاص كل محكمة إبتدائية وأحكامها تصدر من قاض واحد فقط وكان في هذا الوقت للمحاكم الشرعية الولاية الكاملة على كل ما يختص بالأموال وقد عمل الخديوى إسماعيل أثناء فترة حكمه على إنتزاع إختصاص الولاية على المال من المحاكم الشرعية وأنشأ مؤسسة إدارية عرفت بإسم المجالس الحسبية وكان ذلك في يوم 7 ديسمبر عام 1873م وقد ألحقت بنظارة الداخلية .
ومنذ أن خضعت مصر للنظام الملكى مابين عام 1922م وعام 1953م حينما تم إلغاء النظام الملكي أصبح من الضرورى إقامة سياج حول العائلة المالكة لتحصينها وبناءا على ذلك أنشئ مجلس ليقوم بمقتضى القانون رقم 25 لسنة 1922م ليقوم مقام المحاكم الشرعية والمجلس الحسبى فى أى خصومة يكون طرفاها أو أحد طرفيها من العائلة المالكة وكان هذا المجلس يتكون من أمير من العائلة المالكة ورئيس مجلس الشيوخ ووزير الحقانية وشيخ الأزهر والمفتى ورئيس محكمة النقض وبذلك لم تعد للمحاكم الشرعية ولا للمجالس الحسبية سلطة على تلك الفئة ومن أبرز القضايا التى نظرتها المحاكم الشرعية في ذلك الوقت القضية التى تتعلق بمصطفى النحاس باشا حيث كانت محكمة طنطا الشرعية قد وسعت دائرة نظارته فأصبح ناظرا على أوقاف متعددة منها وقف البدراوى الذى قبل نظارته أثناء حكومته عام 1936م وأصدر توكيلاً لأخيه بإدارة هذه الأوقاف وفي شهر يناير عام 1937م قدم محمد محمود بدير المحامى الشرعى عريضة دعوى الإذن بخصومة مصطفى النحاس باشا للمحكمة مطالباً بعزله من النظارة لأسباب منها أنه لم ينفذ شرط الواقف وحكمت المحكمة بعزل النحاس باشا من النظر فى وقف البدراوى وقد أثارت هذه القضية إنتباه الرأى العام وإستغلها الخصوم السياسيون فى الهجوم على رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الوزراء في ذلك الوقت مصطفى النحاس باشا .
وجدير بالذكر أنه بسبب وضع مصر بعد عقد معاهدة لندن عام 1840م بين محمد علي باشا والدولة العثمانية أصبحت مصر شبه مستقلة عن الدولة العثمانية وهو ما جعلها تتعرض لواقع الغزو الغربى الإقتصادى والفكرى ثم العسكرى فبدأ التشريع الغربى يتسرب إلى النظام القانونى المطبق في مصر فأصبح الأجانب المقيمون في مصر في ذلك الوقت وعددهم آنذاك لا يزيد عن 80 ألفا يتبعون 17 دولة يخضعون ومعهم المصريون لعدد 17 محكمة قنصلية أى لعدد 17 نظاما قضائيا كل حسب جنسيته ولغته وإستمر ذلك الوضع حتى بعد إنشاء المحاكم الأهلية في عهد الخديوى توفيق عام 1883م ومع إنشائها إنحصرت سلطة المحاكم الشرعية فى قضايا الأحوال الشخصية وقد حاول الإنجليز التغلغل فى القضاء الشرعى بعد إحتلالهم مصر فى شهر سبتمبر عام 1882م فعملوا تدريجيا على بسط نفوذهم على سائر وظائف الحكومة ومناصبها من خلال وظيفة المستشار المعين من قبلهم فى كل وزارة وهيئة وكانوا قد تركوا للخديوى توفيق الذى كان يحكم مصر في ذلك الوقت ثلاثة مجالات هى الأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية فلما تمت لهم السيطرة على جهات الحكومة المختلفة شرعوا في عام 1899م في عهد سلفه الخديوى عباس حلمي الثاني فى العمل على النفاذ إلى المحاكم الشرعية وأعد المستشار الإنجليزى لوزارة الحقانية مشروعا لإعادة تنظيمها وكان هدفه الحقيقى إلغاءها كما فعلوا فى الهند لكن علماء الأزهر وقفوا سدا منيعا فى وجه هذه المحاولة .
وقد عهدت الحكومة إلى الشيخ محمد عبده الذى تم تعيينه مفتيا في نفس السنة أى عام 1899م بالتفتيش على المحاكم الشرعية ودراسة أحوالها وإقتراح ما يراه لازما لإصلاحها فجاب المحاكم مفتشا وقدم تقريره إلى ناظر الحقانية في يوم 5 نوفمبر عام 1899م وكان هذا التقرير يتميز بأن فيه غيرة شديدة على النظم الشرعية وقد طالب فيه بأن تسترد المحاكم الشرعية ولو بعضا من إختصاصها المسلوب وكان الناس حتى ذلك الوقت أشد وثوقا فى المحاكم الشرعية وكانت شكاواهم منها تنحصر فى صعوبة المعاملة مع الكتاب وطول زمن التقاضى وكان من نتائج دعوة محمد عبده إنشاء مدرسة القضاء الشرعى عام 1907م لتكون الأساس الذى يعتمد عليه فى تكوين الهيئات القضائية وإعتبرت قسما من الأزهر تشرف عليها مشيخة الأزهر ويعين ناظر المعارف ناظرها وكانت المدرسة تنقسم لقسمين أحدهما لتخريج القضاة والآخر لتخريج الكتبة ومن خريجيها الشيوخ على الخفيف وعبد الوهاب خلاف وعبد المجيد سليم وحسن مأمون وجاد الحق على جاد الحق والذين تولوا منصب الإمام الأكبر للأزهر الشريف كما كان من خريجيها أيضا الأستاذ أحمد أمين .
وقد ظلت المدرسة قائمة حتى صدر القانون رقم 49 لعام 1930م بإعادة تنظيم الجامع الأزهر الشريف والمعاهد العلمية الإسلامية وبمقتضى هذا القانون تم إنشاء ثلاث كليات هى الشريعة وأصول الدين واللغة العربية كما نص هذا القانون على إنشاء قسم للتخصص فى القضاء الشرعى والمحاكم يكون تابعاً لكلية الشريعة وكان المحامون لدى المحاكم الشرعية يسمون وكلاء الدعاوى وكان قد صدر قبل ذلك القانون رقم 15 لعام 1916م في عهد السلطان حسين كامل لكي ينظم عملهم وليصبحوا محامين شرعيين وبمقتضي ذلك أنشئت لهم نقابة قامت بدور وطنى إيجابى وقامت في عام 1929 في عهد الملك فؤاد بإصدار مجلة المحاماة الشرعية والتي كانت تنشر الأبحاث المتصلة بالقضاء الشرعى وحفظت لنا وللأجيال القادمة تراثا رائعا.
وبعد قيام ثورة يوليو عام 1952م حدثت تحولات جذرية فى بنية السلطة وهيكل النظام السياسى كان من نتائجها حدوث تغيير كبير فى نمط علاقة الدولة بالمجتمع فزال نمط الإستقلال النسبى للهيئات والمؤسسات الذى ساد طوال العهد الملكى وحل محله نمط الدولة السلطوية التى أصبحت مسئولة عن كل صغيرة وكبيرة فى حياة المجتمع وفى هذا الإطار إتجهت الأنظار لمؤسسات المجتمع حيث ألغت السلطات فى يوم 14 سبتمبر عام 1952م الوقف الأهلى ثم إتجهت للقضاء الشرعى وأوجدت المناخ الملائم لإلغائه عبر الإساءة لهذا القضاء ورجاله فقد تفجرت قضية القاضيين الشرعيين الشيخ الفيل والشيخ سيف واللذين إتهما بإقامة علاقات مخلة بالشرف ومن خلال حملة صحفية إستمرت طوال شهرى يوليو وأغسطس عام 1955م طالت القضاء الشرعى كله وكان الشيخ عبد القادر الفيل رئيس المحكمة الشرعية بالإسكندرية قد أصدر حكما تاريخيا على الصاغ صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة بدفع نفقة شهرية لمطلقته كما كان هذا الشيخ معروفاً بالتهكم على الحكام الجدد وكان يحكى لأصدقائه عن الحاج عبد الناصر حسين والد الرئيس جمال عبد الناصر وكيف كان الباشوات يعطفون عليه ومنهم الجيار باشا الذى توسط له ليدخل إبنه الكلية الحربية وكانت النتيجة أن ذهب الشيخ ضحية قضية لفقت له بإستخدام إمرأة ساقطة مسجلة آداب وفى شهر سبتمبر عام 1955م صدر قرار بإلغاء المحاكم الشرعية بداية من يوم 1 يناير عام 1956م وإندثرت بذلك مهنة القاضي الشرعي .
وتحت عنوان إنتهاء القضاء الشرعي كتبت الصحفية سعاد القاضي في يوم 1 يناير عام 1956م في مجلة روز اليوسف مانصه اليوم 1 يناير 1956م ينتهي العمل بالقضاء الشرعي بعد أن إنتقل إلى عالم آخر بعد حياة حافلة بالمنازعات والخلافات وشهادات الزور وبيوت الطاعة والحضانة والطلاق وفي هذا اليوم أزيلت اللافتات المثبتة على أبواب المحاكم الشرعية وإستبدلت بلافتات مكتوب عليها محاكم الأحوال الشخصية وأصبح القاضي الشرعي يدعى القاضي الوطني وأصبح له حق رئاسة المحاكم الجزئية وإستبدل المحامون الشرعيون سابقا الجبة والقفطان التي كانوا يرتدونها أثناء المرافعة أمام المحاكم الشرعية ببدلة وطربوش بعد أن أصبح من حقهم المرافعة في المحاكم الوطنية وفي محاكم الأحوال الشخصية وقد توقفت في ذلك اليوم المحاكم الكلية عن العمل لتقوم بتنظيم العمل فيها في ظل الوضع الجديد أما المحاكم الجزئية فقد أجلت جميع القضايا التي عرضت عليها حتى يتم إخطار ممثل النيابة بهذه القضايا لأن القانون الجديد ينص على جواز تدخل النيابة في الأحكام الجزئية .
وجدير بالذكر أن من أبرز من تولوا مناصب القضاء الشرعي في مصرالشيخ حسنين محمد مخلوف المولود عام 1890م وكان يعد واحدا من كبار علماء الأزهر الشريف وقد نزح إلى القاهرة من بلدته بني عدي بصعيد مصر مركز منفلوط بمحافظة أسيوط وإلتحق بالأزهر يحدوه الأمل في أن ينال ما ناله أبناء بلدته الذين تعلموا بهذه المؤسسة العريقة وتخرجوا فيه حاملين لواء إرشاد الناس وتوجيههم وفي الأزهر جد وإجتهد في طلب العلم ومصاحبة العلماء وثابر على القراءة والتحصيل حتى أصبح عالما يشار إليه ومصلحا يعهد إليه بجلائل الأعمال حيث أنه بمجرد تخرجه أخذ يلقي دروسه في الأزهر متبرعا إلى أن عين قاضيا بالمحاكم الشرعية عام 1916م ثم إنتدب للتدريس في قسم التخصص بمدرسة القضاء الشرعي لمدة ثلاث سنوات ثم عين نائبا للمحكمة العليا الشرعية وعضوا بجماعة كبار العلماء بالأزهر عام 1948م كما تولى أيضا إنشاء المكتبة الأزهرية وجمع لها الكتب المبعثرة في المساجد وصنفها وفهرسها وكان أول مفتش للعلوم بالأزهر والمعاهد الدينية وأصغر الأعضاء في المجلس الأعلى للأزهر الذي يشرف على جميع أعمال الأزهر ويتولى توجيهه ووضع سياساته كما إختير وكيلا للجامع الأزهر وقد عين مفتيا للديار المصرية مرتين المرة الأولى في الفترة من يوم 3 من شهر ربيع الأول عام 1365 هجرية الموافق يوم 5 من شهر يناير عام 1946م وحتى 20 رجب عام 1369 هجرية الموافق 7 مايو عام 1950م والثانية من شهر مارس عام 1952م وحتى شهر ديسمبر عام 1954م وبعد خروجه من منصب الإفتاء عمل رئيساً للجنة الفتوى بالأزهر الشريف مدة طويلة وكان شيخنا الجليل محل تقدير وإحترام من كافة الأوساط لسعة علمه وشدته في الحق وقد نظرت إليه الدولة سواء في العهد الملكي أو بعد قيام ثورة يوليو عام 1952م بعين التقدير لجلائل أعماله في الدعوة والقضاء والإفتاء فمنح كسوة التشريفة العلمية مرتين الأولى وهو رئيس للمحكمة الشرعية بمدينة طنطا والأخرى وهو في منصب الإفتاء كما نال جائزة الدولة التقديرية في العلوم الإجتماعية عام 1402 هجرية الموافق عام 1982م ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى وإمتد تكريمه إلى خارج البلاد فنال جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 1403 هجرية الموافق عام 1983م وقد طالت الحياة به حتى تجاوز المائة عام قضاها في خدمة دينه داخل مصر وخارجها حيث إمتدت رحلاته إلى كثير من البلاد العربية ليؤدي رسالة العلم ويلقي دروسه أو يفتي في مسائل دقيقة تُعرض عليه أو يناقش بعض الأطروحات العلمية في الجامعات وظل على هذا النحو حتى لقي ربه في يوم 19 رمضان عام 1410 هجرية الموافق يوم 15 أبريل عام 1990م .
|
| |
|
| |
|
الصور : |
|
|
|
|
|
|
|
|