|
|
عدد : 06-2018 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
متحف الشمع متحف مصري عريق ومتميز يقع في ضاحية حلوان جنوبي مدينة القاهرة عاصمة مصر وقد تم تأسيسه عام 1934م في عهد الملك فؤاد الأول على يد الفنان المصري جورج عبدالملك وكان يقع في البداية في ميدان التحرير قبل أن يتم نقله إلى حي جاردن سيتي ومنه إلى منطقة عين حلوان بضاحية حلوان في مكانه الحالي عام 1950م ويضم المتحف العديد من الأعمال الفنية من الشمع وكذلك مقتنيات نادرة لمراحل تطور التاريخ المصري بداية من عصر الفراعنة وصولا إلى العصر الحديث كما يوجد بالمتحف العديد من تماثيل شمعية صنعت بدقة متناهية دفعت متخصصين إلى تصنيفه في المركز الرابع في قائمة أفضل متاحف الشمع في العالم بعد متاحف فرنسا وإنجلترا وأستراليا من حيث ما يضمه من مقتنيات كما أنه تم تصنيفه أيضا ثاني أشهر متحف شمع في العالم وقد تم إنشاء المتحف كمحاولة لتجسيد الأحداث التاريخية المصرية وإبراز أهميتها على المستويين العربي والعالمي ويعد هذا المتحف متحفا تعليميا فهو يحكي من خلال عشرات التماثيل التي نحتت بدقة شديدة تاريخ مصر في شكل مجسم الأمر الذي يجعله قبلة لآلاف الطلاب والسائحين على حد السواء ويضم المتحف 116عدد تمثال وعدد و26 منظر تحكي تاريخ مصر بداية من عهد الأسرة الثانية عشر الفرعونية المنتمية للدولة الفرعونية الوسطي حتى عهد ثورة 23 يوليو عام 1952م وجارى الآن تطويره لتجسيد المرحلة الثانية من تاريخ مصر الثورة إلى الوقت الحالي وتعطي تماثيل هذا المتحف المصنوعة من مادة الشمع إنطباعا للمشاهد بأنه أمام شخصيات من لحم ودم .
وقد أنشئ هذا المتحف على يد الفنان المصري العالمي جورج عبد الملك كما ذكرنا في السطور السابقة وكان من أمهر واشهر الفنانين المصريين في عصره بعدما برع في تجسيد العديد من القصص والروايات التي تسرد تاريخ فجر الحضارة الفرعونية مرورا بالحضارات اليونانية والقبطية والإسلامية وصولا إلى عصر ثورة 23 يوليو عام 1952م في العديد من التماثيل الشمعية التي تعد من أبرز مقتنيات المتحف وقد قسم الفنان جورج عبد الملك العصور التاريخية التي مرت على مصر في 26 مشهد وضع لها خلفيات موحية ذات دلالة أضفت على المشاهد تأثيرات الحياة في عصورها الغابرة ويعتمد تقسيم المتحف على تخصيص عدد من القاعات لكل فترة زمنية معينة يحيط بكل قاعة حديقة مورقة أعطت المتحف بريقا خاصا ويمكن المرور من مشاهد عصر إلى عصر آخر عبر الغرف المتصلة ببعضها بشكل متتابع يسرد الحقب التاريخية في ترابط تاريخي وتنتهي هذه القاعات بممرات مؤدية إلى صالات أخرى تعرض بها مقتنيات المتحف حيث يبدأ الزائر بمشاهدة قسم العصر الفرعوني الذي يحاكي تاريخ الأسرة الثانية عشر والتي حكمت مصر لمائتين وخمسين عاما متواصلة وقد أبدع الفنان في تجسيد ملوك هذه الأسرة بداية من عصر الملك أمنحوتب الرابع والمعروف بإسم إخناتون وهو أول المنادين بتوحيد العبادة ونبذ عبادة الطيور والحيوانات وعبادة الشمس كإله واحد وفي جانب من هذا المشهد يظهر القائد حور محب بجانب زوجته وأحد النمور المتوحشة التي كانت تصاحب الجيوش في معاركها عندما كان حور محب قائدا لجيوش مصر القديمة .
وبإنتهاء عروض هذه الصالة يمكن للزائر الإنتقال إلى صالة أخرى مرورا بأحد الممرات المخصصة لذلك حيث يمكنه مشاهدة مشهد ديني يعبر عن إنتشال نبي الله موسى وهو رضيع من النيل بهذا الممر وتظهر في خلفية المشهد المعابد الفرعونية ونهر النيل وعرش آسيا إمرأة فرعون التي جاء ذكرها في القرآن الكريم وعبر هذا الممر أيضا يمكن للزائر مشاهدة رسم لأحد السجون به ثلاثة نزلاء وهم سيدنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام الذي وضع في هذا السجن عندما رفض معاشرة زليخة إمرأة عزيز مصر وبصحبته الخباز وساقي الملك كما ذكر القرآن الكريم هذه القصة في سورة يوسف وهناك منظر آخر يمثل سيدنا سليمان على عرشـه كما يمكن مشاهدة مشهد آخر يمثل مصرع كليوباترا ومن خلفها وصيفتها التي أحضــرت لها الثعبان وإلي اليمين تمثال لأحد الكهنة يؤدى بعض الطقوس من أجل أن تشفي وبعد هذا المشهد هناك مشهد آخر يروي تفاصيل هروب السيدة مريم العذراء إلى مصر ومعها القديس يوسف النجار إبن عمها والذي أخذ السيدة مريم وهرب بها إلى مصر خشية من الملك هيرودس بفلسطين الذي علم بتكلم طفل في مهده وهو سيدنا عيس المسيح ويروي المشهد رحلة الهروب التي بدأت من فلسطين إلى سيناء ثم الشرقية ثم المنصورة ووادي النطرون ثم إلى دير المحرق بأسيوط وقد وضحت المشاهد المدة التي إستغرقتها الرحلة والتي بلغت 3 سنوات وستة أشهر ومشهد للسيدة مريم العذراء وبين أحضانها سيدنا عيسي المسيح وهو رضيع وإلي جانبها إبن عمها القديس يوسف النجار وهم داخل كهف أبي سرجة بمصر القديمة الذى إختبأوا داخله بعيدا عن أعين الرومان وبممر آخر يتفرع عن الرئيسي متجها إلى إحدى صالات العرض هناك أحد المشاهد الذي يجسد عصر الشهداء والذي قتل فيه ما يقرب من 850 ألف شهيد وكذلك قاعدة دقلديانوس وقصة قتل القديسة دميانة وإضطهاد الرومان للمسيحين في بداية عهد التبشير المسيحي .
وبنهاية الممر نجد صالة بها مشاهد تروي قصصا وروايات عن عهد الإسلام والخلفاء الراشدين ومعظم القادة المسلمين حيث يظهر في أحد المشاهد تمثال لأشهر قارئ للقرآن في عهد الرسول وهو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود وهناك مشهد آخر يروي قصة سيدنا عمر بن الخطاب والمرأة البائسة والذي يقول إن سيدنا عمر كان يتجول ليلا متخفيا ليتفقد أحوال الرعية فسمع صوت إمرأة تدعو الله وتشكو إليه ظلم الخليفة فلما تقدم إليها ولم تكن تعرفه فسألها الأمر فقالت إن أبناءها جياع يصرخون ولا مجيب لهم وعمر لايبالي فذهب سيدنا عمر إلى بيت مال المسلمين وأحضر لها جوالا من الدقيق وأثناء إعداده الطعام لهم إحترقت لحيته بالنار فقالت المرأة أنت أحق بالخلافة من عمر فقال عمر ثقلت بطن أم عمر وكان يقصد بها ليت أم عمر لم تلد عمر وبجانب هذا المشهد هناك مشهد آخر لابد للزائر أن يتوقف عنده وهو مشهد سيدنا عمرو بن العاص فاتح مصر ومحررها من الرومان الذي يسرد طريقة العمل والخطط التي كان يقوم بها عمرو في حروبه ودخوله مصر ووقائع إستيلائه علي حصن بابليون ثم إنشاؤه لمدينة الفسطاط وكذلك يوضح المشهد قصة بناء أول مسجد بني في مصر وهو مسجد عمرو بن العاص وقصة بناء مقياس النيل وبجانب آخر من الصالة يوجد مشهد يروي كيف إنتصر السلطان صلاح الدين الأيوبي علي الصليبيين في موقعة حطين الشهيرة عام 1187م والتي حرر فيها بيت المقدس كما يوجد مشهد آخر يروي طرق علاج صلاح الدين للملك الإنجليزى وقائد الجيوش الصليبية ريتشارد قلب الأسد ثم مشهد عقد صلح الرملة بينهما ثم مغادرة ريتشارد بلاد الشام عائدا إلي بلاده ويبين هذا المشهد مروءة وسماحة الإسلام دين المحبة والسلام وكذلك مشهد لشارع الخيامية القريب من شارع الأزهر يمثل صناعة كسوة الكعبة التي كانت تخرج من مصر بداية من فترة حكم شجرة الدر في نهاية العصر الأيوبي في منتصف القرن الثالث عشر الميلادى وحتى قيام ثورة يوليو عام 1952م في موكب كان يسمي موكب المحمل متجها إلي ميناء السويس لكي يتم شحن الكسوة إلي ميناء جدة السعودى ومنه إلي مكة المكرمة .
وفي الصالة المقابلة لصالة الإسلام هناك مشهد رائع للويس التاسع يصور كيفية أسر لويس التاسع ملك فرنسا وقائد الحملة الصليبية السابعة علي مصر هو وكبار قادته ثم حبسهم جميعا في دار القاضي إبراهيم بن لقمان بالمنصورة بعد هزيمته من جيش مصر الذى كان علي رأسه القادة الأبطال عزالدين أيبك التركماني وسيف الدين قطز وركن الدين بيبرس بعد وفاة السلطان نجم الدين أيوب في وقت حرج والحرب دائرة بين جيش مصر والصليبيين وإخفاء شجر الدر زوجته الخبر عنهم إلي أن تحقق الإنتصار وأيضا مشهد لمقتل القائد الثاني للحملة الفرنسية الجنرال كليبر علي يد طالب الأزهر السورى سليمان الحلبي بحديقة الأزبكية بالقاهرة ومشهد لمحمد علي باشا وهو يستعرض الأسطول المصرى الذى أنشاه بترسانة الإسكندرية ومشهد آخر للخديوى إسماعيل أثناء إستقباله للإمبراطورة الفرنسية أوجيني زوجة الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث والتي كانت ضيفة الشرف أثناء الإحتفالات الأسطورية التي أقامها الخديوى إسماعيل في شهر نوفمبر عام 1869م بمناسبة إفتتاح قناة السويس أمام الملاحة البحرية ثم مشهد يصور وقائع حادثة دنشواى التي وقعت عام 1906م حيث كان سكان قرية دنشواى التي تقع في نطاق محافظة المنوفية حاليا يعانون من ظلم وجبروت الإحتلال الإنجليزي حيث قاموا بقتل مائتين من أبناء دنشواي إنتقاما لمقتل إثنين من عساكر الإنجليز حيث قام الاحتلال بقتل سيدة وإعدام الباقي من أبناء القرية الأبرياء ويصور هذا المشهد جميع الإنتهاكات التي مورست في هذه القرية .
وبصالة العرض الأخيرة توجد عدة مشاهد نموذجية منها مشهد لنموذج من البيوت التي تم بناؤها في العصر العثماني ومشهد لليالي شهر رمضان المعظم وإرتباطها بمظاهر عديدة يتميز بها الشارع المصري في هذا الشهر الكريم خاصة إستخدام الفوانيس والمسحراتي الذى يجوب الشوارع ممسكا طبلته لكي ينادى علي النائمين لكي يستيقظوا لتناول طعام السحور وأداء صلاة الفجر بالإضافة إلى مشهد نموذجي للفن الشعبي والذي يتمثل في الأراجوز ومشهد يجسد النشاط التجارى بسوق خان الخليلي إلي جانب مشاهد عديدة من الريف المصرى ومن الحياة اليومية لأهل الريف من الفلاحين والمزارعين وفي النهاية نصل إلي مشاهد خصصت للرئيس جمال عبد الناصر حيث صمم هذا المشهد بعد قيام الثورة لتناول الأحداث التي أعقبتها وكذلك إنجازات الثورة والتي تمثلت في الإصلاح الزراعي وبناء برج القاهرة وتأميم قناة السويس وتحويل جامعة الملك فؤاد الأول إلى جامعة القاهرة وكذلك تدمير المدمرة الإسرائيلية إيلات في شهر أكتوبر عام 1967م أمام شواطئ بورسعيد وبناء السد العالي وإنقاذ معابد أبو سمبل ويوضح المشهد إلتفاف الشعب المصري حول الزعيم ومؤازرته ورفضها تنحيه بعد هزيمة الخامس من شهر يونيو عام 1967م وبرغم معرفة كل هذه الأحداث والوقائع من التاريخ المصري القديم إلا أن متحف الشمع يضيف بعدا آخر لهذاه الأحداث والوقائع التاريخية ويعمل على تشكيل صورة في الوعي تربط الماضي بالحاضر .
وكان هذا المتحف يستقبل يوميا نحو 2000 زائر من السياح والرحلات المدرسية يدرون على خزينة المتحف نحو 2000 جنيه يوميا وللأسف الشديد أنه بعد حريق مجلس الشورى في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك زارت لجنة من وزارة الإسكان متحف الشمع وقررت أن إجراءات السلامة فيه غير كافية فأغلق في عام 2009م لحين تنفيذ أعمال التطوير والتحديث اللازمة له وإضافة قسم جديد يكون مخصصا للسلامة وهذا أدى إلي تدهور حال هذا المتحف العالمي المتميز في السنين الأخيرة حيث أنه ليس له أى مخصصات مالية وهذا كفيل بأن يسبب كارثة كبيرة له منذ إغلاقه حيث تم إهمال هذا المتحف تماما إلي جانب أكثر من عدد 30 متحف آخر تم غلقها وكلها تندرج تحت إشراف وولاية قطاع الفنون التشكيلية منها متحف محمد مختار ومتحف سعد زغلول ومتحف أحمد شوقي وفي واقع الأمر أن متحف الشمع يعد من أصعب المتاحف المطلوب ترميمها نظرا للتكلفة الباهظة التي يحتاجها تطوير تماثيل الشمع والتي قد تصل إلى ملايين الجنيهات إلى جانب عدم وجود الكوادر الفنية المدربة على العمل في الشمع في مصر حاليا نتيجة لإهمال هذه الفئة من الفن على مدار سنوات الماضية ويوجد متاحف أخرى مثل متحف الجزيرة ومتحف محمد محمود خليل تحتاج لتطوير شامل وهو ما يتطلب ميزانية ضخمة غير متوافرة حالياً في ظل الظروف الإقتصادية التي تعانى منها مصر حاليا وتراجع حركة السياحة الوافدة إلي البلاد ويعد إعادة إفتتاح متحف الشمع ضرورة ملحة نظرا لحاجتنا لمثل هذه المراكز الثقافية التي تسهم بقوة فى إثراء الوعى التاريخى لدى طلاب المدارس وكذا لرواده من الجماهير بشرائحهم المختلفة ولكن مايزال تنفيذ ذلك الأمر في إنتظار تخصيص ميزانية كافية لإعادة إفتتاحه بشكل لائق .
وجدير بالذكر أن خطة تطوير هذا المتحف لها عدة محاور تتلخص في ضرورة إضافة مشاهد توضح فترة ثورة يناير علم 2011م وما بعدها من أحداث إلي جانب عرض لتماثيل المشاهير المصريين والعرب والأجانب وعمل عرض صوت وضوء بالمتحف يتم من خلاله شرح كل حقبة تاريخية بما فيها من الأحداث التاريخية الخاصة بها مع إلقاء الضوء على الشخصيات الممثلة في هيئة تماثيل شمعية مع إستغلال الحديقة الخارجية للمتحف في إضافة خدمات تساعد على النهوض بالحركة السياحية للمتحف مثل إقامة ستديو للتصوير بالزي الخاص بكل حقبة تاريخية وإقامة مطعم يقدم المأكولات المتنوعة لكل حقبة منها وعلى أن يكون العاملين بالمطعم مرتدين للزي الخاص بكل حقبة أيضا علاوة علي عمل مشاهد تمثيلية لكل حقبة تاريخية في شكل عرض مسرحي في الحديقة الملحقة بالمتحف وهذه الفكرة مقتبسة من متحف الشمع في لندن و إقامة ورش عمل بالصلصال للأطفال مع تعليمهم الرسم وإنشاء قاعات مخصصة للفنانين للرسم بالرمال وتوفير أرائك للإستراحة في حديقة المتحف عليها تماثيل لأهم الشخصيات التاريخية وإقامة مطعم وكافيتريا يقدم المأكولات والمشروبات المصرية الأصيلة وأخيرا إقامة منطقة إنتظار سيارات وأتوبيسات سياحية إلي جوار المتحف .
|
| |
|
| |
|
الصور : |
|
|
|
|
|
|
|
|