|
|
عدد : 06-2018 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
جبل طارق حاليا هي منطقة حكم ذاتي تابعة للتاج البريطاني وتقع في أقصى جنوب شبه جزيرة أيبيريا التي تضم أسبانيا والبرتغال على منطقة صخرية تعد شبه جزيرة متوغلة في مياه البحر الأبيض المتوسط تسمى محليا بجبرلتار وهو تحريف لإسم جبل طارق بن زياد والذى كان أميرا لمدينة طنجة في القرن الأول الهجري الموافق للقرن الثامن الميلادى إبان فترة الفتح الإسلامي للأندلس وتقدر مساحة هذه المنطقة بما يقارب السبعة كيلو مترات مربعة تقريبا وهي تشترك مع أسبانيا بحدود برية من الجهة الشمالية أما حدودها الشرقية فهي مطلّةٌ على البحر الأبيض المتوسط أما من الغرب فيحد مدينة جبل طارق الخليج البحري للمدينة كما ترتبطُ مع المملكة المغربية بحدود بحرية أيضا من الجنوب ويفصل بينهما مضيق جبل طارق البحري الذى يقع بين شبه جزيرة أيبيريا من الجهة الشمالية وشمال قارة أفريقيا من الجهة الجنوبية وهو يصل بين مياه المحيط الأطلسي ومياه البحر الأبيض المتوسط وكان يسمي في القدم ببحر الزقاق ويحد المدخل الغربي للمضيق كل من رأس سبارتيل بالمغرب ورأس الطرف الأغر بأسبانيا ويصل عمق المياه فيه إلى حوالي ثلاثمائة متر وأقصر مسافة بين ضفتيه هي أربعة عشر كيلومتر .
ولا تحتوي مدينةُ جبل طارق على العديدِ من الموارد الطّبيعية ولكنّها تتميز بإنتشار مساحات خضراء على معظمِ أراضيها بالإضافة لإنتشار الأراضي الترابية المليئةِ بالصخور والشواطيء المعتدلة الحرارة نسبيا خلال موسم الصيف حيث يبلغ متوسط درجة الحرارة خلاله حوالي 30 درجة مئوية واللغة الرسمية فيها هي اللغة الإنجليزية مع أن هناك وجود لمتحدثين بلغات أخرى غير رسمية أهمها الأسبانية ويبلغ عدد السكان فيها حوالي 45 ألف نسمة تقريبا ويعود أصل معظم السكان فيها إلى الجنسية البريطانية إلي جانب وجود جنسيات أخرى منها المالطية والإيطالية والبرتغالية والأسبانية والمغربية ويعمل معظمهم في الجيش البريطاني أما بالنسبة للديانة فمعظم سكان جبل طارق ينتمون للديانة المسيحية وتحديدا الرومانية الكاثوليكية بالإضافة إلى عدد قليل ينتمي إلى الديانة الإسلامية وهناك عملتان مستعملتان في هذه المنطقة هما الجنيه الإسترليني وجنيه الجبرلتار ومعظم مساحتها يتكون من جبل طارق بن زياد الذى يرتفع عن مستوى سطح البحر بحوالي 426 مترا تقريبا وتمتلك المدينة مطار يعد من أغرب المطارات التي قد تراها في العالم حيث تهبط الطائرات وسط شوارع مقاطعة جبل طارق حيث لا يوجد إلا مدرج واحد للطائرات وذلك لأن المطار يعاني من نقص في المساحات اللازمة لإنشاء الممرات اللازمة لإقلاع الطائرات وهبوطها ومن هنا لجأ المهندسون الذين صمموا المطار إلي إستغلال مساحات من شارع ونستون تشرشل كمدرج لإقلاع وهبوط الطائرات وهذا يعني أن على السيارات التي تسافر على طول هذا الشارع أن تتوقف مرات عديدة خلال اليوم الواحد حيث يتم إغلاق الشوارع بحواجز لفتح المجال أمام حركة الطائرات والسماح لها بالإقلاع أو الهبوط ومن ثم يبقى الشارع مسدودا مدة عشر دقائق علي الأقل في كل مرة وقد يستمر الأمر لأكثر من ساعتين هذا ويخدم هذا المطار المدن البريطانية لندن وبيرمنجهام ومانشستر ويصل عدد الرحلات بين هذه المدن وبين جبل طارق ثلاثين رحلة أسبوعيا .
وتاريخيا كان أول من سكن جبل طارق هم النياندرتال قبل أكثر من خمسين ألف عام ويعد جبل طارق من أكثر المناطق التي سكنها النياندرتال أو الإنسان البدائي الذي إستوطن قارة أوروبا وأجزاء من غرب قارة آسيا وآسيا الوسطى وتعود آثاره التي وجدت في أوروبا لحوالي 350 ألف سنة مضت والذى إنقرض منها قبل حوالي 24 ألف سنة مضتوقد بدأ التاريخ المسجل لجبل طارق في عام 950 قبل الميلاد حيث جاء الفينيقيون وسكنوا بالقرب منه ثم بعد ذلك سكن جبل طارق الروم والقرطاجيون الذين عملوا على تكريس عبادة الإله هرقل كما أقموا أضرحة على صخرة جبل طارق وكانوا يسمونها مونس كالبي والتي تعني الجبل الأجوف وهي تعتبر إحدى مظاهر تقديس هرقل ومن بعد ذلك إنهزمت الدولة الرومانية وإستولى المسلمون على جبل طارق ولم يقم فيه أي نوع من العمران طوال حوالي 3 قرون ولم يزدهر إلا في عهد السلطان الموحدى عبد المؤمن بن علي الكومي مابين عام 1133م وعام 1163م حيث بنيت مدينة في جبل طارق وتم تحصينها جيدا عن طريق بناء عدد من القلاع والحصون عليه في عام 1150م ولا زالت آثار هذه المدينة والسور ظاهرين في القصر المغربي الذي يقع في المدينة وفيما بعد ضم جبل طارق إلى مملكة غرناطة وبقي كذلك حتى عام 1309م حيث هجم الجيش الأسباني وقتها على المدينة وإستمرت سيطرته عليها إلى عام 1333م حيث أُعيد تحريرها بواسطة قبيلة بني مرين وأعادت هذه القبيلة في عام 1374م المدينة إلى مملكة غرناطة التي سيطرت على المدينة إلى أن سقطت بصورة نهائية في يد الأسبان وذلك عام 1492م مع سقوط مملكة غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس والتي بسقوطها إنتهى الحكم الإسلامي للمدينة الذي إستمر لمدة 750 عاما .
وبعد أن إستعاد الأسبان جبل طارق إستوطنت المنطقة جماعة من اليهود الأسبان المتحولين أي من غيروا دينهم من اليهودية إلى المسيحية الكاثوليكية وبنى أحد هؤلاء المتحولين ويعرف بإسم بيدرو دي هريرا مع أربعة آلاف وخمسين يهوديا دويلة في منطقة جبل طارق وبقيت هذه الدويلة لمدة ثلاث سنين حيث أُعيد اليهود إلى مدينة غرناطة ثم تم ضم جبل طارق إلى التاج الأسباني الذي تأسس في عام 1501م وبعد ذلك قامت العديد من المعارك الهامة في هذه المنطقة الإستراتيجية للسيطرة عليها والتحكم فيها وكان من المعارك الشهيرة التي قامت في شبه جزيرة جبل طارق معركة بحرية حدثت بين الأسطول الهولندي والأسطول الأسباني وكان ذلك في عام 1607م وكانت نتيجتها دمار الأسطول الأسباني البحري الراسي في منطقة جبل طارق وتم ذلك في خلال مدة أربع ساعات ويعود سبب ذلك إلى مفاجأة الأسطول الهولندي للسفن الأسبانية وهي راسية في أماكنها علي حين غرة ومن ثم لم تكن هناك أى إستعدادات للمواجهة وفي أثناء الحرب التي شنتها الدول المتمثلة في إنجلترا وهولندا والنمسا وذلك من أجل إيقاف إقامة تحالف أسباني فرنسي قد يؤثر على ميزان القوى في أوروبا وحدت الدول الثلاثة أساطيلها وقامت بمهاجمة جنوب وغرب أسبانيا وأسفر هجوم حدث في يوم 4 أغسطس عام 1704م وبعد قصف إستمر 6 ساعات بداية من الساعة الخامسة صباحا بقيادة الأدميرال جورج روك على رأس قوة مؤلفة من 1800 بحار بريطاني وهولندي أسفر عن سقوط جبل طارق ووقّعت إتفاقية إستسلام سمح بموجبها لسكان المنطقة بالنزوح عنها بسلام وعلي الرغم من المحاولات الأسبانية الفرنسية لم تتمكن أسبانيا من إستعادة شبه الجزيرة ووقعت في عام 1714م معاهدة أوتريخت والتي تخلت بموجبها أسبانيا عن جبل طارق لصالح بريطانيا بشكل مؤبد ودائم وأعلنت السيادة البريطانية على شبه الجزيرة .
وكان جبل طارق يعتبر أفضل وأهم الممتلكات البريطانية خارج حدود المملكة المتحدة وظلت المنطقة مستعمرة بريطانية وعبر التاريخ حاولت أسبانيا إستعادتها فقامت في عام 1779م بحصار الإقليم بمساعدة المدفعية الفرنسية لمدة إستمرت 3 سنوات إلا أن الأسطول البريطاني تمكن من فّك الحصار وإلحاق الخسارة بالقوات الفرنسية الأسبانية المشتركة وجرى توقيع إتفاقية سلام بين الأطراف المتنازعة وظلت منطقة جبل طارق واحدة من أهم القواعد البريطانية وقد إزدادت أهميتها مع شق قناة السويس وبدء الملاحة البحرية بها عام 1869م مما دفع القوات البريطانية إلى إنشاء قاعدة بحرية قوية فيها وذلك لحماية مصالحها في مياه البحر الأبيض المتوسط والذى أصبح هو الطريق المؤدي إلى مستعمراتها في الهند وأستراليا عبر قناة السويس فالبحر الأحمر فالمحيط الهندى وكان لسيطرة بريطانيا علي جبل طارق أثر كبير في تسهيل دخول السفن البريطانية عبر مضيق جبل طارق من المحيط الأطلسي إلي البحر المتوسط أثناء الحرب العالمية الثانية مما ساعد علي عدم وصول الإمدادات إلي القوات الألمانية في شمال أفريقيا الأمر الذى أدى في نهاية الأمر إلي إنسحاب الألمان من جبهة شمال أفريقيا بعد أن كانوا قد أحرزوا فيها إنتصارات مدوية تحت قيادة ثعلب الصحراء القائد الألماني الفذ إرفين روميل وفي عام 1950م وأثناء فترة حكم الجنرال فرانكو أعادت أسبانيا إثارة المشاكل حول تبعية منطقة جبل طارق وطالبت بريطانيا بإستعادة هذه المنطقة مما أدى إلي حدوث توترات بين البلدين وزادت تعقيدات حرية حركة الأفراد على الحدود بين هذه المنطقة وبين أسبانيا وتقرر إجراء إستفتاء حول سيادة شبه الجزيرة في عام 1967م وذلك من أجل الإختيار ما بين البقاء تحت السيادة والتاج البريطاني وبين الإنتقال إلى السيادة الأسبانية وقد إختار السكان وبأغلبية ساحقة البقاء تحت السيادة البريطانية حيث كانت نتيجة الإستفتاء 12138 نعم مقابل 44 لا حيث أن الكثير من مواطني هذه المنطقة بريطانيو الأصل .
وفي عام 1981م عادت مستعمرة جبل طارق إلى محور الأحداث مرة أخرى وذلك مع إعلان الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا وزوجته الأميرة ديانا سبنسر رغبتهم في قضاء شهر العسل فيها مما أدى إلى مقاطعة ملك أسبانيا خوان كارلوس وزوجته الملكة صوفيا مراسم الزواج ومما يذكر أنه في هذا العام قررت بريطانيا إقامة مناطق حكم ذاتي في ما بقي من مستعمراتها السابقة ومنها مستعمرة جبل طارق وتراجعت بريطانيا عن إلتزاماتها الدفاعية وغادرت معظم القوات البريطانية جبل طارق وأصبح جبل طارق يتمتع بالحكم الذاتي وبحدوث ذلك وبعد تغيير طريقة الحكم فيها طالبت أسبانيا بإعادة المنطقة لسيادتها طبقا لإشتراطات إتفاقية أوتريخت المشار إليها وكانت هذه الإتفاقية تنص علي إعادة المنطقة إلى أسبانيا في حالة حدوث تنازل بريطاني عنها ومن ثم فإن إقامة منطقة حكم ذاتي بها يعد تنازلا بريطانيا عن المنطقة أما بريطانيا فقد أعلنت أنها لم تتنازل عن المنطقة وأن الحكم الذاتي لا يلغي إنتماء وتبعية المنطقة إلى التاج البريطاني ومع ذلك وافقت بريطانيا على فتح ميناء جبل طارق أمام السفن الأسبانية ولم تسكت أسبانيا وجددت مطالبتها بإعادة جبل طارق للسيادة الأسبانية ودخلت في جولة مفاوضات جديدة مع حكومة بريطانيا حول ذلك ولكن سكان المنطقة رفضوا ما تطالب به أسبانيا بقوة وتظاهروا ضدها ومما خفف من حدة التوتر بالمنطقة دخول أسبانيا في الإتحاد الأوروبي بعد ذلك في أول يناير عام 1986م مما ترتب عليه فتح حدود منطقة جبل طارق مع أسبانيا بشكل دائم وفي عام 2002م تم إجراء إستفتاء آخر وقد أسفر عن نفس النتيجة السابقة وبأغلبية ساحقة أيضا 17900 نعم مقابل 187 لا .
ولا يفوتنا في هذا المقال أن نتكلم عن القائد العربي المسلم الذى سميت مدينة جبل طارق علي إسمه وهو طارق بن زياد الذى قاد بداية الفتوحات الإسلامية لشبه الجزيرة الأيبيرية التي إستمرت خلال الفترة الممتدة بين عام 92 هجرية الموافق عام 711 هجرية وعام 99 هجرية الموافق عام 718م بأمر من موسى بن نصير والي أفريقية في عهد الخليفة الأموي السادس الوليد بن عبد الملك وينسب إليه إنهاء حكم القوط الغربيين لأسبانيا وجبل طارق الذى ينسب إليه هو الموضع الذي وطأه جيشه في بداية فتحه للأندلس وهو يعتبر أحد أشهر القادة العسكريين في التاريخين الإسلامي والأيبيري على حد سواء وتعد سيرته العسكرية من أنجح السير التاريخية وقد إختلف المؤرخون حول أصول طارق بن زياد فمنهم من قال إنه عربي كإبن خلكان ومنهم من قال إنه أفريقي بربري كإبن عذاري وآخرون قالوا إن أصوله فارسية بينما ترجح موسوعة كامبريدج الإسلامية أصوله العربية وقد أجمع الكثير من المؤرخين علي أنه كان إنسانا متواضعا راضيا وقنوعا وقد تجلت إنسانيته في الكثير من المواقف البارزة فقد رضي على الدوام أن يكون الرجل الثاني بعد موسى بن نصير ولم تظهر منه أي علامة صراع من أجل الدنيا وكان دين الإسلام هو قوميته والمسلمون على إختلاف قومياتهم شعبه كما أشار هؤلاء إلى أن طارق بن زياد كان وفيا لكل من وقف معه ولم ينكث عهده أبدا كما كان له فضل كبير على اليهود الأيبيريين فقد كان القوط قد أصدروا أمرا بتنصير أو تعميد كل أبناء اليهود الذين يصلون إلى سن السابعة كما أصدروا أمرا بمصادرة أملاك اليهود بعد إكتشافهم لمؤامرة يهودية ولهذا كان فتحه للأندلس إنقاذا لهم كما عرف عنه أنه قد أعاد للأمراء أملاكهم التي كانت لهم وهي التي سميت بصفايا الملوك كما كان صادقًا في عهود الأمان التي أعطاها لبعض المدن حتى لو كان أهل هذه المدن قد حصلوا عليها بنوع من الحيلة فنجده علي الرغم من ذلك لم ينكث عهده معهم أبدا إعتمادا على أن في الحرب من الخدعة ما تقره كل الأعراف والقوانين كذلك إختلف المؤرخون حول نهاية هذا الرجل وكيف كانت ومن المعروف أنه قد عاد إلى دمشق بصحبة موسى بن نصير بعد أن إستدعاهما الخليفة الأموى الوليد بن عبد الملك في أواخر عهده وقبل فترة قصيرة جدا من وفاته وقيل إن سبب ذلك هو خلاف وقع بينهما وإحتد وفي جميع الأحوال فقد عزل كل منهما عن منصبه وأمضى طارق بن زياد أواخر أيامه في دمشق متفرغا للعبادة والزهد بعيدا عن مسرح الشهرة وضجيج السياسة وصراعاتها إلى أن وافته المنية عام 101 هجرية الموافق عام 720م وقد ترك طارق بن زياد إرثا كبيرا بعد وفاته تمثَّل ببقاء شبه الجزيرة الأيبيرية تحت حكم المسلمين وإنتشار دين الإسلام بها من جانب الكثيرين من سكانها طواعية دون إكراه زهاء 8 قرون وفي وقت لاحق خلال القرن العشرين أُطلق إسمه على عدد من المواقع في البلدان الإسلامية وبالأخص في بلاد المغرب العربي كما قام البنك المركزى البريطاني لحكومة جبل طارق بإصدار
ورقة مالية تحمل صورة طارق بن زياد من فئة 5 جنيهات إسترلينية ويظهر عليها طارق بن زياد يحمل سيفا..ونكمل مع جبل طارق وفتح الأندلس في المقال القادم بإذن الله تعالي .
|
| |
|
| |
|
الصور : |
|
|
|
|
|
|
|
|