السبت , 1 أغسطس 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

جامع تلمسان الكبير

 جامع تلمسان الكبير
عدد : 05-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى



تقع مدينة تلمسان في الجزء الشمالي الغربي من دولة الجزائر وتعتبر العاصمة الإدارية لولاية تلمسان وتطلق عليها عدة ألقاب منها لؤلؤة المغرب الكبير وغرناطة أفريقيا وهي تحظى بأهمية كبيرة في البلاد حيث تأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية على مستوى البلاد بعد مدينة الجزائر العاصمة لما تتغنّى به من ماضٍ مجيد وغني بالأمجاد ويظهر في مدينة تلمسان الأثر الأندلسي الممتد من العصور الإسلامية القديمة في البلاد كما تنفرد مدينة تلمسان بما تحتضنه من مبان فنية تمتزج فيها فنون الحضارتين الإسلامية والأندلسية ويشار إلى أن المدينة قد سطّرت في صدر التاريخ ماضياً فكريا وثقافيا وسياسياً عريقا لما قدمه الإنسان فيها من إبداع ورقي وتفوق حيث توالت العديد من الحضارات عليها من أبرزها حضارة الأمازيغ الذين يسكنون شمال أفريقيا حيث تركوا فيها لمساتهم وآثارهم وكان من أبرزها قلعة أغادير وهم من أطلق على المدينة إسم تلمسان والذي يعني الينابيع وذلك لكثرة عيون الماء والينابيع فيها وتبعهم الفاندال والذين قطنوها خلال الحكم الروماني للمدينة ولكنهم لم يلبثوا فيها كثيرا حيث طردهم الرومان الكاثوليك منها أما الرومان فقد حكموها في أول الربع الأخير من القرن الخامس الميلادي إلى أن جاء العرب المسلمون في عام 671م فأخرجوهم منها وتم ذلك بقيادة القائد عقبة بن نافع وبعد أن خضعت تلمسان للحكم الأموي والعباسي ومن بعده جاءت قبائل بنو زناتة التي إنشقت عن الحكم العباسي وحكمتها من بداية القرن الثامن للميلاد حتى نهايته ثم تبعهم بعد ذلك الأدارسة وهم قوم جاؤوا من المغرب الأقصى ففتحوها بموافقة من زعيم بني زناتة وحكموها طوال القرن التاسع الميلادي وهناك بعض قبائل الأدارسة التي لا تزال متواجدة في تلمسان ثم تلاهم بعد ذلك بعض القبائل كالمرابطين والموحدين وبني عبد الواد والمرينيين والدولة العثمانية وأخيرا الإحتلال الفرنسي الذى بدأ عام 1830م وإستمر قرابة 132 عاما حتي إستقلت الجزائر بتاريخ 5 من شهر يوليو عام 1962م .

وتبلغ مساحة هذه المدينة 9061 كيلومترا مربعا وتنتشر فيها بشكلٍ كبير مزارع الكروم والزيتون وتتربع المدينة فوق هضبة بين أطراف وادي التافنة وإيسر تسمي الجوراسي وترتفع هذه الهضبة إلى ما يفوق 700 متر وتمتاز المدينة ببنيتها الجيولوجية الصالحة لتخزين مياه الأمطار والثلوج في خزانات المياه الجوفية فهي تعتبر خزانا طبيعيا للمياه وتتأثّر المدينة بالمناخ المتوسطي فتشهد المنطقة موسمين وهما موسم الأمطار ويبدأ في مطلع شهر أكتوبر ويمتد حتى أواخر شهر مايو ويرافق هذه الفترة هطول الأمطار بغزارة ويعتبر فصل الشتاء قارس البرودة والموسم الثاني هو موسم الجفاف الذي يمتد من شهر يونيو وينتهي في شهر سبتمبر وتحتضن مدينة تلمسان عدد من الضواحي والمدن الداخلية لتشكل مع بعضها البعض باقةً من المدن في غاية الجمال كما تعد مدينة تلمسان مقر للثقافة والفنون حيث تحظى بالزخم والتنوع الثقافي العريق نظرا لما تتحلّى به من تنوع ثقافي وإزدهارٍ في هذا المجال فقد حصلت على لقب عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2011م وتقام فيها إحتفالات دينيةٌ متعددة سواء كانت عامةً أم خاصةً كما أنها تعد موطن للمعالم السياحية التاريخية والطبيعية حيث يصل عددها إلى ما لا يقل عن 45 منطقة سياحية ومن أبرز المواقع والمعالم فيها المسجد الكبير وهو يمتاز بالزخرفة الإسلامية فائقة الجمال التي تكسو جدرانه وساحة وقصر المشوار وهو قصر لحكام بني عبد الواد وشلالات الوريط وكهوف عين فزة ومسجد سيدي بلحسن والذى يعود تاريخ بنائه إلى عام 1296م في عهد السلطان عثمان ويمثل هذا المسجد روعة وفخامة بناء المساجد في هذه المدينة فعلي الرغم من صغر حجمه إلا أن بناءه ملفت للنظر لزخارفه الجميلة التي تجعله كالتحفة لذلك فقد تحول هذا المسجد لمتحف كبير ثم إلى مدرسة وذلك في الفترات التي إستعمرت فيها تلمسان كما توجد بها عدة معالم أخرى منها ضريح الوالي الصالح سيدي بومدين ومطعم رويال بيتساريا الذي يقدم الوجبات الإيطالية ومحطة حمام شيجر وساحة عبد القادر والمدينة القديمة المحاطة بالأسوار ومتحف الآثار وحمام بوغرارة .


ويعد جامع تلمسان الكبير في الجزائر من أجمل وأهم الآثار المتبقية من عصر المرابطين وقد قام بتشييده يوسف بن تاشفين أول خليفة لدولة المرابطين وكان المسجد حينذاك بدون مئذنة وكان ذلك بعد إستيلائه على مدينة تلمسان عام 475 هجرية الموافق عام 1082م ثم خلفه علي بن يوسف بن تاشفين الذي زاد على المسجد بالزخرفة والبناء عام 530 هجرية الموافق عام 1136م ثم أعاد ترميمه وإصلاحه وبناء مئذنته وقبته المركزية التي يتدلي من وسطها شمعدان يغمراسن بن زيان من أمراء بني عبد الواد الذي أسس الحكم الزياني وإتخذ مدينة تلمسان عاصمة له كما أنه قام بإضافة سبعة أروقة جديدة فوق الفناء القديم للجامع وذلك هو الذى أعطاه صورته الحالية عام 633 هجرية الموافق عام 1236م وقد تم بناؤه من الحجارة والطوب والجص أما الزخارف المعمارية فقد تم عملها بإستخدام الرخام والجص المنحوت والمخرم والخزف والخشب وجامع تلمسان الكبير هو واحد من ثلاثة مساجد بناها المرابطون في الجزائر وثانيهما هو مسجد الجزائر وثالثهما هو مسجد ندرومة وينتظم جامع تلمسان الكبير على شاكلة الجوامع المرابطية الأخرى في تصميم يعتمد البلاطات المتعامدة مع حائط القبلة وصحن مستطيل الشكل محاط بأروقة على الجانبين الصغيرين .

ويبلغ عرض هذا الجامع 30.49م وطوله 60.45م ويصل طول الفناء به إلى 27 مترا وعرضه نحو 15 مترا أما بيت صلاة الجامع فمستطيلة الشكل وتتألف من 13 رواقاً عموديا على جدار القبلة وعدد 6 أروقة موازية لجدار القبلة وتقوم عقود الجامع على دعائم حجرية سميكة تحمل عقوداً على هيئة حدوة الفرس وحافاتها على هيئة فصوص وبعض عقود الجامع منفوخة تتسع جوانبها وسقف بيت الصلاة من الخشب المزخرف وهو مغطى بسقف محدب من القرميد وينفتح الصحن على قاعة الصلاة وهو ذو تصميم مربع الزوايا ومنحرف وتحيط به أروقة من ثلاث جهات تشكل مع بعضها إمتدادا لبلاطات قاعة الصلاة وعددها 13 وتوازي جدار القبلة وغطيت كل بلاطة منها بسقف من القرميد مكون من سطحين مزدوجين وتستند عوارض الهيكل الخشبي الجمالوني الحامل للقرميد على وصلات حاملة نحتت عليها زخرفة نباتية جميلة الشكل وغطيت قبتا البلاطة الوسطى بسقوف من القرميد رباعية السطوح ويعد جامع تلمسان الكبير هو الجامع الوحيد من بين مساجد المرابطين الذي يوجد به محراب تم إنشاؤه في الحقبة المرابطية والذى يأخذ جوفه شكل متعدد الأضلاع وهو شكل شاع في الهندسة المعمارية الإسلامية قبل المرابطين في المشرق والمغرب والأندلس ويتكئ قوس المحراب على عمودين وتعلو الجوف قبة صغيرة وحافتان على شكل متعدد الأضلاع ولوحات مستطيلة عددها خمس الكبريان بينها بلا إطار أما الثلاث الأخرى فلها أطر من النوافذ التي تزينها زخرفة نباتية رائعة الشكل .


ويبدو أن المرابطين هم أول من أبدع هذا في هندسة المحاريب وأما الحافتان فإحداهما بثماني زوايا والأخرى بخمس وهي التي كتبت عليها بخط كوفي البسملة وآيات قرآنية ويتميز الجزء العلوي من إطار المحراب بقوس نصف دائري والتي قطرها متر ونصف المتر وعلوها متر وثلث المتر وطول إنفتاحها أكثر من المتر تحيط بها قوس كبيرة قطرها ثلاثة أمتار إلا عشرة سنتيمترات وإرتفاعها متران وثلث وإنفتاحها متران وعشرون سنتيمترا ويتضمن الإفريز زخرفة متنوعة ما بين مستطيلات تمتد من محيط القوس الصغرى إلى مسافة نحو القوس الكبرى حيث تلتقي بسلسلة تشكيل زخرفي آخر على شكل أنصاف دوائر متصلة وأوراق صغيرة تمتد على محيط القوس الكبيرة كلها وقد ظهر هذا الشكل أول ما ظهر في جامع قرطبة في القرن التاسع الميلادي ومحراب جامع الزهراء في القرن العاشر الميلادى وقد تم تزيين الفضاء المجاور للمحراب ببلاط أوسط واسع تعلوه قبتان جميلتان مستوحيتان من قباب جوامع قرطبة بالأندلس والقيروان بتونس والأزهر بالقاهرة لكن قبة محراب تلمسان تعد الأهم والأبرز فهي قبة ذات عروق تتشكل من 16 ضلعا وترتكز على إفريز مربع بواسطة أربعة عقود زوايا ذات مقرنصات وهذه العروق مصنوعة بصفوف الآجر وتبدو على السطح على شكل زوايا بارزة والألواح التي تربطها منقوشة بالجبس وهي مخرمة وتمنح الضوء لداخل القاعة ويعلو هذه الزخارف منور ذو مقرنصات ذات أصل فارسي جلبت من الشرق وأدخلت إلى بلاد المغرب من طرف المرابطين أو نقلت بواسطة بني حماد أو الأندلسيين الذين كانت تربطهم علاقات متينة بالخلافة الفاطمية .

ومئذنة جامع تلمسان الكبير تتكون من برجين الكبير السفلي وهو الكبير والأعلي إرتفاعا قاعدته علي شكل مربع طول ضلعه 6.30 متر ويصل إرتفاعه إلى 26.15 متر وبذلك يكون هذا البرج واحدا من أطول الأبراج التي بناها بنو زيان في تلمسان وهذه المئذنة من أطول مآذنهم ويمكن الوصول إلي سطح برجها الأول عن طريق سلم يلتف حول نواة خلافا للمآذن الموحدية والمرينية ويبلغ طول ضلع النواة المركزية 2.80م ويبلغ طول ضلع البرج من الداخل 4.72 متر أما عدد درجات السلم فيصل إلى 130 درجة عرض الواحدة يبلغ 0.95م بينما يحتوي كل جناح على 5 أو 6 درجات ويحتوي البرج كذلك على فتحات مستطيلة كما أنه ينتهي بحائط صغير كما هو الحال بالنسبة لكل الأبراج الرئيسية ويصل إرتفاع هذا السور إلي 1.36م وسمكه 0.52م وينتهي هذا الحائط بشرفات مسننة وجدير بالذكر أن عدد شرفات الجامع الكبير بتلمسان يصل إلى 12 شرفة عادية و 4 شرفات زاوية وقد إختصر الزيانيون عدد الشرفات في مآذنهم إلى النصف بسبب صغر أبعاد مآذنهم إذا ما قورنت بمآذن الموحدين وزخرفت كل واجهة من الواجهات الأربع للبرج الرئيسي بشبكة معينات تكاد تكون متطابقة يبلغ مجموعها 45 معينا في الجهة الجنوبية والشمالية و32 معينا في الواجهتين الشرقية والغربية ويتخذ القسم العلوي لهذه المعينات هيئة عقد رخو برأس واحدة يتناوب مع عقد رخو برأسين في الواجهتين الشمالية والغربية أما الجهات العليا فكانت مزينة بزهرية مطلية باللون الأخضر وهي تستند على بائكة من العقود على شكل حدوة الفرس تحملها أعمدة صغيرة .

وأما البرج العلوى من المئذنة وهو الصغير ويسمي الجوسق فهو يعلو البرج الرئيسي وأبعاده أقل حيث يبلغ عرض قاعدته 2.90 متر وإرتفاعه 4.70م بداية من نهاية البرج الأول وينتهي بقبة صغيرة يعلوها عمود معدني مثبت عليه تفاحتين كتب عليها عبارة اليمن والإقبال وقد تأثرت زخرفة المآذن الزيانية بتقنيات الزخرفة التي إستعملها الموحدون في إنشاءاتهم المعمارية وفي مساجدهم المشهورة مثل مسجد الكتبية بمراكش ومئذنة حسان بالرباط فقد زين الزيانيون مآذنهم بشبكات المعينات في أوجه المئذنة الأربع وأغفلوا النوافذ الكبيرة التي نجدها علي واجهات بعض مآذنهم الأخرى وإستبدلوها بفتحات صغيرة ومستطيلة أشبه بالفتحات التي تتواجد في أبواب أسوار المدن والتي تسمي بالمرامي حيث يتم من خلالها رمي السهام علي الأعداء إذا حاولوا مهاجمة المدينة غير أن الهدف منها هنا كان الإنارة وليس الحراسة والمراقبة ويتمثل قوام الزخرفة في جوسق مئذنة المسجد الكبير بتلمسان في إطار مستطيل مركب من عقد على شكل حدوة الفرس كما يحتوي الإطار على شبكة من المعينات أما حافة هذا الإطار فقد زخرفت بإفريز من الفسيفساء الخزفية ويتم الصعود إلى غرفة الجوسق عن طريق درجتين توجدان على السطح الأول غير أن هذا الجوسق يمر اليوم بحالة من التدهور فقد حدثت فيه بعض التشققات مما سمح بمرور وتسرب مياه الأمطار إلى أجزائه الداخلية فتأثرت بذلك الزخارف الفسيفسائية وحدثت بها تلفيات وأضرار شديدة .
 
 
الصور :