الجمعة, 31 يوليو 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

المحتسب

المحتسب
عدد : 05-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة (كنوزأم الدنيا)
[email protected]


المحتسب هو شخص كان يقوم بالعمل الخيري تطوعا بغير مقابل ولا يريد إلا إبتغاء مرضاة الله تعالى أى أن من يقوم بهذا العمل لايحتسب غير وجه الله كسبا للثواب والحسنات من الله سبحانه وتعالي فهي إذن وظيفة هدفها الأساسي تطبيق قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون مقابل والذي يرى العلامة عبد الرحمن بن خلدون أن ذلك فرض على القائم بأمور المسلمين فكان المحتسب ينبه الأهالي إلي أوقات الصلاة وينبه النساء إلي الإلتزام بالزى الشرعي ويتصدى للمفطرين بدون عذر في شهر رمضان الكريم فكان المحتسب هو الذي يحاسب المفطر بعد أن يسأله عن سبب إفطاره لإحتمال أن يكون مريضا أو مسافرا فإذا أثبت شيئا مما يبيح له الإفطار إلتمس له العذر للجهر بالإفطار وإن كان مفطرا لغير سبب أدبه وشهر به والتشهير هو ماكان يعرفه عامة الشعب بإسم التجريس أو التجريصة فيركب المفطر بدون عذر على جمل أو حمار بوضع عكسي ويطاف به في الأسواق ويجلل بلباس خاص يحوي الكثير مما يلفت النظر إليه كتعليق الأجراس وأذناب الثعالب وأحجار الودع والصدف والخرز وغير ذلك وتتبعه أفواج الصبيان ينعتونه بأعنف الأوصاف وينالون من شرفه وكرامته بشكل لايقوم له بعد ذلك كيان ومازالت الذاكرة التاريخية تنقل إلى الأطفال تلك العبارة الأشهر من بين ما كان يقال في موكب التجريس للمفطر يافاطر رمضان ياخاسر دينك قطتنا السودا هتقطع مصارينك وهكذا وقبل أن يتم إلغاء وظيفة المحتسب في البلاد الإسلامية في القرن التاسع عشر الميلادى كان المحتسب يعد من أبرز شخصيات الحياة العامة التي يحسب الناس لها ألف حساب وقد عادت هذه الوظيفة إلي الظهور مرة أخرى في المملكة العربية السعودية في أوائل القرن العشرين الماضي وأصبح لها قانون ونظام خاص بها وهيئة تسمي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتم إطلاق لقب المطوع علي من يتطوع لهذه المهمة بدلا من لقب المحتسب .


وقد تضاربت أقوال المؤرخين في منشأ الحسبة فبعضهم يقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أول محتسب إذ نهى عن الغش حين قال من غشنا فليس منا وذلك عندما مر بالسوق وأنكر ماقام به أحد الباعة بوضع طعام أصابه المطر بأسفل صحيح الطعام حتى لايراه المشترون ويقول آخرون إن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب هو أول من وضع نظام الحسبة فكان يطوف الشوارع والأسواق ودرته معه وهي عصا قصيرة مصنوعة من جلد البقر أو الجمل ومحشوة بنوى التمر فمتى رأى غشاشا علاه بها مهما كان شأنه عقابا له علي غشه وإذا كان الخلفاء أنفسهم هم الذين قاموا بوظيفة المحتسب في صدر الإسلام فإن تعقيدات الحياة فرضت على من أتى بعدهم بعد ذلك أن يولوا موظفا بعينه لممارسة ذلك العمل ومن هنا ظهرت وظيفة المحتسب ‏‏ومن ثم ظهرت هذه الوظيفة بشكل واضح في بدايات الدولة العباسية وذلك بعد إتساع الدولة وإتساع أسواقها حيث كان الهدف الأساسي منها ضرورة وجود مراقبين لمراقبة التجار بالأسواق من حيث الإلتزام بعدم إحتكارها وبجودتها وبالسعر المناسب وفي نهاية الدولة العباسية كان المحتسب في أوج نموه حيث إمتد مجال عمله من الأسواق إلي الأزقّة والحارات والشوارع والطرق وأصبح للمحتسب أفراد يساعدونه في أداء عمله ويساعدونه في إكتشاف طرق غش الباعة والصناع وفي إنزال العقوبات بهم أيضا كما تم تخصيص راتب له ولمساعديه كما إتسعت إختصاصاته ومجالات عمله حيث أصبحت وظيفة المحتسب تتصل ايضا بشئون البلديات والمرافق حتي أنه يمكننا تشبيه عمل المحتسب وكأنه أصبح يؤدي وظائف مجموعة من الدوائر الحكومية التي نعرفها في وقتنا الحاضر مثل مباحث التموين وشرطة الآداب والشؤون الإجتماعية وغير ذلك من الوظائف التي تتعلق بسير الحياة اليومية بلغة عصرنا الحديث .



وفي مصر يتوقف المؤرخون والباحثون أمام الدولة الطولونية بإعتبارها أول دولة مصرية مستقلة في ظل الإسلام ومعها تبلورت شخصية مصر الإسلامية وخلالها أيضا ظهر المحتسب كمنصب في الدولة له أهميته والأمر نفسه ينطبق على الدولة الفاطمية إذ كانت دولة مستقلة وتسعى إلى حكم العالم الإسلامي كله وعلي الرغم من أنها شيعية وربما لأنها كذلك وتريد أن تتصف بالعدل والإنصاف كنوع من أنواع الترويج لمذهبها الشيعي كان للمحتسب دور كبير فيها أيضا فهو يرتب الأسواق ويحتك بالتجار والباعة وينشر بينهم وعن طريقهم أفكار الدولة ودعوتها الخاصة وللسبب نفسه إهتم صلاح الدين الأيوبي بالحسبة والمحتسب لأنه كان مهتما بصفة خاصة بالأسواق في إطار إهتمامه بإعادة مصر إلى المذهب السني كما أخذت هذه الوظيفة تنمو أيضا وتتسع إختصاصاتها خلال عصر المماليك وكان يشترط أن تتوافر بعض الصفات وربما الشروط الخاصة في شخصية المحتسب طبقا لما ذكره عبد الرحمن بن نصر الشيرازي في كتابه الشهير الرتبة في طلب الحسبة ومنها أنه يجب أن يكون عارفا أو فقيها في الدين الإسلامي وأن يؤدى وظيفته علي أكمل وجه ولا يكون قوله مخالفا لفعله أي لايكون هناك إنفصال بين قوله وفعله كما يجب عليه أيضا أن يقصد بقوله وفعله وجه الله تعالي وطلب رضائه وأن يكون خالص النية لا يشوبه في سلوكه وتصرفاته رياء الأمراء وأن يتمتع بـالرفق ولين القول وطلاقة الوجه وسهولة الأخلاق عند أمره للناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر .



وبعد العصر المملوكي جاء العصر العثماني وخلاله إقتصرت إختصاصات المحتسب على مجال الإقتصاد وكان يخضع لرقابته عدد معين من الطوائف الحرفية المتصلة بالغذاء وكان المحتسب يراقب الأوزان والمقاييس والأسعار في الأسواق الرئيسية حيث تباع المواد الغذائية وكان يقوم بجولاته في المدينة في شكل موكب مهيب كان يلفت على الدوام أنظار الرحالة وكان يصحبه في موكبه كثيرون من بينهم على وجه الخصوص حاملو الموازين وكان يوقع العقوبات الجسدية على المخالفين ومع ذلك فإن مكانة المحتسب في السلم الإداري كانت بالغة التواضع وكذا الدخل الذي يحصل عليه من وظيفته تلك وقد إمتد عمله في ذلك الوقت بجانب إشرافه على أصحاب الحوانيت إلى الإهتمام أيضا بمشاكل البلديات كنظافة الشوارع وتأمين حرية المرور داخل الأسواق ومع بداية عصر محمد علي باشا في عام 1805م حاول أحد المحتسبين النشطاء وإسمه مصطفى كاشف كرد أن يجبر الأهالي على كنس الأسواق ورشها بصفة دائمة وأمر بإضاءة الفوانيس على أبواب البيوت وبتعليق فانوس على باب واحد من كل ثلاثة دكاكين مما أدى إلي إثارة معارضات قوية ضد هذه الأوامر فإضطر محمد علي باشا إلي إصدار أوامره إلي موظفه النشيط بضرورة الإلتزام بالمهمة التي كان يؤديها سابقوه من المحتسبين وأن يقتصر دوره علي القيام فقط بنفس إختصاصاتهم .


وبعد عدة سنوات قام محمد علي باشا في عام 1234 هجرية الموافق عام 1819م بإلغاء نظام الحسبة ثم في عام 1253 هجرية الموافق عام 1838م تحول المحتسب إلي موظف في جهاز الدولة وكان هذا القرار من محمد علي باشا بإلغاء الحسبة يعني إحداث تغيير جوهري في معنى وفكرة الحسبة فتاريخيا كان يشترط في المحتسب أن يكون عارفا أو فقيهاً في الدين الإسلامي كما ذكرنا في السطور السابقة لكن هذا الشرط لم يعد قائما في حال إختيار الموظف العام الذي يجب أن يكون مستوفياً لشروط أخرى كما أنه في نظام الحسبة لم يكن ممكنا لغير المسلم أن يمارسها أو يؤديها لكن في حالة الوظيفة العامة الأمر يختلف إذ من الممكن أن يتولاها أي إنسان مصري مسلم أو غير مسلم وبالفعل إستعان محمد علي باشا بالكثير من الأرمن حيث لم يكن لديه أى حساسية من هذه الناحية فالمعيار هنا هو المواطنة والكفاءة والأمانة وليس الديانة وبذلك دخلت الحسبة والمحتسب ذمة التاريخ وصار وجودها قاصرا على الكتب والدراسات الفقهية والحق أن القرن التاسع عشر الميلادي في مصر كما في غيرها من البلدان والمجتمعات العربية والإسلامية شهد العديد من التحولات وإنقراض بعض الوظائف والفئات وهكذا كانت الدولة تتحول نحو مرحلة وحالة جديدة من الحداثة وتحول المحتسب وتحولت الحسبة معه في الوعي والثقافة العامة إلى ذكرى .

وقد تعرضت بعض الشخصيات لدعاوى الحسبة في أواخر القرن التاسع عشر الميلادى وأوائل القرن العشرين الماضي بدأت عندما قام عباس باشا الأول حاكم مصر بنفي الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي إلى السودان بسبب إعادة طباعة كتابه تخليص الإبريز في تلخيص باريز وبدلا من إدارته لمدرسة الألسن والترجمة في مصر أصبح يدير مدرسة إبتدائية في الخرطوم وإستفاد أهل السودان بعلمه وخبرته ولم يكن ممكنا أن يعود الطهطاوي إلى مصر مرة أخرى إلا بعد رحيل عباس باشا الأول عن السلطة عام 1854م ثم كانت قضية حسبة ثانية وأزمة أخرى إرتبطت بإسم الصحفي جورجي زيدان مؤسس مجلة الهلال وصاحب روايات التاريخ الإسلامي والدراسات المتميزة حول الحضارة الإسلامية وله عدة مؤلفات منها تاريخ أدب اللغة العربية وتاريخ التمدن في الإسلام وغيرهما من الدراسات التي أهلته في عام 1910م حين شرعت الجامعة المصرية في تأسيس كلية الآداب أن يكلف بتدريس مادة التاريخ الإسلامي والواقع أن زيدان كان دارسا متعمقا للتاريخ الإسلامي وحين تلقي طلب الجامعة بالتدريس فكر في الإعتذار لسببين الأول لكثرة مشاغله الصحفية والثاني يتعلق بديانته المسيحية وبالطبع وجد من يعارض فكرة تدريسه لهذه المادة وكانت الضغوط قوية على إدارة الجامعة وضد زيدان ولهذا قررت الجامعة الرجوع في طلبها تهدئة للأمور ومراعاة لعواطف الأمة وبذلك ففي النهاية إنتصر المحافظون والمحتسبون وحرموا الجامعة وطلابها من جورجي زيدان وعلمه ولكنه وجد في الوقت نفسه مناصرين له ولعلمه ومدافعين بارزين عنه كان في مقدمتهم الإمام محمد عبده والأديب الكبير مصطفى لطفي المنفلوطي .

ومن الواضح أن كلية الآداب نفسها كانت مسرحا لصراع فكري منذ بدايتها فثارت قضية حسبة وأزمة أخرى هي أزمة كتاب عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في الشعر الجاهلي في عام 1926م ووصلت القضية إلى أروقة المحاكم وقامت الجامعة بجمع نسخ الكتاب من المكتبات ومنعت توزيعه وإنتهت الأزمة عندما قام الدكتور طه حسين بإعادة صياغة بعض فصول كتابه وبدل إسمه الى في الأدب الجاهلي وفي منتصف التسعينيات من القرن العشرين الماضي أثارت كتابات ومؤلفات وآراء الباحث المصري نصر حامد أبو زيد ضجة إعلامية كبيرة فقد إتهم بسببها بالإرتداد عن الإسلام والإلحاد ونظراً لعدم توافر وسائل قانونية في مصر لمقاضاة أى شخص بتهمة الإرتداد عمل خصومه على الإستفادة من أوضاع محكمة الأحوال الشخصية التي يطبق فيها فقه الإمام أبو حنيفة والذي وجدوا فيه مبدأ يسمى الحسبة طالبوا على أساسه من المحكمة التفريق بينه وبين زوجته وإستجابت المحكمة وحكمت بالتفريق فعلا بين نصر حامد أبو زيد وزوجته قسرا على أساس أنه لا يجوز للمرأة المسلمة الزواج من غير المسلم وفي نهاية المطاف غادر نصر حامد أبو زيد وزوجته الدكتورة إبتهال يونس الأستاذة في الأدب الفرنسي القاهرة نحو المنفى إلى هولندا ليقيما هناك حيث عمل نصر حامد أبو زيد أستاذا للدراسات الإسلامية بجامعة لايدن .‏‏
 
 
الصور :