|
|
عدد : 04-2018 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
من موسوعة كنوز أم الدنيا
[email protected]
هناك في أحضان شارع المعز لدين الله الفاطمي العريق في القاهرة الفاطمية توجد بعض المهن والحرف التي تعد جزءا من الفنون الإسلامية التي هي أعظم ما عرفته يد البشرية وفي وسط هذا الشارع ذي الطراز الإسلامي ومن ضمن هذه المهن والحرف مهنة وحرفة النحاس وهي حرفة صناعة الأواني والأوعية النحاسية والنقش عليها تلك المهنة التراثية التي تقاوم الإندثار في وقتنا الحاضر وعموما فإن النقش على النحاس يعد من أبرز الفنون الشرقية والإسلامية والتي مازالت تحتفظ ببريقها الخاص حتي الآن علي الرغم من تراجعها تراجعا كبيرا فالنحاس له عشاقه ومحبوه ومن يحبذ إقتناء منتجاته وينجذب لها ومنهم السياح الأجانب الذين يتهافتون علي إقتناء شئ من سحر الشرق وأن يعودوا إلي بلادهم محملين بالصناعات الشعبية التي تربطهم بعالم ألف ليلة وليلة الأسطوري ويعود تاريخ هذه المهنة إلى بداية إزدهار الحضارة الإسلامية والعربية حيث يبدو ذلك واضحا في أعمال تزيين مباني المساجد والمدارس والأسبلة والكتاتيب والوكالات والخانقاهات والقصور والتي تميزت بالفنون الزخرفية في واجهاتها ومآذنها ومحاريبها ومنابرها وفي عناصرها الداخلية والتي تعد من أروع الفنون التي عرفتها البشرية ويكفي أن ندلل علي ذلك بقول الكاتب الفرنسي جاستون ميجو في كتابه الفن الإسلامي حينما قال لم تأت أمة من الأمم في فنونها ما يضاهي العبقرية التي تتجلي في الفن الزخرفي الإسلامي ومن يزور متحف الفن الإسلامي بباب الخلق والذى يعد أكبر وأضخم متحف للفن الإسلامي في العالم يستطيع أن يدرك ذلك بسهولة عندما يشاهد المنتجات النحاسية رائعة الجمال المعروضة به والتي تشهد علي مدى براعة وتميز الفنان المسلم الذى أبدعت يداه هذه المعروضات .
وقد لعبت الزخرفة العربية دورا كبيراً في الفن الإسلامي بحيث غطى فن الزخرفة الإسلامية على الفنون الأخرى حيث إكتسب هذا الفن دوره الهام والمتميز بسبب روعة العناصر التي إعتمدت عليها وثرائها وتعدد أنماط وطرق الزخرفة ولم تقتصر حرفة النقش علي النحاس علي تزيين المباني فقط بل تعدتها إلى تذويق كافة الحاجيات اليومية وتزيينها مهما قل شأنها وذلك تلبية لأذواق الناس وميولهم للزينة والزخرفة ولذلك فإن المجالات التي يشملها التزيين والتذويق والترصيع والتذهيب وغير ذلك من وسائل التحلية والتجميل التي لا تعد ولا تحصي نجدها تشمل كافة الأشياء الضرورية للإنسان في حياته اليومية من المهد إلي اللحد وقد توارث هذه المهنة الأبناء من آبائهم وأجدادهم لتبدع أنامل الفنانين المسلمين أجمل الفنون الزخرفية من النحاس وذلك علي الرغم من طغيان أدوات الإستخدام اليومية المعدنية كالألومنيوم والإستنلس ستيل .
ومن أبرز هؤلاء الذين توارثوا هذه المهنة أباً عن جد هو الحاج جمال شوشة صاحب فضيات المعز الذي تتجلى إبداعاته من خلال معرضه الكائن بشارع المعز لدين الله الفاطمي أشهر شارع سياحي في مصر والذي يقول عن مهنته إن مهنة النقش على النحاس توارثتها أبا عن جد منذ زمن بعيد وقد كانت هذه الصنعة في الماضي في عهد الدولة الإسلامية يصنع منها العملات المعدنية والصواني والأواني النحاسية وأطقم الشاي والمباخر القديمة والتي لا تزال من أهم المعروضات في سوق خان الخليلي كما تم إستخدامه أيضا على نطاق واسع في طلاء قاع السفن الخشبية حتى لا تتعرض للتلف و كلحام لمعدن الحديد كما تم إستخدامه بكثرة في صناعة مولدات ومحولات الكهرباء وفي خطوط وكابلات الكهرباء الخارجية وخيوط اللمبات الكهربائية ومعدات الإتصال بالإضافة إلي أنه يتم إستخدامه بكميات كبيرة في صناعة الحرير الصناعي وقد طرأ على هذه الحرفة تطور وتغير كبير في الأشكال والألوان وطريقة الصنعة والطلاءات بالذهب والفضة وتزايد الآن الحفر الكيميائي بإستخدام الماكينات ومن ثم بدأنا نطور فيها وندخل أشكالاً أخرى الآن مثل حافظة المصاحف والآيات واللوح القرآنية وأطباق محفور عليها آيات قرآنية أو حكم مأثورة أو أشغال عربية إلي جانب عمل أشكال للمباخر والساعات جديدة وأوان نحاسية وعلب الملبس والشيكولاتة والأطباق الفرعونية والتي ينقش عليها الحرفي المناظر العديدة مثل الأهرام وأبو الهول وقناع توت عنخ آمون وعربة رمسيس الحربية وصيادي السمك والطيور ومشاهد المبارزات بالسيوف ورحلات الصيد والقنص بواسطة الصقور والشواهين وصيد الوحوش إضافة إلي ما حملت من كتابات وأسماء وتواريخ مما جعلها تتحول إلي تاريخ مدون بالفن .
ومن أشهر الأشكال التي يتم نقشها علي النحاس ما يسمي بالأطباق النجمية وهي من أهم وأجمل العناصر الهندسية المجردة التي أخرجتها يد حرفي النحاس وقد بدأت فكرتها علي الأخشاب ثم تطورت ليتم نقشها علي النحاس أيضا في شتي بقاع العالم الإسلامي في المشرق والمغرب ويتألف الطبق النجمي عادة من عنصر نجمي الشكل في الوسط يعرف بإسم الترس يحيط به مجموعة من الوحدات الهندسية بعدد أطرافه أصغر حجما تكون لوزية الشكل وتعرف بإسم اللوزات يلتف حولها من الخارج مجموعة أخري من عناصر هندسية أكبر حجما وأكثر عددا تعرف بالكندات كما إتخذ النقاش العربي من الخط العربي بأنواعه وحروفه المرنة القابلة للتشكيل والتطويع وسيلة لزخرفة التحف النحاسية حيث كان ينقش علي جوانبها بعض الآيات القرآنية أو العبارات المأثورة أو أبيات الشعر فوق أرضية من الزخارف النباتية المورقة التي تساعد عادة علي إبراز تلك النقوش الخطية وتضفي عليها جمالاً أخاذا وروعة لا مثيل لها .
ويضيف الحاج جمال شوشة أيضا أن من أشهر الذين إمتهنوا هذه المهنة الحاج أحمد درستاوي والحاج عوض السروجي وعزمي جاد وغيرهم الكثيرون من محترفي النقش على النحاس والتي إستمدوا أفكارها من الأشكال والأماكن الأثرية والفرعونية كتلك الموجودة على المعابد وعلي المساجد الإسلامية كالزخارف الموجودة على جدران المساجد الفاطمية والمملوكية والعثمانية ويضيف الحاج جمال شوشة أيضا أن النحاس المستخدم في هذه الصنعة ليس نوعا واحدا فهناك النحاس الأصفر والنحاس الأبيض والنحاس الأحمر إلا أنه لم يعد هناك إلا نوعان فقط هما النحاس الأصفر والنحاس الأحمر ويكثر العمل بهما الآن لكن النحاس الأحمر يعد هو الأغلى نظرا لنقائه من الشوائب والسهولة الحفرية عليه بدقة لأنه طري ويأتي النحاس المستورد من الخارج في صدارة أنواع النحاس التي يتم إستخدامها من قبل محترفي هذه المهنة لخلوه من الشوائب خاصة أن بعض الناس يجمعون النحاس القديم ويعيدون تصنيعه عن طريق تسخينه وصهره إلا أنه يعيبه أنه يكون مليئا بالشوائب أما النحاس الأحمر المستورد فهو مستخلص من باطن الأرض وتتم درفلته وفرده عكس النحاس الأصفر .
وعن مراحل هذه الحرفة ففي البداية يتم إختيار قطعة النحاس التي يراد صنعها وتشكيلها ثم يتم تقسيط قطعة النحاس بمعنى مساواة جميع أجزائها بالمطرقة والسندان ثم يتم مسحها وتطويقها جيدا ثم يتم الرسم عليها بواسطة قلم رصاص لكن ليس من الضروري أن من يعمل في النقش أن يكون خطاطا فهناك الكثير من أصحاب الورش الذين يستعينون بخطاطين على درجة كبيرة من الإحتراف لكتابة أية جمل وخطوط وآيات مطلوب حفرها ثم تبدأ بعد ذلك عملية تبكير الخانات التي تم رسمها بمعنى جعل كل خانة مثل الأخرى بالضبط وذلك بإستخدام البرجل والقلم ثم يتم إستخدام قلم النقش أو الحفر وبالدق عليه بالشاكوش وهناك العديد من الأقلام التي تستخدم في هذه الحرفة منها أقلام الجوهارسة وهي التي يتم بواسطتها نقش دوائر صغيرة فوق قطع النحاس وهناك أيضا أقلام الزنبة ومهمتها عمل النقاط المطلوبة في الرسم على النحاس وهناك أقلام الترمبل وهي التي تلزم لجعل الأرضية في قطعة النحاس شبيهة بالرمل وهناك أقلام المقطع وهي التي تخصص للتفريغ كما تتم عملية نقش النحاس أو زخرفته بثلاث طرق أولاها النقش أو الحفر وتتم بأدوات يدوية دون إستخدام أي تقنية عالية عن طريق الأزميل والمطرقة الحديدية وثانيتها هي طريقة الحفر البارز أو النقر وتأتي في الدرجة الثانية من النقش من حيث الدقة وثالثتها فهي طريقة صب الفضة على النحاس وهي طريقة لا يعرف سرها إلا المهرة القلائل وتتم عملية الحفر عن طريق المرور على الشكل المرسوم أو الآيات المكتوبة على قطعة النحاس وبعد الإنتهاء من عملية الحفر تذهب قطعة النحاس للمخرطة لرسم الشكل الذي يراد إخراجه إذا كان دائريا أو مستطيلا وما إلى ذلك ثم تأتي مرحلة الذهاب للفرشاة للتلميع ثم تأتي مرحلة الطلاء بالألوان والطلاء بالذهب والفضة والبرونز وربما يدخل في القطعة أربعة ألوان إلا أن هناك البعض يطلبها صفراء فقط .
و هناك طريقة للتطيعم بالفضة وذلك عن طريق عزل قطعة النحاس المراد تطعيمها بالفضة بمادة شمعية لا تتأثر بالأحماض ثم يقوم النقاش بالرسم عليها بواسطة أقلام النقش الفولاذية بمساعدة المطرقة والسندان ثم يتم تحديد الشكل المطلوب حتي يسمح بوصول الأحماض إلى داخل جسم المعدن فوق الرسم المصمم وتغطيسه في حمض الآزوت الممدد وتركه لمدة ثم يتم إخراج قطعة النحاس من الأحماض وغسلها ويتم تنشيفها ثم بعد ذلك يتم تركيب خيوط الفضة في هذه الشقوق التي تم حفرها وذلك عن طريق الطرق الخفيف عليها وهناك طريقة ثانية وهي الضغط على النحاس من خلال حفر الشكل الخارجي للزخرفة الموجودة على قطعة النحاس حتي يبرز الجزء الداخلي للزخرفة ويتم ذلك عن طريق إستخدام النحاس السميك وليس النحاس الرقيق .
وعن أهم المشكلات التي تعوق هذه الصناعة في الوقت الحاضر يقول أصحاب ورش النقش على النحاس إن من أهم هذه المشكلات تزايد أسعار النحاس بشكل كبير مما أدى لهروب الكثيرين من أبناء هذه المهنة إلى مهن أخرى لقلة الربح وأدى ذلك إلى تغيير نشاط كثير من الورش الكبيرة التي كانت تعمل في النحاس للعمل في الصاج بالإضافة إلى قلة صبر الأجيال الجديدة الذين لا يعرفون قيمة ذلك الفن الرفيع وبالإضافة إلي ذلك لجوء الكثيرين إلي إستيراد منتجات النحاس من الصين والذي يعتمد على الشكل الخارجي فقط حيث أن الوانه تمحى بعد فترة قصيرة من الزمن إلي جانب أنه قليل الجودة إلا أن رخص أسعارها يجعل الكثيرين يقبلون عليها هذا إلي جانب أن هناك بعض المصانع والورش التي تعتمد على الحفر الكيميائي للنحاس مما أضعف من مهنة النقش على النحاس اليدوية بصورة كبيرة حاليا وهددها بالانقراض إلا أنه بالرغم من ذلك تبقى هذه المهنة هي الأكثر عراقة وبراعة للدلالة علي روعة وجمال الفنون الإسلامية . |
| |
|
| |
|
الصور : |
|
|
|
|
|
|
|
|