|
|
عدد : 04-2018 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
من موسوعة كنوز أم الدنيا
[email protected]
الفسخاني هو من يمتهن مهنة صناعة الفسيخ وبيعه وهو يصنع من أنواع معينة من الأسماك أفضلها البورى الذى يعيش في المزارع الطينية حيث يعد هذا النوع أكثر وأفضل أنواع الأسماك المستخدمة في صناعة الفسيخ وحاليا تستخدم أيضا أسماك السهيلى والطوبار حيث يتم تمليحها وتعتيقها وهو طبق شعبي شهي جدا تعود جذوره إلي أيام قدماء المصريين ويعد أحد الأطعمة المتوارثة من أيام الفراعنة أي منذ آلاف السنين وكان تناوله أحد الطقوس التي يحرصون عليها تحديدا في أول يوم من موسم الربيع أو يوم عيد الربيع والمعروف بإسم عيد شم النسيم وقد حافظ المصريون القدماء علي هذه الطقوس منذ عصر الأسرة الخامسة الفرعونية المنتمية إلي الدولة الفرعونية القديمة عندما بدأ الإهتمام بتقديس النيل نهر الحياة حيث كان يعتقد المصريون القدماء أن الحياة في الأرض قد بدأت في الماء ويعبر عنها بالسمك الذي تحمله مياه النيل من الجنة وقد ذكر المؤرخ الإغريقي هيرودوت أن قدماء المصريين كانوا يأكلون السمك المملح أى الفسيخ في أعيادهم ويرون أن أكله مفيد في وقت معين من السنة وكانوا يفضلون نوعا معينا لتمليحه وحفظه للعيد ولا زالت ملايين من العائلات المصرية حتي اليوم تمارس تلك الطقوس والعادات حيث يتم تحضير البيض الملون والفسيخ خصيصا لهذا اليوم ثم يخرج الجميع للمتنزهات والحدائق العامة وإلى أحضان الطبيعة ويتناولون طعام الإفطار المكون أساسا من البيض الملون وفي وقت الغذاء يكون الفسيخ هو الوجبة الأساسية للجميع بالإضافة إلي الملانة والخس والبصل الأخضر وهذه الوجبة لها فوائد متعددة من ناحية القيمة الغذائية حيث أن الفسيخ غني جدا بالبروتين والفوسفور والأملاح المعدنية وكلها مواد عالية القيمة الغذائية كما أنها تساعد علي تنشيط الغدد الجنسية لدى الجنسين كما يساعد الفسيخ في علاج الإمساك وإضطرابات الجهاز الهضمي كما أنه يعد فاتحا للشهية لنكهته ورائحته الطيبة كما أنه محفز لشرب كميات متوازنة من الماء مما يؤدى إلي تنظيف الجسم من السموم علاوة علي أن الأملاح المعدنية التي يحتويها الفسيخ تعمل على قتل الميكروبات وتعقيم الجسم .
وكما ان للفسيخ فوائد عديدة من الناحية الصحية والغذائية فإن له أيضا أضراره التي من الممكن أن يصاب بها من يتناوله وللوقاية من هذه الأضرار ومنها الإصابة بالتسمم الغذائي يجب أن يتم تجميد الفسيخ في الفريزر بعد شرائه لمدة لا تقل عن 24 ساعة لأنّ ذلك يقتل البكتيريا والفطريات إن وجدت فيه لأنّها تؤثر على الجهاز العصبي بالدرجة الأولى كما أن من المهم جدا قبل تناول الفسيخ أن يتم نزع القشور وإزالة الرأس والذيل والأحشاء منه ثم غسله بالماء الفاتر جيدا مع مراعاة تناول كمية متوازنة من الفسيخ وعدم الإفراط في تناوله بكميات كبيرة لأنه يسبب مشاكل في الجهاز الهضمي منها الإسهال مع آلام شديدة في الأمعاء بالإضافة إلي إرتفاع درجة حرارة الجسم والشعور بالغثيان وينصح بأنه عند الشعور بهذه الأعراض يجب مراجعة الطبيب على الفور كما ينصح بتناول كمية كافية من السلطات والخضروات مثل البصل والليمون والخس والخيار والطماطم والجرجير والبقدونس والفلفل الحلو عند تناول الفسيخ لأنّها تكسبه طعما طيبا وتساعد على الهضم الطبيعي كما أنها تساعد علي التخفيف من أثر الملح الزائد الذى يحتويه الفسيخ كما يفضل أن يتم تناول البرتقال والموز بعد أكل الفسيخ وشرب كمية كافية من الماء أو بعض الأعشاب المغلية مثل الشاي الأخضر والنعناع والقرفة كما يجب عدم تناول المياه الغازية مع الفسيخ لأنها تتفاعل مع الأملاح وتسبب إلتهابات في المعدة والأمعاء كما تتسبب في إحتباس البول لإحتوائها على بيكربونات الصوديوم كما يفضل ألا يتناول الأطفال الأقل من ثلاث سنوات والسيدات الحوامل والمرضعات والمصابين بأمراض القلب وقرحة المعدة الفسيخ لتأثيره الضار علي حالتهم الصحية .
وتبدأ عملية تصنيع الفسيخ بإختيار نوع جيد من السمك الطازج من الأصناف السابق ذكرها في السطور السابقة ويجب التأكد من ملمس السمكة الناعم ولون الخياشيم الحمراء ورائحة السمك الطبيعية الطيبة ثم يتم تنظيف السمك جيدا وغسله بالماء النقي ثم يترك ليجف في وعاء التصفية من الماء لمدة يومين مع تغطيته بقطعة من القماش منعا لوصول الحشرات والغبار إليه وفي خلال هذا الوقت يتم تحضير براميل كبيرة من الخشب أو أوانٍ فخارية يتم إعدادها خصيصا لعملية تصنيع الفسيخ وبحيث تتميز بوجود مسام في مادة تكوينها تسمح بخروج المواد الضارة والماء والملح الزائد من السمك ثم يتم تحضير خلطة مكونة أساسا من الملح مع إضافة القليل من البهار والفلفل الحار وبعض الأعشاب التي لها رائحة طيبة مثل ورق الغار بالإضافة إلى كمية بسيطة من الكركم وذلك لكي يتشبع الفسيخ باللون الذهبي الجميل عندما ينضج ويفضل البعض عدم إضافة الكركم حيث أنهم يفضلون اللون الفضي الطبيعي للفسيخ وبعد ذلك يتم وضع كمية كافية من الملح والبهار في منطقة خياشيم السمكة بعد غسلها بالماء والتأكد من نظافتها وفائدة هذه العملية أنها تجعل جسم السمكة من الداخل قادرا علي إمتصاص الأملاح ثم يتم وضع طبقة من الملح والبهار في قاع البرميل الخشب أو آنية الفخار ثم يرص أعلاها طبقة من السمك خلف خلاف أى يتم وضع أول سمكة ثم توضع التي تليها بحيث يكون رأسها عند ذيل السمكة الأولي وذيلها عند رأسها حتى تكون الرصة مستوية ثم توضع أعلي طبقة السمك الأولي طبقة ملح وبهار ثم توضع طبقة سمك أخرى وفوقها طبقة ملح وبهار ايضا وهكذا حتي يمتلئ البرميل الخشبي أو الآنية الفخارية وعلى أن تكون الطبقة العلوية النهائية طبقة ملح وبهار ويتم تغطيتها بالبلاستيك ثم يتم إغلاق البرميل الخشبي أو الآنية الفخارية جيدا ويتم تخزينها ومن المهم جدا أن يكون التخزين في مكان مناسب لا تصله الشمس وأن يكون المكان مكيف الهواء أو جيد التهوية ولا يتم فتح الغطاء نهائيا لمدة تتراوح بين شهرين إلى ثلاثة أشهر لأن السمك المحفوظ إذا تعرض للهواء قبل هذه المدة يفسد ويتعفن وتتراوح مدة صلاحية الفسيخ الذى يتم تصنيعه بهذا الأسلوب ستة أشهر إلى سنة علي الأكثر من تاريخ فتح البرميل الخشبي أو الآنية الفخارية على حد سواء .
وجدير بالذكر أنه كان قديما يستخدم الصيادون أكياس من القش أو الورق الغليظ بدلا من البراميل الخشبية أو الأواني الفخارية لكي يقوموا بتصنيع الفسيخ وكانوا يلفونها طبقات فوق بعضها جيدا ثم يخزنونها في حفرة بين رمال الشاطئ ويتركونها لنفس المدة المذكورة حتى تأخذ السمكة وقتها فى الملح ثم يستخرجونها بعد أن ينضج الفسيخ ويبدأون في بيعه وتناوله وجدير بالذكر أيضا أنه يفضل أن يتم شراء الفسيخ من محلات خاصة نظيفة حاصلة علي ترخيص من وزارة الصحة وذلك لضمان الجودة صحيا وضمان أن يكون قد تم تصنيعه بطريقة تصنيع آمنة كما يجب التأكد من أنه طيب الرائحة ناعم الملمس ومنطقة الخياشيم حمراء وأن يكون جسم الفسيخ صلب متماسك خالٍ من المياه وللتأكد من ذلك نقوم بالضغط على جسم الفسيخة بأصابعنا قليلا فإذا عاد جسمها لحجمه الطبيعي بسرعة تكون طازجة أما إذا بقي أثر للإصبع لمدة فإن الفسيخة تكون قديمة وغير طازجة وربما تكون فاسدة كما يجب تجنب شراء الحجم الكبير من الفسيخ فهو غير مستحب لأنّ نسبة الملوحة به واللازمة لتصنيعه منذ البداية تكون أقل من المعدل المطلوب للتمليح نظرا لكبر حجمه فيكون هناك إحتمال كبير أن يكون داخله فاسدا .
ومن أشهر المدن المصرية التي لها شهرة واسعة وسمعة طيبة في تصنيع الفسيخ مدينة نبروه إحدى مدن محافظة الدقهلية والتي بدأت صناعة الفسيخ بها مع بداية الإحتلال الإنجليزي لمصر أى من حوالي 135 سنة أو أكثر حيث إستولي عدد قليل علي معظم الأراضي الزراعية بها فإضطر عدد كبير من أبناء القرية للبحث عن مهنة أخرى يقتاتون منها فلجأوا إلي العمل بمهنة الصيد وتمليح الأسماك وبيعها للمدن والقري المجاورة حتي ذاع صيتها في هذه الصناعة لدرجة أنهم أطلقوا علي نبروه مدينة الفسيخ والتي يتوافد إليها منذ ذلك الوقت وحتي وقتنا الحاضر الآلاف من مواطني جميع محافظات مصر لشراء إحتياجاتهم من الفسيخ النبراوى كما أطلق عليه نسبة إلي مدينة نبروه تزامنا مع حلول عيد شم النسيم والذي لا يخلو منزل في مصر كلها من مظاهر الإحتفال به وشراء الفسيخ خلال ذلك اليوم وتقع هذه المدينة على الشاطئ الغربي لنهر النيل فرع دمياط وتبعد حوالي 7 كيلومترات عن مدينة المنصورة عاصمة محافظة الدقهلية وعندما تخطو بقدميك أولى خطواتك داخل هذه المدينة تستنشق رائحة الفسيخ التي تنبعث من كل مكان حولك فالمدينة الساحرة بها أكثر من 100 محل ومصنع لصناعة الفسيخ وفي كل شارع من شوارع المدينة لابد وأن تجد محل لصناعة الفسيخ ورثتها الأجيال الجديدة من الآباء والأجداد وإستطاعوا أن يحافظوا على شهرة مدينتهم في هذه الصناعة حتى الآن ولتبقى هذه المدينة عاصمة صناعة الفسيخ على مستوى مصر كلها وكما يقول أهلها إن السر في ذلك يعود في الأساس إلي النظافة وحسن إختيار أنواع السمك الجيد لتصنيع الفسيخ والإهتمام بجودة التصنيع من حيث التخزين والحفظ إلي جانب إعتدال أسعاره .
ولايفوتنا في هذا المقام أن نلقي نظرة علي تلك المدينة التي إشتهرت بصناعة الفسيخ فقد شهدت هذه المدينة العريقة العديد من الوقائع التاريخية التي تشهد على قدمها فخلال القرن الأول الميلادي نزل بِها السيد المسيح وأمه السيدة مريم العذراء أثناء قدوم العائلة المقدسة إلي مصر كما نالت إهتماما بالغاً في العصر الإسلامي وأنشئ بِها العديد من المساجد منذُ فتح مصر وتحريرها من الرومان على يد الصحابي الجليل عمرو بن العاص حيث أمر بِبناء مسجد الأربعين بها والذي تم تجديده بعد ذلك عام 1288 هجرية الموافق عام 1871م كما نالت أيضا رعاية وإهتمام الخليفة العباسي المأمون في الحفاظ على سلامة سكانها من المسلمين والمسيحيين أثناء حالة الإضطرابات التي شهدتها البلاد بعد مقتل أخيه الأمين وفي أوائل العصر المملوكي أمر السلطان الظاهر بيبرس ببناء مسجد سيدي مجاهد بها والذي كان يمثل تحفة معمارية عظيمة في عصره وفي عام 607 هجرية الموافق عام 1210م تم بناء مسجد الشيخ عبيد وقد نالت أيضا إهتمام محمد علي باشا خلال قيامه ببناء مصر الحديثة حيث قرر بناء أول مدرسة زراعية في مصر علي أرض نبروه تسير في دراستها علي غرار النظم والمناهج المعمول بها في دول قارة أوروبا في ذلك الحين والتي نقلت فيما بعد الي مدينة شبرا الخيمة وأصبحت كلية الزراعة جامعة عين شمس في الوقت الحاضر وقد بزغ العديد من أبناء نبروه في شتي العلوم مما لفت إنتباه محمد علي باشا وقرر إرسالهم ضمن البعثات المسافرة لأوروبا للإستفادة من خبراتهم ونقلها الي مصر وقد كان الطبيب الخاص لمحمد علي باشا أحد أبناء نبروه وهو الدكتور إبراهيم بك النبراوي وإلي جانب شهرة نبروه حاليا بتصنيع الفسيخ فهي تعد مدينة تجارية وتتميز بأن بها عدد كبير من المساجد بالرغم من صغر مساحتها والتي تشمل منطقتين هما منطقة البر الغربي وهو البلدة القديمة غرب النيل ومنطقة البر الشرقي وهو البلدة الجديدة شرق النيل ..
وقد جسدت السينما المصرية شخصية الفسخاني في فيلم شهد الملكة إنتاج عام 1985م وإخراج حسام الدين مصطفي عن أحد حواديت ملحمة الحرافيش للأديب المصرى الكبير صاحب جائزة نوبل في الأدب نجيب محفوظ وقام بدور الفسخاني به الممثل الكبير حسين فهمي وشاركه البطولة الفنان فريد شوقي والفنان سعيد صالح والفنان صلاح قابيل والفنان محيي إسماعيل والفنانة نادية الجندى والفنانة عايدة عبد العزيز والفنانة نعيمة الصغير كما لم يغب الفسيخ عن الأمثال الشعبية ومن أشهرها يعمل من الفسيخ شربات ويضرب هذا المثل في من يستطيع أن يصنع شئ جيد وجميل الشكل من شئ بسيط حالته غير جيدة بالمرة أو كناية عن الشخص الذي يصنع من الشيء نقيضه تماما فمن ذا الذي يستطيع إستخراج شراب حلو ولذيذ من سمك شديد الملوحة كما يوجد مثل آخر له علاقة أيضا بالفسيخ وهولا الفسيخ ينفع يبقي مربي ولا الشمال ينفع تتربي ويضرب هذا المثل في حالة فقدان الأمل في تغيير عادات أو طباع وأخلاق بعض الأشخاص مثل الفسيخ الشديد الملوحة الذى يستحيل أن يتحول إلي مربي حلوة المذاق .
|
| |
|
| |
|
|
|
|
|
|
|