|
|
عدد : 03-2018 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
من موسوعة كنوز أم الدنيا
[email protected]
الأشمونين مدينة بمحافظة المنيا وتجاور أطلال مدينة خمنو الفرعونية وهذا الإسم مشتق من كلمة خمن باللغة المصرية القديمة وتعني الرقم 8 إذ كان كهنة تلك المدينة يعتقدون أن عناصر خلق الكون عددها ثمانية عناصر وهي أربعة آلهة تأخذ شكل الثعابين وأربعة أخرى تأخذ شكل الضفادع وهي التي سماها الإغريق هرموبوليس ماجنا والأشمونين ذات تاريخ قديم حيث كانت مزدهرة على طول التاريخ الفرعوني والعصر اليوناني الروماني ومدافنها تقع في تونة الجبل وتقع مدينة الأشمونين غرب مدينة ملوي بنحو 8 كيلو متر ويمكن الوصول اليها بالسيارة حتى الطريق السياحي والإتجاه إلي شمال مدينة ملوي لمسافة 3 كيلو متر ثم الإتجاه غربا لمسافة حوالي 8 كيلو متر وبحسب إحصائيات عام 2006م بلغ إجمالي السكان بالأشمونين حوالي 13 ألف نسمة وإسم الأشمونين هو تحريف للإسم المصري القديم خمنو أو مدينة الثمانية المقدسة ثم تغيرت إلي شمون أو شمنو وسميت بالعربية الأشمونين حيث كانت هناك شمنو الغربية وهي مدينة الأموات وشمون الشرقية وهي مدينة الأحياء فأطلق عليها العرب إسم الأشمونين وكانت الأشمونين عاصمة الإقليم الخامس عشر في مصر العليا القديمة وقد كانت مقرا لعبادة الإله تحوت إله الحكمة الممثل على شكل قرد البابون أو طائر أبو منجل ولما كان الإغريق يقرنون إلههم هرميس بالإله المصري تحوت فقد سموا المدينة هرموبوليس ماجنا وتقع هذه المدينة في قلب مصر الوسطى بالوادي الفسيح الذي يحده النيل شرقا وبحر يوسف غربا وتعد هرموبوليس من أشهر العواصم الدينية بسبب علو شأن تحوت إلهها الرئيسي وكانت هذه المدينة تهيمن على منطقة ذات أهمية إقتصادية فائقة بسبب خصوبة تربتها الزراعية وقربها من محاجر الرخام المتواجدة بالمنطقة المحيطة بها كل ذلك دفع بعض من كانوا يتولون أمرها بأن ينصبوا أنفسهم حكاما مستقلين في بعض الأحيان مستغلين فرصة ضعف السلطة المركزية فعلي سبيل المثال حدث في أواخر الأسرة السابعة عشرة أن وقعت هذه المنطقة تحت سيطرة حاكم مصري يدعى تتيان كان متعاونا مع الهكسوس وكذلك خلال عصر الإنتقال الثالث في عهد الأسرات من الأسرة الحادية والعشرين وحتي الأسرة الرابعة والعشرين مابين عام 1075 ق.م وحتي عام 664 ق.م إنتحل العديد من زعماء هذه المدينة المحليين ومن ضمنهم تحوت إمحات سلطات وخصائص ومظاهر الفرعون مرة أخرى ومن بعده أدمج إخناتون نفسه منطقة هرموبوليس داخل نطاق منطقته الإعتكافية وعاصمته الجديدة التي أنشأها لكي يبتعد عن تأثير كهنة الإله آمون بطيبة عاصمة مصر حينذاك والمعروفة بإسم أخيتاتون وبغض النظر عن هذه الوقائع والأحداث ومسألة قوة وسيطرة الحكام المحليين خلال عصر الإنتقال الثالث لم تنفتح هرموبوليس على التاريخ إلا مؤخرا فخلال العصرين اليوناني والروماني أدى سحر وجاذبية الإله تحوت إلى إجتذاب العديد من الإغريق إلى هذه المدينة حيث نما وتطور نتاج فريد من نوعه نظرا لحدوث تزاوج وتناغم بين الحضارة الفرعونية والثقافة الهيلينستية اليونانية مما أدى إلي ظهور منشآت ومقابرعديدة تجمع بين خصائص ومظاهر الحضارتين في تناغم وهارموني ملحوظ لم يحدث في أى بلد آخر دخله وحكمه الإغريق وتعد مقبرة بيتوزيريس الشهيرة بتونة الجبل دليلا واضحا على ذلك .
ولم تتبوأ الأشمونين مكانتها المرموقة في العقائد المصرية بسبب الثمانية المقدسة بها فحسب وإنما لأنها كانت كذلك مركز عبادة الإله تحوت إله الحكمة والمعرفة في مصر القديمة وإن منطقة كان لها كل هذا الثقل الديني كان لا بد أن تنال الإهتمام الكافي على إمتداد التاريخ المصري القديم وطوال العصرين اليوناني والروماني فتقام المعابد الضخمة التي تصمد لعوامل الزمن وتبني المساكن وأماكن الخدمات والمرافق بها ولسوء حظ المنطقة فقد زحف عليها العمران عبر العصور المختلفة والمتتابعة حتي أنه حاليا تطوقها ثلاث قرى هى الأشمونين والإدارة وإبراهيم عوض بالإضافة إلى الزحف الزراعي وماله من أضرار على الآثار ولذلك كله وإن كانت الأشمونين قد نالها الإهتمام إلا أنها لم تبلغ مابلغته عاصمتا مصر القديمتان منف وطيبة من أهمية في الحضارة المصرية القديمة ومع ذلك فقد نما بها النشاط البنائي والعمراني منذ بواكير التاريخ المصري القديم ولكن ليس كما نما في منف وطيبة فهناك شواهد أثرية محدودة إلي حد كبير تدل على نشاط عمراني بها في عهد الدولتين القديمة والوسطى حيث عثر علي أطلال معبد من عهد الملك أمنمحات الثاني من الدولة الوسطي وفى الدولة الحديثة أصبحت الشواهد الأثرية أكثر وضوحا حيث عثر على أطلال معبد شيده الملك أمنحوتب الثالث للإله تحوت ولم يعد منه باقيا في الوقت الحالي سوى تمثال ضخم للإله تحوت على هيئة قرد وأجزاء من تماثيل مماثلة ويعتبر هذا التمثال أضخم تمثال لقرد عثر عليه في مصر وهناك أطلال معبد وبقايا تماثيل من عهد الملك رمسيس الثاني وإبنه الملك مرنبتاح وتحتفظ المنطقة بأطلال معبد من عهد الملك نخت نبف من الأسرة الثلاثين وآخر شيده فيليب أرهيديوس الأخ غير الشقيق للإسكندر الأكبر وقد ضمت مناظر المعبد بعض المناظر الخاصة بالإسكندر الأكبر وقد نالت المدينة إهتماماً كبيرا في العصرين اليوناني والروماني ومن الشواهد على ذلك كثرة الأعمدة اليونانية الرومانية التي كانت تحمل سقوف منشآت ضخمة ربما كانت أجورا أي سوق ثم تحول السوق في وقت لاحق إلى كنيسة قبطية بازيليكية كما يعتقد بعض العلماء والباحثون هذا ولا تزال المدينة تحتفظ ببعض الآثار الرومانية في صورة حمامات رومانية عامة وبقايا معبد للإمبراطور نيرون وخلافه .
ومن أهم آثارمدينة الأشمونين متحف مفتوح في الهواء الطلق يضم تمثالين ضخمين للإله تحوت على شكل قرد بابون متضرعا للشمس بالإضافة لمنحوتات حجرية أخرى ترجع إلى عهد الدولة الحديثة وبقايا معبد للإله تحوت كان به تمثال للملك رمسيس الثاني تم نقله إلي المتحف المصرى بالقاهرة ومدخل هذا المعبد يقع علي الجانب الجنوبي منه ويوجد علي جانبيه عدد 4 صفوف من المناظر يظهر أعلاها سيتي الثاني يتقبل رمز الحياة من الإله تحوت وأسفلها وهو يتقبله من آمون رع وفي الجانب الشمالي المقابل توجد مناظر لسيتي الثاني يتناول رمز الحياة من آلهة أخرى كما يرى وهو يقدم الزهور والبخور لآمون رع وقد واصل ملوك الدولة الحديثة الإضافات والتوسعات بهذا المعبد حيث أضاف الملك حورمحب إليه صرحا كما أضاف الملك رمسيس الثاني صرحا آخر أقام أمامه تمثالين ضخمين له وعدة أفنية وصالات أعمدة وأضاف إبنه مرنبتاح العديد من المناظر للصرح الذى بناه أبوه .
وإلي جانب هذا المعبد يوجد معبد آخر بناه الملك رمسيس الثاني شمالي مدينة الأشمونين وقد تهدم معظمه ولم يعد باقيا منه إلا قواعد تماثيل ضخمة كانت قائمة في مدخل المعبد ولم يكتمل بناء هذا المعبد في عهد رمسيس الثاني وأكمله إبنه وخليفته مرنبتاح وكان صرح هذا المعبد إرتفاعه 8 متر وطوله 29 متر وقد أضاف إليه مرنبتاح بهو مفتوح ولم يبق منه سوى 9 أعمدة وتمثالين كبيرين نقلا إلي المتحف المصرى ونجد علي جدران هذا المعبد مناظر لمرنبتاح يقدم القرابين أمام العديد من الآلهة مثل آمون رع وتحوت وحور وكان المعبد محاطا بسور مبني من الطوب اللبن تهدم معظمه كما يوجد معبد آخر يعود تاريخه إلي عصر الدولة الوسطي ولم يتبق منه إلا القليل من البقايا والتي فيها مايدل علي أنه قد تم تشييده أيام الملك أمنمحات الثاني وبواجهة مدخله منظران يمثلان ملكا يقدم لبنا إلي إله رأس الكبش وخبزا للإله تحوت وأسفلهما تظهر بعض النصوص الدينية وفي الواجهة المقابلة لتلك الواجهة نجد أنه يوجد عليها عدد 4 صفوف من النصوص الدينية التي تسجل بعض المعلومات عن المعبد .
وتوجد ايضا بمدينة الأشمونين بقايا معبد يسمي معبد فيليب أرهيديوس وهو كما أسلفنا الأخ الغير شقيق للإسكندر الأكبر وقد بني هذا المعبد تكريما للإله تحوت أيضا وقد تم تزيين الواجهة الخارجية لهذا المعبد بعدة مناظر للإسكندر الأكبر تمثله في صورة فرعون وهو يتعبد أمام أحد الآلهة المصرية كما توجد مناظر أخرى تصوره وهو يتعبد أمام الإله تحوت وبالإضافة إلي هذا المعبد توجد بقايا لسوق يونانية وكانت تسمي الأجورا عبارة عن مجموعة من الأعمدة المصنوعة من الجرانيت الأحمر الرائعة لها تيجان كورنثية بعضها قائم وبعضها الآخر ملقي علي الأرض وتوجد لافتة حجرية تحدد تاريخ إنشاء السوق وهو عام 350 ق.م في عهد بطليموس الثاني وزوجته أرسينوي وكما أسلفنا يظن بعض العلماء والباحثون أن تلك السوق قد تحولت في زمن لاحق إلي كنيسة علي النظام البازيليكي الذى كان سائدا في عصر الدولة الرومانية .
وللأسف الشديد وكنتيجة لعدم تسوير المنطقة الأثرية بمدينة الأشمونين أصبحت تلك المنطقة ممرا للمواطنين والماشية والسيارات كما تسللت الحشائش إلى داخل المنطقة الأثرية وباتت وكرًا للخارجين على القانون ومسكنًا للزواحف والحشرات كما تهدمت أجزاء مهمة من أعمدة المعابد والكنائس وتناثرت أجزاء منها على الطرقات وراح الصبية يخطون على الأحجار الأثرية بكتابات أخفت معالمها في حين تقدم بعض السيدات على نشر ملابسهم وإلقاء فضلاتهم بتلك المنطقة دون رقيب ولاحسيب وخاصة انه لا توجد أى وسائل إنارة بالمنطقة وأيضا لاتوجد أى لافتات إرشادية توضح المكنون الأثري بها إلي جانب حدوث حالات تعدى وبناء مخالف علي المتطقة الأثرية علاوة علي تعرض المنطقة للسرقات من الخارجين علي القانون ولصوص الآثار حيث لا تتوافر ميزانية مخصصة من أجل إنشاء أسوار حول المنطقة الأثرية إلي جانب ضعف الحراسة عليها فالحكومة لا تخصص ميزانية لهذه الأعمال بإعتبار أن قطاع الآثار قطاع ذاتي التمويل وما تقدمه الحكومة أحيانا لهذا القطاع يعتبر سلفة يجب ردها من إيرادات وزارة الاثار والتي تناقصت إلي حد كبير تناقصا كبيرا نتيجة توقف حركة السياحة الوافدة إلي مصر منذ أواخر عام 2015م مما أدى إلي عدم دخول أى إيرادات مالية في خزينة هيئة الآثار بمحافظة المنيا منذ هذا التاريخ وتوقف العديد من مشاريع تطوير وتنمية العديد من المناطق الأثرية في ربوع مص
|
| |
|
| |
|
الصور : |
|
|
|
|
|
|
|
|