|
|
عدد : 03-2018 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
من موسوعة كنوز أم الدنيا
[email protected]
شيد هذه المجموعة السلطان الأشرف قنصوة الغورى خلال عام 909 هجرية وعام 910 هجرية الموافقين لعام 1503م وعام 1504م وهي مكونة من مسجد إلى جانب مدخله يوجد سبيل يعلوه كتاب وفي الخلف توجد خانقاة وإلي جوارها 3 منازل وتجتمع المجموعة كلها في واجهة واحدة متصلة تشرف على شارع الأزهر عند تلاقيه مع شارع المعز لدين الله الفاطمي وتلك المجموعة هي أعظم ماتركه السلطان الغورى من منشآت وتعد بحق أبدع وأجمل وأروع ماتركه لنا سلاطين دولة المماليك الجراكسة والسلطان الغورى كان في الأصل أحد مماليك السلطان المملوكي الأشرف قايتباى وإستمر في خدمته حتي أعتقه وصار يتقلب في الوظائف حتي على قدره إلي أن تولي بعد ذلك حكم مصر عام 906 هجرية الموافق عام 1501م .
وكان السلطان الغورى شغوفا بالعمارة وفنونها ومحبا لها مثل سيده السابق السلطان قايتباى فقام بإنشاء الكثير من المباني الدينية والخيرية ولم يكن إهتمامه مقصورا فقط علي المنشآت التي تم تشييدها في عصره وعلي يديه بل تعدى ذلك إلى المنشآت التي قام بتشييدها أسلافه فقام بعمل إصلاحات وترميمات وتجديدات بها وكان على رأسها الجامع الأزهر الشريف وقد إقتدى به الأمراء في عصره فقاموا بإنشاء العديد من المنشآت والمباني التي مازالت باقية حتي الآن تنطق جميعها بإزدهار العمارة والفنون في عصره إزدهارا عظيما وكان العصر المملوكي بحق هو العصر الذهبي للعمارة الإسلامية وفنونها في مصر وإستمر ذلك العصر حوالي 260 سنة أى أكثر من قرنين ونصف القرن حيث بدأ حكم دولة المماليك لمصر في منتصف القرن الثالث عشر الميلادى على يد السلطان عز الدين أيبك التركماني بعد مقتل آخر السلاطين الأيوبيين توران شاه إبن السلطان الأيوبي الملك الصالح نجم الدين أيوب وكان علي سبيل المثال لا الحصر من أهم الآثار المملوكية في مصر غير مجموعة السلطان الغورى مجموعة السلطان قايتباى ومسجد السلطان المؤيد شيخ وعدد 3 مساجد للسلطان الأشرف برسباى ومجموعة السلطان حسن بالقاهرة وقلعة قايتباى بالإسكندرية غير عدد كبير من القباب والأسبلة والخانقهات والوكالات والمدارس والكتاتيب والمنازل الأثرية .
ويعد مسجد السلطان الغورى أهم مافي هذه المجموعة وهو يقع في منطقة الغورية عند تلاقي شارع الأزهر مع شارع المعز لدين الله الفاطمي بالقاهرة وقد تم تخطيطه على طراز نظام التخطيط المتعامد فهو يتكون من صحن مكشوف مربع الشكل تقريبا حيث يبلغ طوله 12 متر وعرضه 11 متر وتتعامد عليه وتحيط به 4 إيوانات من جهاته الأربع كل منها به عدد من العقود فوقها شريط مكتوب عليه آيات قرآنية بالخط المملوكي ويعلوه ازار من المقرنصات جميلة الشكل والايوانات الأربعة أكبرها إيوان القبلة وبه المحراب والمنبر والإيوان الموازى له بينما نجد الإيوانان الجانبيان أصغر منهما ويحيط بداير الصحن صفوف من الدلايات
الخشبية المذهبة ويحيط بجدران الإيوانات الأربعة وزرة من الرخام الملون تنتهي من أعلى بشريط رخامي مكتوب عليه بالخط الكوفي آيات قرآنية وتاريخ بناء المسجد ويتوسط صدر ايوان القبلة محراب من الرخام الملون وبجواره يوجد منبر خشبي دقيق الصنع به حشوات رائعة الشكل من السن المدقوق بالأويمة وتتخللها حشوات صغيرة مدعمة بالزرنشان وأرضية المسجد تم تبليطها برخام ملون ومقسمة بتقاسيم بديعة وسقف المسجد مقسم إلى ترابيع منقوشة ومذهبة وأسفله مباشرة يوجد ازار عليه كتابات مذهبة وبأركانه مقرنصات بديعة المنظر وفي مؤخرة الإيوان الغربي وفي مواجهة المحراب مباشرة تجد دكة المبلغ ويحملها عدد 2 كابولي خشبي ومكتوب عليها إسم السلطان قنصوة الغورى وألقابه وأدعية له وللدكة درابزين خشبي مقسم من أسفل إلى حشوات بعضها مطعم بالسن والأبنوس وبعضها عبارة عن خرط خشبي دقيق .
وللمسجد 3 واجهات أهمها الواجهة الشرقية التي تطل علي شارع المعز لدين الله وبوسطها المدخل وبها 3 صفوف من الشبابيك يعلوها شريط مكتوب عليه أية قرآنية ثم إسم السلطان الغورى وألقابه وأدعية له أيضا وتتوج الواجهة شرفات محلاة بزخارف محفورة في الحجر وصدر المدخل محلي بتلابيس من الرخام الأبيض والأسود وهو علي هيئة عقد ذو 3 فصوص وتعلوه طاقية من المقرنص الجميل وباب المدخل تمت تكسيته بالنحاس المزخرف ويتم الوصول للمدخل عن طريق سلم مزدوج مكون من بضع درجات وهو يؤدى إلي ردهة مربعة سقفها به نقوش وأرضيتها من الرخام وبها بابان باب يؤدى إلى دهليز ومنه إلى صحن المسجد والآخر يؤدى إلى دهليز آخر يؤدى إلى حجرة مستطيلة.
وفي الطرف الجنوبي الشرقي للمسجد توجد المئذنة وهي من أروع وأجمل المآذن في العالم الإسلامي كله حيث أنها ضخمة ومربعة الشكل ولها 3 حطات كل منها مربع الشكل أكبرها الحطة السفلية وأصغرها الحطة العلوية وبين كل حطة وأخرى تشكيل من المقرنصات البديعة الشكل وتنتهي المئذنة من أعلى بتحفة معمارية فنية بديعة عبارة عن 5 رؤوس كمثرية الشكل يعلو كل منها هلال نحاسي ويبقى لنا أن نذكر أن السلطان الغورى قد قام بتشييد مئذنة للجامع الأزهر تسمي المئذنة ذات الرأسين تعتبر أيضا من المآذن الفريدة من نوعها فهي مئذنة دائرية رشيقة وتنتهي من أعلي برأسين كل منهما كمثرى الشكل وأسفل كل منهما جسم مخروطي ومحمولان علي دعامتين حجريتين بكل منهما فتحة معقودة من الثلاث جهات المكشوفة وتلك المئذنة ذات الرأسين أيضا تعتبر تحفة فنية معمارية رائعة لم تتكرر في أى مئذنة أخرى .
وأخيرا يبقي لنا أن نذكر أنه في شهر رجب عام 922 هجرية الموافق عام 1516م غزا السلطان العثماني سليم الأول بلاد الشام وضمها إلى دولته وعقد النية لغزو مصر ومع تطور الأحداث لم يجد السلطان الغوري بدا من ملاقاة العثمانيين لصد خطرهم على الدولة المملوكية فخرج له السلطان قنصوة الغورى بجيشه ومن ثم تقابلت الجيوش المصرية بقيادة السلطان قنصوه الغوري مع الجيوش العثمانية بقيادة السلطان العثماني سليم الأول في سهل مرج دابق ببلاد الشام في شهر أغسطس عام 1516م وتعرض السلطان الغورى للخيانة من جانب بعض قواده وعليه فقد هزم الجيش المصري ولقى السلطان الغوري حتفه تحت سنابك الخيل العثمانية وواصل العثمانيون زحفهم نحو مصر وكان قد تولي الحكم السلطان طومان باى خلفا لعمه السلطان قنصوة الغورى والذى كان قد عينه نائبا له عند خروجه لقتال العثمانيين وبعد مقتله أجمع الأمراء على إختياره سلطاناً لمصر وقد إمتنع في بداية الأمر بحجة ضعف الموقف العام وتشتت قلوب الأمراء وحدوث فتنة من قبل بعض المماليك حيث تم نهب سوق خان الخليلي ثم تم قتل جميع التجار الأروام به بحجة أن أصولهم تعود للعثمانيين ولكنه في النهاية قبل أن يتولي الحكم بعد أن أقسم له الأمراء بالمصحف بالسمع والطاعة والولاء له وعدم خيانته وقدر السلطان طومان باى الموقف ووجد أن العثمانيين لابد وأن يواصلوا زحفهم نحو القاهرة فجمع جيش من المماليك والأهالي وأراد الخروج لقتال العثمانيين ولكنه واجه تخاذل المماليك وإستهانتهم بخطورة الموقف وخلال تلك الفترة أرسل له السلطان سليم الأول رسالة يعرض عليه أن يكون تابعا للسلطنة العثمانية في مقابل إبقائه حاكما لمصر غير أنه رفض العرض وخرج طومان باي إلي صحراء الريدانية وهي العباسية حاليا وتحصن بها وحفر خندقاً على طول الخطوط الأمامية لكن عندما علم العثمانيون بذلك تحاشوا لقاء جيش طومان باى وإتجهوا صوب القاهرة من طريق آخر فتبعهم طومان باى وإلتحم الجيشان في معركة طاحنة ومع كثرة أعداد العثمانيين وقوتهم لم يتمكن المماليك من وقف زحفهم وهرب العسكر الذين حول طومان باي فخاف أن يمسك به العثمانيون فهرب وإختفى ولم يشأ السلطان سليم الأول أن يدخل القاهرة مباشرة وهو يعلم أن طومان باى حي ومن الممكن أن يجمع حوله جنود كثيرون مما يهدد أمن وسلامة العثمانيين وتمهل لمدة 3 أيام ثم دخل القاهرة في يوم 3 من شهر المحرم عام 923 هجرية الموافق يوم 26 يناير عام 1517م وبعد يومين بالتحديد شن طومان باى غارة مفاجئة علي الجنود العثمانيين ودارت معركة طاحنة في أزقة وشوارع القاهرة لمدة 4 أيام ولكن الأمر إنتهي بإنتصار العثمانيين وهروب طومان باى مرة أخرى وإستسلام أمرائه وقد عفا السلطان سليم الأول عمن سلموا أنفسهم وأطلق سراحهم كما أمر بمعاقبة كل من رفض الإستسلام ولم ييأس طومان باى وإستمر يشن غاراته علي العثمانيين ولكن نظرا لكثرة عدة وعتاد العثمانيين إنكسرت مقاومة طومان باى وفر هاربا للمرة الثالثة ولجأ إلي رجل كان قد عفا عنه وأخرجه من السجن بعد أن تولي حكم مصر وكان مسجونا في عهد عمه السلطان قنصوة الغورى ولكنه وشي به وأبلغ عنه العثمانيين فتم القبض عليه وحكم عليه بالإعدام وقد قابل الحكم بشجاعة وعند تنفيذ الحكم نظر للناس المتجمعين من حوله وهو في قيوده وأغلاله وطلب منهم أن يترحموا عليه وبالفعل تم تنفيذ الحكم وتم شنقه وتعليق جثته علي باب زويلة ولتنتهي صفحة دولة المماليك إلي الأبد وتدخل مصر تحت حكم الدولة العثمانية لمدة 3 قرون تقريبا عانت فيهم من ويلات التخلف والإنحدار والتردى في كل نواحي الحياة وإستمر الحال هكذا حتي بداية القرن التاسع عشر الميلادى حيث تولي حكم مصر محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة ولتبدأ مصر على يده صفحة جديدة من تاريخها تحقق فيها نهضة إقتصادية وتعليمية وعمرانية تعوض الكثير مما فاتها ولتلحق بركب المدنية الحديثة
|
| |
|
| |
|
الصور : |
|
|
|
|
|
|
|
|