بقلم الباحث/ مصطفي محمود
إن الفهم الواعي من قبل الحاكم لطبيعة محكوميه و استغلال ذلك الفهم المدروس بشكل سليم لهو الطريق الحقيقي لتجاوز المحن و بناء الدول. وهو ما وعاه السلطان بيبرس جيدا في حكمه للشعب المصري و قام باستغلاله بمهارة.
لقد تولي بيبرس حكم الدولة المملوكية – و مركزها مصر – في ظروف خطرة واستثنائية خاصة من الناحية الأمنية و الاقتصادية،فبيبرس كان أمام (حقيقتين) لا خلاف عليهما بناءاًعلي أدلة واقعية من الناحيتين الاستراتيجية والاجتماعية:
الأولي: أنه بات علي رأس دولة كبري في زمانها،فالدولة المملوكية كانت قد امتدت من بلاد الشام وحتي الحدود الليبية (حاليا) إضافة الي عدد من المدن الساحليةعلي طول البحر المتوسط و البحر الأحمر، والتي امتدت ايضا من السواحل المصرية علي شاطئ البحر المتوسط شمالا حتي بلاد النوبة والسودان جنوبا فتمتعت بتأثير بالغ و نفوذ علي المناطق الجنوبية.
وبحكم كبر هذه الدولة مساحة و نفوذا وسطوة في العصور الوسطي، فقد ترتب علي ذلك تحملها لأعباء اضافية. لقد كانت الدولة المملوكية - و مركزها مصر- هي خط الدفاع الأول ضد الهجمات الخارجية المتكررة علي أنحاء الأراضي العربية و الإسلامية.
لقد تضمن مجهودها الحربي صد الخطر المغولي و الصليبي في آن واحد ،فكانت مصر – مركز الدولة المملوكية -هي طرفا رئيسيا في معادلة القوة في المنطقة و قتئذ. لقد واجهت الدولة المملوكية أخطارا خارجية متعددة بالإضافة الي قلاقل وفتن داخلية، تمثلت في كثير من الأحيان في تنازع الأمراء المماليك علي الحكم أو حركات العربان المتمردة و غيرهم من الأطراف الثائرة بشكل مستمر إضافة الي المطالبات المستمرة للأيوبيين بما اعتبروه حقا شرعيا في وراثة عرش مصر مما حدا بهم لقيادة الكثير من الحملات التي استهدفت ضرب قوة المماليك في مصر و الاستيلاء علي عرشها، و هي الحملات التي نجحت الدولة المملوكية في القضاء عليها بنسبة كبيرة.. وبهذه (الحقيقة الأولي) كان بيبرس أمام تحديات سياسية و عسكرية و اقتصادية متعددة تحتاج لبذل مجهود شاق للتغلب عليها.
و أما الحقيقة الثانية:فقد كانت انه يحكم شعبا ذا خصائص نفسية فريدة طبعته بها العديد من الظروف المحيطة به, لقد كان الشعب المصري حاملا للكثير من الصفات المتميزة اضافة الي حمله للكثير من المتناقضات في آن واحد, و هو ما تحدثت عنه الباحثة الإنجليزية "وينيفريد بلاكمان" في كتابها (الناس في صعيد مصر) و التي استهدفت بها تحليل الكثير من خصائص المصريين و عاداتهم و تقاليدهم, حيث ذكرت أن:(الشخصية المصرية مركبة) فغالبا ما تجمع بين تناقضات حادة كالطيبة و القسوة و بين اظهار السذاجة و الذكاء الحاد و بين الحزن النابع من شقاء المعيشة الي الفكاهة و القدرة المستمرة علي الضحك و اطلاق النكات , ذلك كله يكون في وقت واحد !.. هذا الي جانب تناقض الافعال بشكل كبير في وقت واحد ايضا، و قد ارجعت الباحثة الانجليزية ذلك الي اسباب الاختلاف الكبير في الطبيعة الجغرافية للاراضي المصرية بين الصحاري الجدباء و بين وادي النيل الخصيب. او ربما بسبب تتابع الاحداث و تأثير نظم الحكم المتعددة عليه و التي اتسمت غالبا بالاستبداد.
لقد أدرك بيبرس طبيعة الشعب الذي يحكمه جيدا و فهم قدراته الحقيقية و مدي إيمانه و اصراره و صبره علي تحقيق الأهداف الكبري و انه يتحول الي قوة كبيرة ان تم اعداده بشكل سليم من النواحي الاقتصادية و الاجتماعية و العلمية.
وعلي هذا الاساس كانت سياسة السلطان بيبرس العامة في العناية والاهتمام بالشعب المصري، فأنشأ المدارس الضخمة المتعددة لتوفير خدمات تعليمية متميزة واصلاح العقيدة ويعد مسجده – المدرسة – بميدان الظاهر بمصر القديمة من اروع النماذج المعمارية علي ذلك ،وقام بيبرس بإنشاء نظم ادارية متميزة استهدفت مراقبة العمال و الولاةعلي انحاء الدولة و تحقيق مبدأ الثواب و العقاب عند تقييم الأداء لكل مسئول في الدولة وقتئذ، كما سار علي نهج إصلاح حقيقي للنظم القضائية و في ذلك عين قاض لكل مذهب من المذاهب الفقهية الاربعة كي يحقق المصلحة العامة ولا يهمش فئة دون أخري وقد كان يتدخل بنفسه لحل الخلافات – بالحيلة أحيانا – إن نشأت بين هؤلاء القضاة.وأما المجهود الحربي فقد بذل فيه بيبرس الكثير لحماية البلاد من الخطر المغولي و القضاء علي الصليبيين المهددين للأمن القومي للدول العربية و الإسلامية.
و مع كل تلك المجهودات الحربية و الإصلاحات المتعددة في بنية الدولة فنحن لا نسمع عن زيادتة للضرائب او تحميله أعباء إضافية للمصريين بل علي العكس فقد كنا كثيرا ما نسمع عن تخفيضه لحجم الضرائب علي الاهالي بصفة مستمرة.وعلي هذا فقد أصبح بالفعل الشعب المصري قوة كبيرة في مساندته علي حفظ الاستقرار الداخلي للبلاد مما ادي لقضاءه بسهولة علي العديد من الفتن الداخلية من قبل الامراء او الاخطار الخارجية المتعددة و تحقيق اصلاح شامل في الجانب الاقتصادي للدولة و حفظ أمنها ووحدتها.
السلطان بيبرس أدرك بوعي وحسن فهم رجل الدولة انه بالارتكاز علي شعب قوي, ذكي و مثابر كالشعب المصري يمكنه إدارة كافة التحديات الداخلية والخارجية و تجاوزها بل و القضاء عليها نهائيا.
لقد أحسن بيبرس للشعب المصري, فأحسن الشعب المصري إليه حتي باتت ذكراه العطرة تحتل الأناشيد و السير الشعبية لقرون متعددة ربما حتي القرن التاسع عشر وعصرنا هذا.
|