بقلم / شيماء على
لن نتحدث اليوم عن شجره مثل أى شجره تنمو ونأخذ منها الخير أيا كان هذا الخير الالهي وأيا كانت كيفية حصولنا عليه سواء كان هذا الخير ممثلا فى ثمار او هواء او نستظل بها او منظر طبيعي يوحي بالجمال والابداع الالهي.. فشجرتنا ذات طابع خاص لما تحمله من أسرار عبر تاريخ وجودها الطويل على سطح الارض وان كان لا يوجد احد باستطاعته ان يحدد تاريخ ميلادها على سطح الارض وانما استطاع البشر على مدار القرون التى مرت بها تلك الشجره تحديد بداية ظهورها ،ومن هنا بدأت قصة تلك الشجره المباركه والتى كانت بمثابة معجزه إلهيه مقدسه مازالت الى الان وبالرغم من مرور هذا الوقت فلازالت موجوده بيننا الى الان.
نعم، انها معجزه من المعجزات الالهيه فقد احتمى بظلها وباركها أنقى البشر وأطهرهم ،نبي من انبياء الله ،وصاحب رساله سماويه، نعم تلك الشجره اصبحت مباركه ومقدسه باختيار رب العالمين لها لحماية نبيه ووالدته فقد قامت تلك الشجره المقدسه بحماية السيده مريم العذراء ومعها رضيعها نبي الله عيسى عليه السلام.
تلك الشجرة المقدسه او كما اطلق عليها شجرة السيده العذراء مريم توجد في مصر بلد الامن والسلام بلد جمعت بين الاديان السماويه بلد المحبه وقد وجدت تلك الشجره المباركه ذات القدسيه الالهيه تحديدا في مكان يطلق عليه المطرية التى تقع في أقصى شمال محافظة القاهرة بالقرب من مسلة "سنوسرت" ، وتعتبر تلك الشجرة المباركه من الاثار القبطية المعروفة في مصر وقد عرفت باسم "شجرة العذراء مريم" ، ويمكن الوصول اليها من شارع متفرع من شارع المطراوى ، حيث تم تسمية الشارع نسبة الى تلك الشجره المقدسه والشجرة محاطة بسور كبير يتوسطه حديقة جميلة.
وقد ذاعت شهرة هذه المنطقة قديما بجامعاتها التي كانت خاصة بالعلماء من الكهنه المصريين ، والذين ذاع صيتهم في تدريس جميع علوم العلم والمعرفة ، وقد ذاع صيت وشهرة هذه المنطقة مرة أخرى بسبب مجيء العائلة المقدسة إلى مصر مرورا بتلك المنطقة ومباركة العذراء مريم والمسيح عليه السلام لتلك الشجره والتي كانت تحمل أغصانها جميزا ولكن المولى عز وجل جعلى منها شجره مميزه مقدسه بمباركة نبيه لها وبهذا اختلفت وتميزت من بين ملايين الشجر الموجود بالطبيعه الالهيه.
يحيط بشجرة الجميز المعمرة الأثرية بعض التفاصيل التي تربط الحاضر بتلك الفتره الزمنية فعلى بعد خطوات من الشجرة حجرة بها خريطة لمصر كلها وبعض العلامات التي تشير للأماكن التي زارتها العائلة المقدسة في رحلتها لمصر وعلى الجدران لوحات معلقة لهذه الأماكن.
وتبدأ قصة تلك الشجره المقدسه عندما ولد طفل صغير في القرن الأول الميلادي وتنبأ له الحكماء أنه سيكون ملكا ولن يكون لملكه نهاية وكانت هذه النبوئة كافية لأن يسعى الملك "هيرودس" الحاكم الظالم بقراراته فى هذا الوقت للتخلص من هذا الطفل الذي إذا كبر سوف يهدد عرشه وياخذ منه الحكم، ولكن لم يكن مكان هذا الطفل معروفا، مما دعا الملك الى إصدار أمره بقتل جميع الصبيان اللذين يقارب عمرهم عمر هذا الطفل – سنتان فما دون – ليضمن العرش له ولأولاده.
وبالرغم من القسوة والوحشية الغير متناهية لهذا القرار ، تم تنفيذ هذا الحكم حتى أن البلاد بأكملها عم فيها النواح والألم ومع ذلك فإن الطفل المقصود عاش ولم يمت لأنه لم يكن موجود حيث تم تهريبه إلى مصر.
بالتأكيد هذا الطفل هو الطفل والملك المنتظر والذى نجاه المولى عز وجل وحافظ على حياته كان المسيح عليه السلام والتى كانت أرض مصر في استقباله و فتحت ذراعيها له ولأمه السيده مريم العذراء ومعهم يوسف النجاروالذي كان مرافق للمسيح عليه السلام والسيده العذراء في رحلتهم، وقد جابوا مصر شمالا وجنوبا حتى جاءهم الأمر الإلهي بالرجوع إلى بلدهم فلسطين.
وبدات قصة تلك الشجره المقدسه بهروب السيده العذراء والمسيح عليه السلام وبصحبتهم يوسف النجار عندما ارسل هيرودس ملك اليهود من يبحث عنهم ، وأستطاع أن يتجسس أخبارهم نظرا لما حدث من معجزات كان يأتيها الطفل أثناء رحلته طول الطريق ومن بين ما روى عن تلك المعجزات ان التماثيل والأصنام كانت تتساقط وتتهشم على أثر مرور الطفل عليها ، فذاع صيتهم وتناقلت الألسن قصصهم ، فوصل ذلك إلى مسامع الملك هيرودس فقرر إرسال جنوده وزودهم بتوصياته لدى حكام مصر مشددا بالبحث عن هذه العائلة المكونة من يوسف النجار ومريم العذراء والمسيح عليه السلام الطفل المعجزه ولما شعرت العائلة بمطاردة رجال هيرودس لهم وقربهم منهم أختبأوا تحت هذه الشجرة ، فأنحنت عليهم بأغصانها وأخفتهم تماما عن أعين رسل هيرودس حتى مر الركب ونجوا من شرهم ومن هنا اصبحت تلك الشجره ذات قدسيه الهيه ومباركه واصبحت الشجره المقدسه على مر العصور.
وقد اصبحت تلك الشجره المباركه مزار ومحكي وتضم العديد والعديد من الرسوم التى تروي ماحدث تحت الجميزة المبروكة والتى لا تزال الى الان شامخة في مكانها بمنطقة المطرية رغم الشيخوخة التي أوهنت أغصانها وأضعفت جذوعها ..!
حتي البئر التي شربت منه العائلة المقدسة وبالرغم من تاثره ببعض مياه الصرف الصحي التى وجدت داخله حديثا نتيجه لاهماله وبالرغم من وجود تلك المشكلات فإن الشجرة تتمتع بمكانة جمالية وأثرية وسياحية عظيمة حيث يزورها المسيحيون والمسلمون علي السواء من كل أنحاء العالم , ويعتبرها بعض المؤرخين من الأماكن الدينية القليلة الموثقة والتي لاتقبل الشك في حقيقتها بخلاف كل الأماكن المتعلقة بتراث الأنبياء .. ولهذه الاسباب تخضع الشجرة لإشراف وزارة الاثار حيث قامت الوزاره بوضع حوامل خشبية لرفع جذوع الشجرة الجافة من علي الأرض لحمايتها من السوس ومن أجل أن تظل واقفة في مكانها بعد أن أصابها الضعف والهزال والجفاف وبالرغم من هذا الا انها تعد مزارا سياحيا هاما كما انها لا تزال ترتبط في أذهان البسطاء باعتقادات خاصة فتلك الجميزة تقف كالسيدة العجوز المتكئة علي عصاتها العوجاء لياخذ منها البسطاء البركه والحلم بان تتحقق امنياتهم من خلالها.
وقد اشتهرت تلك الشجره بالزيارات في الأعياد, وخصوصاً أعياد الميلاد حيث ان الناس يتباركون بشجرة مريم ويسعون لزيارتها لأنها تحمل قداسة واهميه كبيرة لهم, فهناك سيدات تأتي للتبرك بالمكان بهدف الإنجاب وبعضهم يعتقد في أن الشرب من ماء البئر او الاستحمام به يعالج العقم, وهناك من يأتي من أجل الشفاء من الأمراض الجلدية, فيأخذ من ماء البئر ليشرب ويغتسل طلبا للشفاء. ومن الغريب والعجيب ان إختلفت رغبات كل إنسان إلا أنهم يتفقون على شئ واحد أنها مباركه وذات قدسيه إلهيه , فهو مكان مقدس ومبارك, والكل يتبرك به ويعتقد فيه وفي بركته.
ولم يمر تاريخ الحروب والحملات داخل مصرهكذا دون الوقوف عند تلك الشجره المقدسه ودون ان تكون شاهدا عليها فاثناء الحملة الفرنسية على مصر اتجه الجنود الفرنسيون في طريقهم لزيارة شجرة العذراء وكتب الكثير منهم أسمائهم على فروعها بأسنة سيوفهم ، ونستطيع أن نرى ذلك واضحا على الشجرة العتيقة.
أما عن وجود فرع حي يحمل ثمارا في تلك الشجره وتقوم الناس بوصف ثماره دون تذوق طعمها كما يقولون انه قد نبت من الجذور الأصلية حيث ان الشجرة من نوع الجميز وثمارها طعمها حلو جدا عندما تنضج وبالرغم من هذا لا يمكن أن يقترب منها أحد فهي شجرة مباركة ولذلك لايقوم احد بتقليمها أو تهذيب فروعها أو جمع ثمارها فهذا ممنوع علي الإطلاق . كما أن الجذوع عليها كتابات دقيقة ونادرة جدا باللغة الفرنسية ويقال ان تلك الفرع الحي بالشجره قد تم تحليله ووجد انه يعود لجنود الحملة الفرنسية واتضح أنهم جلسوا أسفلها بعد خوضهم معركة عين شمس الشهيرة ضد الجنود الأتراك وكانوا يعتقدون في بركة الشجرة وقيل إن بعضهم شفي بعد أن أكل من ثمارها واستخدم اللحاء الأبيض كمرطب للجروح والآلام كما شربوا من نبع البئر ومن هنا كتبوا مذكراتهم وأسماءهم علي السيقان باستخدام السيوف والآلات الحادة وظلت هذه الكتابات الي الآن موجوده.
ولم تغادر تلك الشجره التاريخ هكذا دون التوثيق لها من قبل المؤرخين مثلها مثل اى شئ عظيم ونادر احتفظ به التاريخ على مر العصور فقد ذكرت تلك الشجره من قبل المؤرخ الإسلامي المقريزى الذي عاش حوالى منتصف القرن الخامس عشر الميلادي ،وقال أن الشجره المباركه تلك كانت مزارا مرموقا لكثير من السياح والحجاج من جهات العالم المختلفة ، ولا تزال الكنيسة القبطية المصرية تحتفل بتلك الذكري المباركة أول شهر يونية من كل عام وهى تذكار دخول المسيح أرض مصر. وذكر ايضا أن السيدة العذراء قامت بغسل ملابس طفلها وألقت بالمياه علي الأرض حيث نبت البلسم علي هذه المياه المباركة وكان يستخرج منه مادة يتم خلطها ببعض العطور لصناعة ما يسمي بمسحة الميرون التي كانت تعالج الكثير من الأمراض في العصور القديمة واستخدمت في تعميد الأطفال في الكنيسة وفي مسح أبدان الكهنة والملوك ولكن للأسف هذا النبات انقرض تماما رغم قيمتها العظيمة وقد ذكر أيضا أنه كان يستخرج من البلسان المذكور عطر البلسم ، وكان يعتبر من الهدايا الثمينة التي ترسال إلى الملوك وقد ظلت حديقة المطرية لعدة قرون مشهورة كأحد الأماكن المقدسة في الشرق.
وبفضل هذه الشجرة تحظي المطرية بأهمية خاصة حيث تضم كنيسة أثرية قديمة يحضر إليها مصريون وأجانب للتيمن بالعذراء كما يوجد بالمطرية أيضا مسلة فرعونية وعدد كبير من المقابر الفرعونية الفقيرة حيث لوحظ أن المكان كان يسكنه الفراعنة البسطاء ومن هنا كانت مقابرهم بسيطة.
اما بالنسبه لحالة تلك الشجره المباركه والبئر الان والتى يعتبرا من الاثار النادره فيجب علينا المحافظه عليها والاعتناء بها فان هذا الأثر العظيم يعاني من الإهمال شديد والمشاكل الكثيرة منذ عام 2009 وتحديدا منذ اواخر عهد الرئيس السابق مبارك حيث ان آخر ما شهده هذا المكان الهام من أعمال صيانه وتطوير كانت في هذا الوقت وكان يوجد ايضا البطريرك الراحل البابا شنودة الثالث وكان بتمويل من جمعية (إحياء التراث الوطني المصري)، لذا نناشد وزارة الاثار والمسئولين بالاعتناء به والمحافظه عليه لما يتمتع به ذلك المكان من قدسيه ومكانه وتاريخ مميز له عن اى اثر يكفينا فخرا وحمدا للمولى عز وجل وجود مثل هذا الاثر في بلادنا لذا يجب ان نقدم للمكان كل مايحتاجه من اهتمام واعمال ترميم وصيانه دوريه له من اجل المحافظه عليه ليشاهده الاجيال القادمه ويعرفوا مدى اهميته وقدسيته لدي العالم أجمع وليس لمصر وحدها.
|