بقلم/ حسن سعدالله
تعددت اثار مصر ولكن تبقى قلعة صلاح الدين الايوبى من اهم تلك المواقع التاريخية وتعد من أروع وأضخم الأماكن زيارة وتنوعاً وانتباهاً واهتماماً في مصر. تقف قلعة صلاح الدين الأيوبي، بعناصرها الهندسية والمعمارية لتكون معلماً وشاهداً بارزاً مرت به المنطقة في حقبة تميزت بالازدهار والانتشار والتطور الإنساني من خلال الدين الإسلامي الحنيف، وما تركته من قيم للعدالة والمساواة والسلم على أطراف جغرافيا العالم العربي والإسلامي عموماً.
تقع قلعة صلاح الدين الأيوبي في الحي الذي يعرف باسمها "القلعة"، وهو من أعمال قسم الخليفة وقد أقيمت على إحدى الربى المنفصلة عن جبل المقطم على مشارف مدينة القاهرة، حيث ترى من طريق المعروف حاليا باسم صلاح سالم الذي هو جزء من الطريق الدائري المقام حول مدينة القاهرة.
وكانت قلعة صلاح الدين قديما تقع على قطعة من الجبل تتصل بجبل المقطم وتشرف على القاهرة ومصر والنيل والقرافة، حيث كانت تطل على مدينة القاهرة الفاطمية من الجهة الشمالية ومدينة الفسطاط والقرافة الكبرى وبركة الحبش من الجهة الجنوبية الغربية، بينما يقع النيل فى الجهة الغربية منها وجبل المقطم من ورائها من الجهة الشرقية.
وتعتبر قلعة صلاح الدين الأيوبى بالقاهرة من أفخم القلاع الحربية التي شيدت في العصور الوسطى فموقعها استراتيجي من الدرجة الأولى، بما يوفره هذا الموقع من أهمية دفاعية لأنه يسيطر على مدينتيّ القاهرة والفسطاط، كما أنه يشكل حاجزا طبيعيا مرتفعا بين المدينتين. وهو بهذا الموقع كان يمكن توفير الاتصال بين القلعة والمدينة في حالة الحصار، كما أنها سوف تصبح المعقل الأخير للاعتصام بها في حالة إذا ما سقطت المدينة بيد العدو.
ومر بهذه القلعة الشامخة الكثير والعديد من الأحداث التاريخية، حيث شهدت أسوارها أحداثا تاريخية مختلفة خلال العصور الأيوبية والمملوكية وزمن الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798، وحتى تولي محمد علي باشا حكم مصر حيث أعاد لها ازدهارها وعظمتها.
وذكر المقريزي فى كتابه "المواعظ والاعتبار بذكرى الخطط والآثار" عن تاريخ الجبل الذي أقيمت عليه القلعة قبل بنائها: "اعلم ان أول ما عرف في خبر موضع قلعة الجبل أنه كان فيه قبة تعرف بقبة الهواء، فلقد قال أبو عمرو الكندي في كتابه أمراء مصر: وابتنى حاتم بن هرثمة القبة التي تعرف بقبة الهواء، وهو أول من ابتناها وولي مصر إلى أن صرف عنها في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين ومائة.
ولما بنى أحمد بن طولون القصر والميدان تحت قبة الهواء هذه، كان كثيرا ما يقيم فيها، فإنها كانت تشرف على قصره، ثم اعتنى بها الأمير أبو الجيوش خماوريه بن أحمد بن طولون وجعل لها الستور الجليلة والفرش العظيمة في كل فصل ما يناسبه، فلما زالت دولة بني طولون وخرب القصر والميدان، كانت قبة الهواء مما خرب."
وذكر المقريزي أن قبة الهواء كانت فى سطح الجرف الذي عليه القلعة والجبل، وهذا الوصف ينطبق على الربوة التي كان الإنجليز قد نصبوا عليها مواقعهم تجاه مدينة القاهرة وقت احتلالهم للقلعة ومصر سنة 1882 وموقعها حاليا خلف متحف الشرطة وحفائر قصر الأبلق.
ومن هذا الموقع وقف العديد من الرحالة مشدوهين بهذا المنظر الرائع الذى أثار خيالهم، فخلدوا وصفه فى كتاباتهم ومنهم مارييت باشا الذي كان لهذا الموقع أثره فى نفسه حيث أنه كان بمثابة الوحي الذى انطلق به نحو اكتشافه للسبرايوم والذي وصفه فى كتابه (Le Sérapeum du Memphis).
|