بقلم/ دعاء وجدى
عصر استخدام الادوات القزمية لصغر حجمها يسمى فى أوروبا بالحضارات الأوريناسية و الحضارة السولتيرية و الحضارة المجدالينية، تشبه أدوات هذا العصر أدوات الحضارة القفصية أو الكبسية فى شمال أفريقيا و تعددت المواد التى صنعت منها أدوات فتحولت الشظايا إلى أدوات دقيقة كمكاشط و المثاقب والسكاكين فى حلوان و نجع حمادى وأسوان.
ازداد تباين المناخ أكثر و بدأت البيئات المحلية تتميز بعضها عن بعض حتى أصبحت لكل منها فى العصور التالية ظروفها و حضاراتها الخاصة.
أخذت الاختلافات التى كانت بين أوروبا و أفريقيا فى العصر الحجرى القديم المتوسط تزداد فى العصر الحجرى القديم الأعلى إذ بدأ البرد يزداد شدة فى أوروبا من رطب ثم ازداد حدة حتى صار قارسا فى النهاية. و بالنسبة للحيوان فأخذ الماموث يندر وجوده وأخذ الحيوان المسمى بالوعل ( نوع من الغزال له قرون متفرعة ) يظهر و كذلك الحصان.
أما الانسان فقد بقى يسكن كهفه و المقابر كانت تحفر بجوار الموقد حيث عثر على طبقات لبقايا بشرية . و من المدهش أنه عثر فى تلك الكهوف على مظاهر فن حقيقى غاية فى الاتقان و لم نجد علامات تدل على ذلك الفن فى العصر الموستيرى فقد كان يميل إلى تنميق الأسلحة و الأدوات المنزلية و قد كان عدد القطع الفنية المصنوعة من العظم و العاج و قرون الوعول كثيرة لدرجة أن العصر الحجرى القديم الأعلى يستحق أن يطلق عليه اسم عصر فن الحفر الدقيق و عصر صناعة العاج و حفره، و لم يكتف الانسان بتزيين خطافه و الآلات التى كان يستعملها بأشكال هندسية أو نباتية بل تخطى ذلك إلى رسم الأشياء الصعبة من الأشكال الحية حتى جسم الإنسان نفسه فمثلا كان يحفر صور حيوان الماموث و بقر الوحش و الوعل على ألواح الشيست و العظام بمهارة يظهر فيها صدق التعبير و الحركات التى تكاد تكون هى الطبيعة نفسها و كان يصور بأحجام كبيرة و يحلى بها جدران كهفه ملونة باللون الأحمر أو الأسود و كانت تصور تصويرا بارزا أو تصنع من الصلصال و كثيرا ما كانت هذه الرسوم و الاشكال تخفى فى نهاية غرف لا يكاد يصل إليها الانسان طبقا لشعائر و طقوس سحرية.
وتمتاز صناعة هذا العصر باستعمال شظايا الظران حيث استعمل النواة القديمة التى كان يستخرج منها أسلحته التى تمتاز بطولها و رقتها و صنع من تلك الشظايا البسيطة آلات متعددة أنواع فمنها المبرد ذو الاسنان و النصال ذات الحلزات و النصال ذات الظهر.
و نرى أنه فى العهد الأوريناسينى يظهر فيه فن الزخرفة و العهد المجدالى الذى يبلغ فيه الفن قمته و قد تقدمت صناعة آلات الظران المهذبة من الوجهين. و أما فى أفريقية الشمالية فقد كان سكان الجبال يحتمون من البرد فى الكهوف أما سكان الهواء الطلق فكانوا يعيشون فى الأقاليم ذات الارتفاعات القليلة و بدأت الأمطار أقل غزارة إذ لم تكن كافية لتغذية الأنهار التى بدأت فى التناقص و كذلك البحيرات التى كان سطحها آخذا فى الانخفاض مما أثر على نمو النبات فى الهضاب و أخذت الأقطار تتحول إلى صحارى أما الحيوانات التى لم تختلف كثيرا عن حيوانات عصرنا. أما الانسان فكان يتبع تقهقر المياه و بدأ يهجر الاقاليم الشاسعة التى غزاها القحط و لم يعد إليها ثانية. لم يترك الانسان فى ذلك العصر إلا آثارا ضئيلة و ذلك فى منطقة شمال أفريقية فى عصر صناعة الأوريناسية التى أخذت آلاتها ترتقى نحو الأشكال المصنوعة من الأحجار المكروليتية و الأشكال الهندسية التى كانت على شكل أهلة أو شكل منحرف الأضلاع و هذا ما يطلق عليه الصناعة الكبسية نسبة إلى بلدة قفصة فى شمال تونس التى استمرت الى ما بعد العصر الحجرى القديم الأعلى أى ما يقابل العصر الحجرى المتوسط. و يرى البعض بأن الحضارة القفصية مرت بأربعة مراحل.
والواقع أن الصناعة القفصية منتشرة جدا فى الجزائر و تونس على أن وجود رواسب فى كهوف هذه الجهات على شكل طبقات بعضها فوق بعض يسهل لنا تمييز العصور حسب ترتيبها التاريخى ومن بين هذه المحطات السطحية عدد عظيم يظهر على شكل الأمكنة التى يوجد فيها قواقع الأسكرجو و هى عبارة عن تلال ذات أبعاد صغيرة تتكون فيها بقايا المطاهى حول موقد القبيلة و يشتمل على عدد لا حد له من محار الأسكرجو القابل للالتهاب و معه شظايا مدببة من الظران كانت تستعمل بلا شك لاستخراج محتويات المحار، و أحيانا يوجد فى هذه التلال من المحار و فى محطات أخرى فيها بيض نعام مهشم استعمله الانسان آنية له (بديلا للفخار الذى لم يعرف بعد).
أما فى مصر تميزت فيها خصائص صناعة الأدوات القزمية هى الواحات الخارجة و انتشرت صناعتها فيما يليها من المنطقة الممتدة إلى قنا و ما حولها و المنطقة الثانية انتشرت صناعتها فى شمال مصر الوسطى و أطراف الدلتا أما المنطقة الثالثة فتوجد فى قرية السبيل شمال كوم امبو بكيلومترين بمحافظة أسوان.
وقد أوضح العالم فينار أن المحطات التى درسها بالقرب من قرية السبيل فى حوض كوم امبو (الصناعة السبيلية) أن وقوع المحطة على ارتفاع أعلى من مستوى غرين النيل الحديث يدل على مدى انخفاض مستوى المياه . و الواقع أن الصناعة القفصية ظهرت فى مصر و فى سوريا و فلسطين. و إذا كانت هذه الصناعة نادرة فى وادى النيل فإنما يرجع السبب إلى أن الغرين الحديث قد أخفى الكثير من صناعتهم فى هذه الفترة. و مع ذلك فإن هذه الآثار ترى فى الجهات البعيدة عن الفيضانات مثل محطة حلوان المكروليتية ( مكروليتية تعنى صغر الحجم مع الدقة المتناهية فيها)و التى وجدت فيها آلات على شكل أهلة و شظايا صغيرة و سكاكين ضئيلة الحجم تشبه التى عثر عليها فى المحطات الأسكرجونية ووجدت بعض أسلحة صغيرة فى وادى المدمود بالقرب من الأقصر. و قد عثر العالمان شويبس و منشكوف من خلال بعثة حديثة العهد على مواقد قفصية تحتوى على قطع من قشر بيض النعام مختلطة بآلات من الظران و التى تمتد غرب الواحة البحرية و واحة الفرافرة.
و الحضارة السبيلية هى امتداد لحضارة القفصية و قد مرت الحضارة القفصية بثلاثة مراحل مرحلتين منهم تقابل عصر الحجرى المتوسط. و فى إقليم كوم إمبو فقد لوحظ على مدرجات ذات ارتفاعات مختلف تنبئ عن مستويات متتابعة لبحيرة قديمة قد جف ماؤها تطور الآلات الموستيرية نحو الانحطاط مثل الصناعة القفصية نفسها فأصبحت أشكالها مكروليتية و هندسية و قد عثر فى الصحراء على صخور منقوش عليها بعض صور بشرية و حيوانات ملونة و هذه الصخور المكتوبة نعدها مظهرا لفن أقل اتقانا من الفن المجدالى و الواقع أن عدم وجود آلات من عصر هذه الرسوم يجعل تحديد زمنها من الأمور الصعبة جدا. و لا شك أن الحيوانات الممثلة على هذه الصخور تشعر بأن هذه الجهات كانت معمورة.
أما الحيوانات التى كانت مرسومة على هذه الصخور فبعضها لا يزال موجودا فى يومنا هذا مثل الغزال على حين أن البعض الآخر مثل الفيل و الخرتيت و الزرافة و النعام قد تقهقر نحو خط الاستواء. و لا شك أن بعض هذه الرسوم يرجع إلى العهد القفصى و هناك رسوم ترجع إلى العهود الحديثة.
وكشفت الحفريات التى أجريت بهذا الموقع وجود بقايا عظمية لحيوانات من أكلة العشب و كبار الكواسر و عثر على ناب سفلى لفرس النهر كما عثر على قطعة من مرجان أبيض ربما أتت من البحر الأحمر .
عصر الحجرى المتوسط ( الميزيوليثى) ظهر ضمن العصور الحجرية فى الحضارات الأوروبية. أدواته من الظران و كسر من الشقافة. مراكزه فى مصر فقد عثر على بقاياه فى وادى الشيخ فضل شرق بنى مزار (المنيا) و بعض أودية جافة فى الصحراء الشرقية.
الواقع أن واضع هذه التسمية العالم دى مرجان فهناك الكثير من العلماء ما قبل التاريخ لا يعترفون بوجود هذا العصر بل يعدون العصر الذى يلى العصر الحجرى القديم هو العصر الحجرى الحديث أما الذين يعترفون بوجود هذا العصر ينسبون إليه محطة جدية كشفت حديثا على ساحل الدلتا الغربى فى بلدة مرمدة أبو غالب و الظاهر من شكل صناعتها المكروليتية أنها امتداد لعصر القفصى غير أن أشكال الآلات فيها ليست واحدة فلا توجد الآلات على شكل أهلة أو سكاكين صغيرة الحجم بل عثر على أسلحة صغيرة جدا مدببة .
تضمنت الأدوات التى استخدمها الانسان هى الأدوات الحجرية و رؤوس السهام بالإضافة إلى المناجل و الأجران التى تمثل عنصرا حضاريا جديدا يقترب بالانسان إلى مرحلة انتاج الطعام و الاستقرار. و بدأ الانسان نحو تزيين نفسه و تجميلها فأخذ يتحلى ببعض أدوات الزينة.
أما فى أوروبا فأهم صناعة تنتسب إلى هذا العصر هى الصناعة الآزيلية نسبة إلى كهف مادازيل فى مقاطعة أريج و قد وجد العالم" بيت" فى هذا الكهف طبقتين إحداهما فوق الأخرى فيهما كل المميزات الصناعة المجدالية و فوق هاتين الطبقتين بقايا ثقافة سماها هذا العالم العصر الآزيلى و قد وجد فيها أفرانا و أكواما من بقايا أكسيد الحديد و عددا عظيما من عظام الغزال كما وجد ظرانا مهذبا من العهد المجدالى و سكاكين وخطاطيف ومصاقل و عظاما مهشمة و قد عثر أيضا على قطع عدة من حجر الشيست عليها علامات باللون الأحمر و عثر فوق الطبقة الآزيلية على طبقة أثرية أخيرة و فيها آلات مصقولة أما الحيوانات فهى الوعل و الدب و الخنزير و كلب البحر والقط البرى.
|