الأحد, 20 سبتمبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

قضايا شائكة فى تاريخ وحضارة مصر القديمة ..
هـل كـان فراعنـة مصـر طغـاة ومستبدون ؟

قضايا شائكة فى تاريخ وحضارة مصر القديمة ..
 هـل كـان فراعنـة مصـر طغـاة ومستبدون ؟
عدد : 12-2015
بقلم الدكتور/ محمد رأفـت عباس

مما لا شك فيه أن هناك فجوة وجفوة قد وقعت بين المصريين وتاريخهم القديم عبر مئات السنين ، حتى أن هذا الأمر قد استمر بعد فك رموز حجر رشيد والكشف عن أسرار اللغة والحضارة المصرية القديمة وظهور علم المصريات إلى النور فى عام 1822م إلى وقتنا الراهن .. وحين نقارن بين كم المعلومات والحقائق التاريخية التى تتوافر لدى الطفل أو الطالب الأوروبى عن تاريخ وحضارة مصر القديمة ، وبين تلك التى تتوافر لدى النظير المصرى بل لدى جانب كبير من المثقفين المصريين أنفسهم ، فسوف ندهش – مع الأسف الشديد – لذلك البون الشاسع بين ما يمتلكه الغرب من معارف عن تاريخنا وتراثنا وحضارتنا من ناحية ، وبين ذلك الجهل الشديد وعدم اللامبالاة والاكتراث لدينا من ناحية أخرى .. ومن المؤكد أن استمرار هذا الوضع يتحمل جانب كبير من وزره نظم التعليم فى بلادنا ، بالإضافة إلى عدم قيام الغالبية العظمى من علماء المصريات والمؤرخين والأثاريين المصريين بدورهم التنويرى والثقيفى المنوط بهم ، من أجل التعريف بتاريخ وحضارة مصر القديمة على النحو الأمثل ..

ومن ثم فإنه لم يكن غريبا أن تشاع على مصر القديمة وتاريخها وحضارتها الكثير من الأكاذيب والافتراءات ، التى عمل على ترويجها كذلك الكثير من أعداء هذه الأمة ، والذين وجدوا – مع الأسف الشديد – فى حالة السقوط الفكرى والخواء الثقافى التى ترزح فيها مجتمعاتنا العربية أرض خصبة لكل ما يروجون من أكاذيب وافتراءات لتشويه هذا التاريخ المجيد والماضى العريق .. والملفت للنظر فى هذا الأمر أن أعداء مصر وتاريخها وحضارتها قد وجدوا فى الكثير من أبناء أمتنا من يسير فى ركابهم ، بجهل أحيانا وبدون قصد أحيانا أخرى ، بل أخذوا يرددون هذه الأكاذيب والافتراءات أكثر من أعداء مصر أنفسهم ، حتى صارت حقائق لا تقبل الجدل والنقاش لديهم مع الأسف الشديد !

ومن أكثر هذه الأكاذيب والافتراءات التى شاعت عن مصر القديمة وتاريخها وحضارتها ، هو الصاق تهمة الطغيان والاستبداد الأبدى بملوك أو فراعنة مصر القديمة عبر امتداد تاريخ مصر ، حتى أن كلمة فرعون ( وهو لقب ثانوى من ألقاب ملوك مصر القديمة ظهر خلال عصر الأسرة الثامنة عشرة " الدولة الحديثة " ، وقد اشتقت من " بر – عا " أى البيت الكبير وحرفت إلى " فرعون " ) قد أصبحت مرادفة فى العامية المصرية بل وفى اللغة العربية أحيانا إلى مفهوم التجبر والتكبر والطغيان والاستبداد ، فحين يقول البعض أن فلان قد تفرعن ، فإن هذا يشير لدى مفهوم المصريين إلى طغيان وتجبر هذا الشخص على من حوله .. وكما نرى فقد ارتبطت كلمة فرعون بالتجبر والطغيان مباشرة بل أصبحت مفهوما وثيقا عنه .. وساعد فى هذا الأمر كثيرا قصة نبى الله موسى عليه السلام مع فرعون ، والتى وردت عدة مرات فى القرآن الكريم ، وكان فرعون أى الملك الحاكم على مصر خلال تلك الحقبة التاريخية نموذج صريح للطغيان والجبروت والتكبر اللعين كما وصفه الله تعالى فى كتابه الحكيم .. ومن ثم فإنه يبدو وعبر مئات السنين من اعتناق المصريين للإسلام ومع اتساع الفجوة بين الشعب المصرى وتاريخه القديم ، ترسخ لدى العقل الجمعى المصرى والتراث التاريخى ارتباط ملوك مصر القديمة من الفراعنة بالطغيان والظلم والاستبداد شأنهم شأن فرعون موسى الذى لعنه الله عز وجل .. ومن المؤسف حقا أن بعض المتدينين فى أيامنا هذه داخل المجتمع المصرى صار يعتبر الاشادة بتاريخ وحضارة مصر القديمة أو الثناء على أحد الملوك أو الفراعنة هو نوع من الكفر والعياذ بالله أو تكذيب لما ورد فى القرآن الكريم ، حتى أن البعض قد وصل به الأمر إلى حد وصف حضارات وطننا العربى القديمة ، ومنها بطبيعة الحال الحضارة المصرية القديمة ( أو الحضارة الفرعونية كما يطلق البعض عليها من باب الخطأ ) على أنها حضارات شركية ووثنية وكفرية لا يجب الحديث عنها بأى حال من الأحوال ، بل دعا البعض صراحة إلى محوها من ذاكرة الأمة ، كما فعل بعض غلاة التيار السلفى من المتشددين والتكفيريين ، وهو الأمر الذى استغله بمكيفالية بغيضة غلاة العلمانيين من الكارهين والحاقدين على الإسلام وحضارته لتشويه صورة الفكر الإسلامى نفسه .. وكلا الطرفين دون شك من أسباب التخلف والاقصاء والجهل الصريح داخل مجتمعاتنا العربية !

وقبل أن نقلب صفحات التاريخ بحثا عن الإجابة المرجوة لذلك السؤال الذى تصدر مقالنا حول كون كافة فراعنة مصر طغاة ومستبدين ، علينا أن نتساءل وبوضوح فى صفحة تاريخية أخرى ، هل كان كل خلفاء المسلمين عبر التاريخ أئمة عدول على منهاج النبوة والخلافة الراشدة ؟! ، أى إذا ما اعتبرنا أن كل فراعنة مصر هم فرعون موسى ، فهل لنا أن نعتبر أن كل خلفاء المسلمين هم عمر بن الخطاب رضى الله عنه لمجرد ارتباطهم بلقب أمير المؤمنين أو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!.. وهنا تجيبنا صفحات التاريخ الإسلامى بوضوح لا يقبل الشك أن ليس كل من حمل لقب خليفة هو فى عدل وتقوى وورع أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهم أجمعين ، بل لقد ظهر فى تاريخ الإسلام ممن حملوا لقب خليفة وقد ارتكبوا من الجرائم والطغيان والقتل فى حق الإسلام والمسلمين ما تبكى ولاتزال من أجله صفحات التاريخ إلى وقتنا الراهن ، بل أن هناك من تلوثت أيديهم من خلفاء بنى أمية وبنى العباس بدماء آل بيت النبوة الأطهار من أجل إقرار نفوذهم السياسى وفرض سلطتهم وحكمهم على أمة المسلمين بمنطق الطغيان والاستبداد .. ولكم امتلأت صفحات التاريخ الإسلامى بطغيان الكثير من حكام الأمويين والعباسيين وغيرهم من ولاتهم وعمالهم على أمصار الإسلام ، ومن الذين أعقبوهم وتسلطوا على رقاب المسلمين وقد حملوا هذا اللقب العظيم ( أى خليفة رسول الله ) ، والإسلام كان منهم ومن طغيانهم واستبدادهم براء .. ولا أبالغ حين أقول أن هناك من الخلفاء من فاق فرعون موسى فى بشاعة أفعاله ، فقتل ذرية النبى صلى الله عليه وسلم وجذ رؤوسهم والطواف بها بين البلدان ، بل وقصف الكعبة بالمنجنيق واستحلال بيت الله الحرام فى مكة ، وإعمال القتل والارهاب والترويع فى مدينة وحرم رسول الله ، وهى من الجرائم التى فعلها الأمويون ، تفوق فى رأيى جرائم فرعون التى تحدث عنها القرآن الكريم فى حق بنى إسرائيل .

وبالعودة للحديث عن طغيان واستبداد فراعنة مصر المزعوم ، وما تحمله لنا صفحات التاريخ من إجابات وافية عن تلك القضية التى أرى أنها لا تخضع للتعميم بطبيعة الحال ، ليس فى مصر وحدها بل فى سائر الحضارات فى التاريخ الانسانى مهما اختلفت قواعدها ومبادئها والأسس والقيم التى قامت عليها ، يحدثنا المؤرخ الشهير ديودور الصقلى ( 80 – 30 ق. م ) – الذى زار مصر فى عام 59 قبل الميلاد وقام بتخصيص الجزء الأول من كتابه " المكتبة التاريخية " عن تاريخ مصر – عن سياسة ملوك مصر القديمة المتنافية تماما مع منطق الطغيان والاستبداد قائلا : " لم يكن ملوك مصر يعيشون على نمط الحكام المستبدين فى البلاد الأخرى ، فيعملون ما يشاؤون تبعا لاهوائهم غير خاضعين لرقابة ما ، فقد رسمت لهم القوانين حدود تصرفاتهم ، لا فى حياتهم العامة فحسب ، بل فى حياتهم الخاصة وأسلوب معيشتهم اليومية ... وكانت ساعات النهار والليل مرتبة بحيث كان على الملك أن يعمل فى الوقت المخصص بالضبط ما يفرضه القانون لا ما تدفعه إليه نفسه " .. وفى فقرة أخرى من كتاب ديودور يتبين لنا أن ملوك مصر كانت سلطاتهم إزاء رعيتهم مقيدة فى حدود القانون ، فيقول : " وإذا بدا عجيبا أن الملك لم يتمتع بالحرية المطلقة فى اختيار طعامه اليومى ، فأشد عجبا من ذلك بكثير أنه لم يكن فى قدرته أن يقضى على المخاصمات أو يصرف ما يعن له من الأمور ، أو يقضى بعقوبة على أحد من الناس مدفوعا بكيد له أو بغيظ منه ، أو بأى دافع ظالم آخر ، بل عليه أن يتصرف وفق ما تنص عليه القوانين فى كل حالة " .. ويستطرد ديودور فى وصفه لعدالة ملوك مصر القديمة وفى استمرار نظم حكمهم مدة طويلة فيقول : " ... ولما كان الملوك يلتزمون جادة العدل إزاء رعيتهم ، فقد استشعر المصريون نحوهم من الولاء ما يزيد كثيرا عما يكنونه لأهلهم من حب ، فلا يولى الكهنة ولا سكان مصر كافة نسائهم وأولادهم ومقتنياتهم الثمينة من الاهتمام ما يولونه لسلامة الملوك ، ولذلك احتفظوا ردحا طويلا من الزمان بالنظام السياسى الذى وضعه الملوك " .. وأرى أن هذه الفقرة الأخيرة لا تعبر فى ثناياها عن الخضوع المطلق للملوك من قبل المصريين ، فقد كان للفترات التاريخية والسياسية العصيبة التى مرت بها مصر فى تاريخها القديم أثر بالغ فى تغير نمط العلاقة بين حكام مصر والشعب المصرى ، حيث كان الحاكم فى مصر القديمة يستمد مكانته المقدسة من تحقيقه لواجباته المختلفة ومن نجاحه فى قيادة الأمة إلى بر الأمان فى سائر شئونها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، أما إذا تخلف الحاكم عن أداء هذا الدور وهذه الرسالة المقدسة بصفته ممثل الآلهة على الأرض فى نظر المصريين ، فإنه كان يفقد قدسيته ويفتقد مكانته ، وكان يتعرض للثورة والمجابهة حينئذ .. وتحدثنا صفحات التاريخ أنه فى واحدة من أكثر عصور تاريخ مصر غموضا واضطرابا جابه الحكيم المصرى " إيبور ور " فرعون عصره بعد أن رآه مسئولا عن ضياع البلاد وعدم تحقيق العدالة فيها قائلا : " لديك الحكمة والبصيرة والعدل ، ومع ذلك تترك الاضطرابات وضوضاء المتعاركين تنتشر فى البلاد ، أنظر إليهم إن كل واحد منهم يضرب الآخر ، ولا يعبأ بالأوامر ، فهل تلقى راعيا يحب الفناء ؟! .. لقد كذبوا عليك ، فالبلاد تشتعل كالقش ، والناس على شفا الهلاك .. وهذه كلها سنوات حرب أهلية ، فالرجل يقتل على سطح منزله ، حينما يكون مراقبا فى حدود بيته ، ولكنه إن كان قويا ، فإنه ينجى بنفسه ، ويبقى حيا .. إذا كنت تجهل ذلك ، فقد يكون الجهل شيئا مريحا للنفس ، وربما فعلت شيئا طيبا لقلوب الناس وأحببتهم ، ولكنك تغطى وجوههم فزعا من الغد .. ليتك تتذوق بعض هذا البؤس بنفسك ، وعندئذ يمكنك أن تتحدث " .. وهكذا يبدو واضحا للعيان أن كلمات الحكيم المصرى هذه لم تكن لتخرج من شفتيه بهذه الحدة إلى حاكم يعلم أنه على قدر كبير من التجبر والتكبر والطغيان !

وهناك من صفحات التاريخ المصرى ما يدلل على صدق ما كتبه ديودور الصقلى ، فتشير الوثائق التاريخية المصرية إلى أنه خلال عصر الأسرة السادسة ( الدولة القديمة ) قام الملك ببى الأول باحالة زوجته الملكة إمتس إلى القضاء والمحاكمة بسبب المؤامرة التى قامت بتدبيرها ضد الملك نفسه . وهناك مثال آخر من عصر الأسرة العشرين ( الدولة الحديثة ) يشبه المثال السابق تماما ، فقد شكل الملك رمسيس الثالث هيئة محكمة لمحاكمة إحدى زوجاته المدعوة تى وشريكاتها من نساء الحريم الملكى ورجال البلاط لتآمرهم على اغتيال الملك نفسه ..

ولعل من أهم الأدلة النصية والتاريخية فى مصر القديمة التى أعطت دلالات قاطعة على كراهية الكثير من ملوك مصر للظلم والاستبداد والطغيان ، تلك التعليمات التى سجلت على جدران مقبرة الوزير رخمى رع وزير فرعون مصر الشهير تحوتمس الثالث ( 1479 – 1425 ق. م ) من الأسرة الثامنة عشرة ( الدولة الحديثة ) بطيبة ، والتى جاءت على لسان الفرعون نفسه ناصحا وزيره باتباع العدل والمساواة بين أفراد الرعية ، فيقول الفرعون فى إحدى الفقرات : " ليس الغرض من منصب الوزير أن يستعبد الوزير أفرادا من الشعب .... إذا قصدك شاك فعليك أن تتأكد أن كل شىء يجرى وفقا للقانون ..... إعط كل ذى حق حقه ... ولاحظ أن من ولى منصبا كبيرا يردد الهواء والماء كل ما يفعله ولا يمكن أن تكون تصرفاته خافية ... تصرف وفقا للعدل ، فالمحاباة يمقتها الرب ... عامل من تعرفه كما تعامل من لا تعرفه ... إن النبيل هو من يجهله الناس وتتأتى نهايته إذا أحق الحق ... ولكنه إذا أخاف الناس وأسرف فى ترويعهم ، وكانت به نقيصة ، نزلوا به من مصاف الرجال .... إن الناس يتوقعون العدل فى كل تصرفات الوزير وتلك سنة القضاء منذ أن حكم الرب الأرض ، لا تتوان قط فى إقامة العدل ، والقانون الذى تعرفه ، واعلم أن الملك لا يميل إلى المستكبر أكثر من المستضعف " .. بهذه الكلمات وهذه المبادىء تمكن المصريون من تشييد حضارتهم العظيمة ، وتمكنوا أن يعلموا العالم القديم أسس الحضارة والمعارف والعلوم ، فقد كانت " الماعت " التى تعنى الحق والعدل والنظام هى القيمة العظمى الأسمى والأكبر فى الفكر العقائدى والأخلاقى لدى المصرى القديم ، والتى كانت أهم وأقدس الواجبات لدى ملوك مصر التى كان محتما عليهم أن يقيموها على الأرض وأن يقدموها للمعبودات ، وهى تتنافى تماما مع الطغيان والجبروت والاستبداد الذى قد يمارسه أى حاكم طاغية على شعبه .. ومما لا شك فيه أن هذه التعليمات التى وجهها الملك تحوتمس الثالث إلى وزيره رخمى رع والتى سجلت على جدران مقبرته الشهيرة بالبر الغربى بطيبة لم تكن دستورا للوزارة فحسب ، بل هى دستور مقدس لكل صاحب سلطة وكل شاغل منصب رئاسى فى الادارة الحكومية ، فلم تكن الرئاسة والسلطة لدى المصرى القديم هنا تحكم واستعباد للناس ومحاباة للقريب واقصاء للغريب ، وإنما هى رعاية وقدوة حسنة من أجل تحقيق العدل ( الماعت ) واعطاء كل ذى حق حقه .. ولعله لم يصل إلينا من التاريخ القديم بأكمله دستور للسلوك الرئاسى القويم بشكل أكمل أو أبلغ من هذا الدستور الذى كان الفرعون يوجهه إلى وزيره الأكبر داعيا اياه إلى الحق والعدل ونبذ التجبر والطغيان .. وقد صدق الوزير رخمى رع حين وصف مليكه تحوتمس الثالث بقوله " أنه أب وأم للجميع " على جدران مقبرته ، فليس هناك وصفا أبلغ من هذا الوصف للحاكم الصالح الذى يرعى شعبه ويحس بالام رعيته وآمالها .. وهكذا فإنه يبدو أن مصر القديمة قد خطت خطوات كبرى فى ميدان العدالة الاجتماعية وضمان حقوق الانسان بصورة لم تبلغها دولة أخرى من دول العالم القديم ، على الرغم من وجود نظم سياسية فى مصر قد تبدو فى ظاهرها كأنها تتعارض مع هذا الرقى الاجتماعى والحضارى مثل الملكية المؤلهة والحكم المطلق ، ولكن تشير الوقائع التاريخية إلى أن هذه النظم لم تكن فى جوهرها مماثلة لمظهرها !

ولعل خير ما أختم به هذا المقال تلك الفقرات التى وردت فى البردية المسماة بـ " إرشادات إلى الملك مرى كا رع " المحفوظة بمتحف سان بطرسبرج ، والتى تضمنت مجموعة من النصائح السياسية والأخلاقية التى وجهها أحد ملوك العصر الاهناسى ( الأسرتين التاسعة والعاشرة ) إلى ولده وخليفته على عرش مصر الملك مرى كا رع ، والتى تعطينا دلالة واضحة عن المبادىء السامية الداعية للعدل والاحسان ورعاية الشعب ، والكارهة للطغيان والاستبداد والتجبر ، والتى كانت تلقن للملوك قبل جلوسهم على عرش مصر الخالدة ، حيث يقول الملك الإهناسى لولده وخليفته على العرش : " هدىء من روع الباكى ، ولا تظلم الأرملة ، ولا تحرم رجلا من ثروة أبيه ، ولا تطرد موظفا من عمله ، وكن على حذر ممن ينتقم مما وقع عليه من ظلم ، لا تقتل فإن ذلك لا يكون ذا فائدة لك ، بل عاقب بالضرب والحبس ، فإن ذلك يقيم دعائم هذه البلاد " .. " اجعل الناس يحبونك فى الدنيا ، فالخلق الطيب ذكرى للانسان " .. " إن خلق الرجل المستقيم أحب عند الرب من ثور ( قربان ) الرجل الشرير " .. " أقم العدل تخلد فى الأرض ، واسى الحزين ، ولا تحرم رجلا من ميراث أبيه ، ولا تضرن شريفا فى مركزه " .. " إنك تعلم أن القضاة يحاسبون المذنب ولا يرحمون الشقى يوم المحاكمة ( الآخرة ) ، وتسوء العاقبة إن كان المتهم هو الواحد العاقل ، لا تضع ثقتك فى طول السنين ، فهم ينظرون إلى مدة الحياة كساعة ، ثم يبعث الانسان ثانية بعد الموت ، وتوضع أعماله بجانبه كأكوام ، لأن الخلود مثواه هناك ( أى العالم الآخر ) ، والغبى من لا يهتم بذلك ، أما من يأتى إليهم دون أن يرتكب إثما ، فإنه سيثوى هناك ، ويمشى مرحا مثل سادة الأبدية " !