فى عام 1908 م قامت الأمريكية "أنا جرافيس" بتكريم والدتها فى أمريكا، ومنذ هذا التاريخ تحتفل شعوب البحر المتوسط ومن أهمها مصر بعيد الأم مع بداية فصل الربيع، وكان أول من فكر فى عيد للأم فى العالم العربى كان الصحفى الراحل على أمين بالإشتراك مع أخيه مصطفى أمين حين قال"لماذا لانتفق علي يوم من أيام السنة نطلق عليه ‘يوم الأم’ ونجعله عيدا قوميا في بلادنا وبلاد الشرق". وهذا التوقيت ليس مجرد صدفة بل امتداد لتقاليد دينية قديمة عمرها آلاف السنيين وهى معروفة فى الطقوس الدينية لكل الحضارات القديمة.
وتُعد الأمومة رمز الحياة واستمرارها تماما كفصل الربيع الذى يعبر عن عودة الحياة إلى الأرض بعد موتها فى الشتاء فالأرض هى الأم الكبرى التى تُعطى الحياة وخصوبتها وزراعتها سُمح للشعوب لتأمين قوتها والبقاء على قيد الحياة للربط بين الأم والحياة أو اعتبارها مصدرا للحياة وهو ومادفع الإنسان فى عصور ماقبل التاريخ إلى عبادتها. وكانت الشعوب القديمة تربط شعائر الخصوبة بآلهة ترمز إلى الأمومة، حيث كانت المرأة تتمتع أو تتميز عن الرجل بدقة مشاعرها الشديدة وعاطفتها اللامتناهية، وكانت المرأة فى العصور القديمة بالنسبة للرجل هى الإله المعبود وهى الشمس فهى أكبر الكواكب وأكثرها إشراقا وضياء والأرض أُنثى والشجرة أُنثى وفى العبادات نراه يعبد الشمس رمز القوة الأُنثوية العظمى.
ونرى هذه الرابطة العاطفية بين الأم وأبنائها وهى التى تُعرف بغريزة الأمومة ولم يُشهد يوما أو يُرى رجلا عظيما مثلا أو رياضيا أو فنانا أو قائدا وهو يُرعى بحب والدته التى تتفانى فى رعايته، وتُعتبر الأمومة من أرق وأروع مشاعر الحب لدى المرأة. فقد خلقها الله تعالى نظيفة رقيقة حنونة تزيل الهموم وتتحمل مصاعب الحياة ومشقتها لقدرتها على تحمل الآلام، وكيف يمكن لأحد إنكار دورها وهى من ربت المهندس والطبيب والضابط والرئيس على مر العصور؟.
وفى مجتمعنا يتحقق للأمهات قيمة مقدسة، وأن الرجل يُعظم والدته ويصورها كسيدة مليئة بالحب والرحمة والطهارة والتأكيد على وصف الأم بالطاهرة يملىء القصائد والأمثال الشعبية فهى لا تحسد ولا تكره ولا تُخطىء، والأهم أنها لا ترتكب خطيئة فهى أنثى لم يعد لها رغبات فى الجنس الأخر وتقوم بحماية أبنائها منهم، وهذه الصفات وغيرها جعلت الرجل يُضفى على المرأة طابعا إلهيا.
وتُوصى الديانات والكتب السماوية بفضل وقدسية الأم، فيقول العهد القديم متحدثا عن فضل الأم "المُخرب أباه والطارد أُمه هو إبن مُخز ومُخجل" (سفر الأمثال19)، كما يقول "العين المُستهترة بأبيها والمُحتقرة إطاعة أمها تأكلها فراخ النسر" (سفر الأمثال30)، كما يقول أيضا " من احترم أمه فهو كمدخر الكنوز" (سفر يشوع بن سيراخ 3).
كما أوصى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بالأم، فالأم غالية وشامخة في كل يوم، ولابد من تكريمها والبر بها في كل لحظة، سواء أكانت على قيد الحياة أم في رحاب الله. والجنة تحت أقدام الأمهات، ومن بر أمه وتحمل في سبيل تكريمها واحترامها وعرف أنه مهما قدم فلن يوفى حقها، وأنها طالما تحملت من أجله، لكي يحيا ويسعد ويهنأ، وقد أطاع الله ورسوله وأصبح من الفائزين بحب الله ورضاه وبمكان في الجنة.
ويكرم القرآن الكريم الأم فيقول الله تعالى فى الآية 14 من سورة لقمان " ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير". ولهذا أوصت الشريعة الإسلامية الابن بأن يكون أكثر براً بها وطاعة لها، حتى لا يتساهل في حقها، ولا يتغاضى عن برها واحترامها وإكرامها.
|