السبت , 1 أغسطس 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

أربعون يوماً في كوكب اليابان

أربعون يوماً في كوكب اليابان
عدد : 10-2014
إنه حقاً كوكب اليابان ذو الطبيعة الخاصة المتفردة في كل شيء، فالمجتمع الياباني بقيادة شعبه تفوق علي نفسه في كل شيء مستخدماً حسن الخلق فالعلم فالإبداع مستغلاً كل ما حبي الله به هذا البلد من موارد طبيعية وبشرية إلي أن حول اليابان من بلد تهددها الزلازل بحكم طبيعتها الجيولوجية إلي مقصد لكل دول العالم لتستفيد من خبراتها في مواجهة الزلازل بعد الزلزال المدمر عام 1998 الذي راح ضحيته عشرات الآلاف من اليابانيين ودمر المئات من المنازل فكان كارثة إنسانية ، لكن بتوحد هذا الشعب واخلاصه في العمل وتقديره لأهمية العلم والعلماء استطاع أن يكون الرائد والمعلم في كيفية تفادي مخاطر الزلازل والحد من خطورتها بعبقرية فذة في بضع سنين.
كانت رحلة علمية لحضور برنامج تدريبي مكثف عن " إدارة وصيانة المدن التاريخية بهدف زيادة السياحة الثقافية "، ولأن مصر تمتلك العديد من المدن التاريخية ما لم تمتلكه معظم دول العالم علي مر العصور من حيث الطراز المعماري الفريد لبعض المدن التاريخية في مصر مثل مدينة رشيد العريقة التي تحتضن العديد من المباني ذات الطراز المعماري الفريد بالإضافة للعديد من المقومات الأخرى التي نعلمها جميعاً لكن للأسف الشديد لم نفكر في استغلالها كمقصد للسياحة الثقافية مثلها مثل العديد من المناطق الأثرية والتاريخية الأخرى.
أول ما تبادر إلي ذهني عندما تم ترشيحي لحضور البرنامج التدريبي سؤالاً علمت بإجابته مع أول موضع قدم لي باليابان وهو " لماذا اليابان تحديدا للتدريب في هذا المجال". فمن الوهلة الأولي تشعر بكل من حولك يرحب بك كضيف أكثر منك سائح ويقوم بكل ما يمكن أن يقدمه المضيف الكريم للضيف دون أن ينتظر منك رداً للجميل حتي تجد نفسك لا تملك الا أن تحترم هذا الشعب الذي تربي علي جملة واحدة رددها ونقلها الآباء والأبناء علي مر السنين وهي " ساعد الآخرين أولاً " ( قال ذلك أحد المحاضرين عن نظام التعليم في المجتمع الياباني عندما سألته عن سبب التكاتف المجتمعي والتعاون والود والابتسامة الذي لمسناه من الشعب الياباني في كل وقت وفي كل مكان).
بدأ الابهار والانبهار بأسلوب التدريب والتعليم الذي اعتمد عليه الخبراء في هذا البرنامج وهو اسلوب التعليم المرئي فالمعلومة تشاهدها وتلمسها وتتعايش معها وتناقشها فتصدقها وتتيقن منها وتفخر بمعرفتها وتحلم باللحظة التي تعود فيها إلي وطنك لتطبقها بما يتناسب مع الموارد المتاحة، فكان الترحال بين المدن التاريخية اليابانية كأنه رحلة في كوكب مستقل لان كل ما تراه لم تشهده من قبل خاصة إذا كنت من سكان كوكب دول العالم الثالث أو ما نسميه الدول النامية، كوكب تضافرت فيه كل العناصر الطبيعية والبشرية لتحافظ عليه وتجعل اليابان من أعظم دول العالم متفوقة علي أمريكا و أوربا في العديد من المجالات.
دون الدخول في تفاصيل علمية شديدة التعقيد حول إدارة وصيانة المدن التاريخية أود أن أشير إلي شيء هام للغاية تعلمناه علي مدار أسبوع كامل وهو كيفية تحليل المشاكل ،وقد تم التطبيق علي المعوقات التي تواجهها إدارة وصيانة المدن والمباني التاريخية ومن ثم تعوق حركة السياحة الثقافية لها، فطريق الحل لأية مشكلة يبدأ أولاً بالاعتراف بوجود مشكلة وتحديد حجمها وقياس معدل تفاقمها ومدي خطورتها والآثار السلبية الناتجة عنها و التعرف علي السبب الرئيسي للمشكلة ودراسة الأسباب والعوامل الفرعية التي ساعدت علي وجود هذا السبب، من هنا يبدأ التفكير في وضع خطة متكاملة لوضع حلول جذرية لكل سبب من تلك الأسباب التي أدت إلي المشكلة الرئيسية التي نواجهها ، وأولي خطوات العلاج السليم هو اختيار فريق العمل العلمي والفني الذي يتوافر في أعضائه الخبرة والكفاءة اللازمة لوضع حلول يتوافر فيها عدة أسس هامة ، أولها أن تكون قابلة للتطبيق بمعني توافر المقومات البشرية والفنية والتقنية والموارد اللازمة لتطبيقها، بعد ذلك يقوم فريق العمل باختيار مدينة أو مبني تاريخي يعاني من ندرة السياحة الثقافية له ثم ترتيب الأولويات ولا يتم البدء في التنفيذ بالمشروع قبل تحديد الأهداف المنشودة منه ووضع برنامج زمني محدد بميزانية تفصيلية معلوم مواردها.
هذا عن آلية تنفيذ مشروعات إدارة وصيانة المدن التاريخية أما عن الجهات المسئولة فهي:
أولاً: فريق عمل حكومي يضم خبراء من وزارات التخطيط والسياحة والآثار والتعليم ومهندسين تنفيذيين من المدينة التاريخية (مهندسي المجالس المحلية) لوضع أسس ومعايير صيانة المدن التاريخية بدايةً من الشروط الواجب توافرها في البنية التحتية إلى كل ما يسهل وصول السائح إلي تلك المدن وإقامته بها لأطول فترة ممكنة.
ثانياً: السكان المحليين ومنظمات المجتمع المدني الذين يقع عليهم العبء الأكبر والمسئولية الرئيسية عن ضمان تنفيذ التشريعات والأسس والمعايير التي حددتها الحكومة لصيانة مدنهم التاريخية من ناحية وضمان استمرار صيانتها والحفاظ عليها من ناحية أخري، فالمباني التاريخية علي سبيل المثال يمتلكها أشخاص يقيمون بها لكن في إطار الأسس والمعايير التي يعتمدها فريق الخبراء سواء من حيث ملائمة أية تغييرات يرغب صاحب المبني في إجراؤها للمباني التاريخية الأخرى المحيطة من حيث عدد الأدوار وألوان الواجهات والخامات المستخدمة ووسائل الأمن والحماية وغير ذلك مما يقتضي للحفاظ علي الهوية الثقافية والقيمة المعمارية والأهمية التاريخية للمبني ، فالحفاظ علي الهوية مسئولية مشتركة بين الجميع الكل يتحمل تبعات فقدانها أو يقطف ثمار الحفاظ عليها. لذا فالتكاتف والترابط المجتمعي هو العلامة الفارقة بين مجتمعات متحضرة تعتز وتفخر بماضيها وتحافظ علي هويتها للأجيال القادمة ومجتمعات تبذل جهداً غير عادياً لضياع هويتها وطمس معالمها الثقافية والحضارية أو تشويهها فتحول مجتمعاتها إلي مجتمعات مختلطة.
ولا ينته دورهم عند هذا الحد بل يمتد إلي المشاركة اليومية الفاعلة جنباً إلي جنب مع السائح القادم إليهم ففي كل المدن التاريخية يتقدمهم فتيات جميلات متطوعات يرتدين الكيمون وهو الزي التقليدي للمرأة اليابانية رافعي رؤوسهن ممسكات بحقائب اليد باليد اليمني وذيل الكيمون باليد اليسري يبتسمن في وجه كل سائح ويلتقطن الصور التذكارية معهم مرحبين بهم شاكرين لهم قدومهم لزيارة بلدهم ويجبن علي أية تساؤلات عن المجتمع الياباني، وعندما تتجول في المدن التراثية اليابانية تجد محلات لتأجير الزي التقليدي لليابانيين بأجور رمزية فإذا ما ارتدي السائح هذا الزي يحصل علي تخفيض خاص من كافة المتاجر والمطاعم والأماكن السياحية التي يزورها بل يحصل علي خصم خاص من سائقي التاكسي فيشعر أن الزي الياباني قد أضاف إليه أهمية خاصة في تعامل كل من حوله.
لم يعتمد اليابانيون فقط علي المباني التاريخية كمورد للسياحة الثقافية بل تم الاعتماد علي الموارد الثقافية الأخرى مثل الاحتفالات الشعبية السنوية والموسمية وإحياؤها في مواعيد تتناسب مع طبيعة السائح الوافد إليهم والبلد القادم منها حسب الإحصاءات التي تقدمها وزارة السياحة، فمن أجمل الاحتفالات التي يأتي اليها العديد من السائحين لليابان هو موسم الحصاد ،فيه يقدم الفلاحون اليابانيين عروضاً فنية مختلفة مرتدين الزي التقليدي لأهل القري ويقدمون منتجاتهم الزراعية للزائرين، كذلك تعد المعارض الفنية للأطفال في شوارع المدن التاريخية نموذجاً رائعاً لرفع الوعي الثقافي والأثري لدي الأطفال بالإضافة الي ما يقومون به من أنشطة خلال العام الدراسي والدورات التدريبية التي يحصلون عليها عن الحرف التقليدية اليابانية وغيرها.
كلمات لها معني
1- " نحن نأكل مما نزرع (نأكل الأرز لأننا نزرعه ولا نأكل الخبز لأننا نستورده)"
2- "نزرع الأشجار فتكسو الجبال بالخضرة فتحمي بيئتنا وتمدنا بالأخشاب التي نبني بها مساكننا".
3- " كل الشعب الياباني يشرب ماء واحد من مصدر واحد وهو صنبور المنزل فهو آمن تماما ".
4- " لا نعاني من مشاكل في الكهرباء فنحن نولدها من مياه أنهارنا التي حبانا الله بها ببناء السدود ثم نحسن استغلالها فلا نستخدمها الا عند الضرورة فنحافظ عليها".
 
 
بقلم دكتور/ سعيد عبد الحميد حسن
الصور :