مع انتشار الحركة السنوسية فى ليبيا فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر واستيلائها على المدارس الداخلية سميت تلك المدارس فيما بعد باسم" الزوايا"، وإن كنت لا أدرى سبب تلك التسمية , فالزاوية الليبية مثلها مثل المدرسة أو قل بالفعل أنها مدرسة فى تخطيطها, فهى تعتمد على صحن أوسط مكشوف تحيط به الأروقة وتفتح عليها أبواب الخلاوى,وبها أيضا قاعة درس وبيت للصلاة إلى جانب وجود ضريح فى بعض الأحيان بها,وعلى هذا فإنني أرى المدرسة زاوية والزاوية مدرسة .
وإذا نظرنا إلى الوظيفة التى تقوم بها المنشأتان في ليبيا لوجدنا أن الهدف هو التعليم وليس أى شيء آخر ومعنى التعليم هو الانفتاح على المجتمع وقابلية المعلمين لاستقبال الطلاب والدارسين من مختلف الجهات وعلي اختلاف أطيافهم السياسية . وهو ما يتنافى مع معنى كلمة الزاوية فالزاوية مشتقة من الانزواء والاعتزال عن المجتمع نظرا لظروف المجتمع التى لا تلائم مواقف البعض ، ويجمع اللغويون على أن الزاوية تعنى ركن البيت وجمعها زوايا وهى مشتقة من المادة اللغوية زوي ومصدرها "الزي" بمعنى التنحية والانطواء لهذا يقال للرجل الذى دخل فى هذه المرحلة تزوي. وقد عرف الانزواء والاعتزال من قبل الإسلام فقد حدثنا القرآن الكريم عن سيدنا ابراهيم واعتزاله قومه فى سورة مريم ، قال تعالى : "وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربى عسى أن لا أكون بدعاء ربى شقيا" "مريم 48".وقد انزوى سيدنا محمد (صلىالله عليه وسلم) بعيدا عن قومه فى غار حراء .
وفى عصر الخلفاء الراشدين خرج الصحابى الجليل أبو ذر الغفارى إلى الصحراء معتزلا قومه لاعتراضه على كثير من الأحوال السياسية والاجتماعية آنذاك، ومن الممكن أن نعتبر دار أبي ذر فى الربذة هى أول زاوية عرفها المسلمون, فقد كان أبو ذر يقضي وقته فيها متعبدا وكان يضيف فيها المسافرين وبالتالى فقد أدت الزاوية دورا جديد غير كونها خلوة للتعبد ألا وهو اعتبار المسافرون أنها محطة وهذا الدور يذكرنا بنفس الدور الذى لعبه الدير المسيحى فى مصر إبان حقبة الاضطهاد الرومانى ,إذ خرج الكثير من الرهبان إلى الصحاري بقصد التعبد وأصبحت تلك الأديرة هى ملتقى راغبى الرهبنة كما أنها أصبحت محطات معروفة للتجار.
ولكن الزاوية عند المسلمين لم ترتبط بحركات رهبنة فالإسلام لم يعرف الرهبنة , وإنما جاء الانزواء بهدف البعد عن الفتنة ,فعن أبى سعيد الخدرى يحدثنا عن الرسول (ص) أنه جاءه رجل يسأله: " أى الناس أفضل يا رسول الله ؟ قال مؤمن مجاهد بنفسه وماله فى سبيل الله , قال ثم من قال رجل معتزل فى شعب من الشعاب يعبد ربه ".
ومع الحوادث التى تعرضت لها الدولة الاسلامية منذ مقتل عثمان وحتى عصر الانحلال فى العصر العباسى الثانى ظهرت جماعات من المتصوفة والمعتزلة الذين لجأوا للصحارى.. فيحدثنا الشاعر العباسي أبو العتاهية عن بغداد التى يعيش فيها قائلا:"أنها عاصمة المجون والخلاعة"، ونحن نعلم جيدا أنه كلما زاد الفساد زاد التدين.
ومن ثم فإن الزوايا كثرت وعمرت فى المشرق الإسلامى وانتقلت منها إلى منطقة الصحراء الكبرى من غرب مصر وحتى أواسط الجزائر وقد عرفت مواضع عدة فى حواضر العالم الاسلامى باسم الزاوية وكان ذلك نتيجة لوجود زاوية معينة فى حي أو قرية يقيم بها رجل صالح فأطلق الاسم على الموضع بالكامل ومن أشهر تلك المواضع حي فى البصرة ,وكذلك فى المدينة المنورة والموصل وواسط والأندلس,بالإضافة إلى مدينة فى ليبيا ، وحين استعار أهل التصوف هذه اللفظة كانوا يقصدون بها الخلوة, ولكنها بعد ذلك أطلقت على المؤسسات الدينية التعليمية الخاصة بالصوفية وفى القرن الخامس الهجرى حدثنا البكري عن زوايا طرابلس الغرب أنها أصبحت عامرة بالنساك والزاهدين .
وكان لموقع ليبيا على الطريق بين المغرب ومصر أن أصبحت محلا للتأثيرات الصوفية المختلفة فظهرت بها الطرق العيسوية والعروسية والأسمرية والخليلية وغيرها . وكان لكثرة الغارات على طرابلس وعمليات القرصنة المتبادلة أن لجأ الكثير من الضعفاء والمساكين الذين ضاقت بهم السبل إلى تلك الزوايا فعمروها.
وأقدم لفظة دالة على مفهوم الزاوية هى كلمة " رباط" وتعنى المواظبة والإقامة على الجهاد ، وفى القرن الخامس الهجرى أصبحت كلمة الرباط مرادفة لكلمة الخانقاة والزاوية والتكية حتى أن كلمة المرابط أطلقت على الولى,وكان ذلك نتيجة العلاقة التى جمعت بين المرابطين وزهاد الصحراء،وعممت كلمة رباط لتطلق على الزوايا وكانت تضم الفقراء والمساكين حتى أنه وجد فى بغداد إبان العصر العباسى أربطة كثيرة للنساء المطلقات والأرامل وأربطة للدراويش وقد أطلق ابن بطوطة (ت 777 هجريا)على الزاوية لفظ "رواق" فسمى زاوية الشيخ أحمد الرفاعي في مدينة واسط بالعراق برواق الشيخ أحمد الرفاعي ، وقال عنها أنها رباط عظيم به الكثير من الفقراء، وأصبحت تلك الزوايا في ليبيا تشابه إلي حد كبير الخانقاوات، وليس ثمة فرق واضح عند المؤرخين بين المدرسة والزاوية , فتارة يطلقون علي حلقات الدرس لفظة مدارس وتارة يطلقون عليها زاوية ، وزوايا مصر وتكاياها كانت تجتذب فئات معينة للإقامة بها وكانت الإقامة شبه دائمة مما ترتب عليه وجود خلاوٍ وميضأة وفى بعض الأحيان منبر ومئذنة ، وذكر الدمشقى عن المدرسة المالكية بدمشق بأنها زاوية بالجامع وموضعها بجانب المقصورة الحنفية.
ومهما يكن من أمر، فإن وظيفة الزاوية الليبية فى العصر القرمانلي كانت مختلفة تمام الاختلاف عن وظيفتها قبل ذلك العصر إذ أنها في العصر القرمانلي كانت مفتوحة لتعليم أبناء البوادى ولم يكن وجود الزاوية فى الصحراء ينم عن الانزواء أو الاعتزال إنما كان وجودها لخدمة أهل البادية الذين يسكنون الصحراء لطبيعتهم ، وأصبحت لها طرازا معماريا مميزا وغدا المسجد جزءا منها أو مكملا لها وضمت قاعات وأروقة للدرس ، ولم تقتصر الزوايا على تدريس العلوم فقط وإنما كانت بمثابة مدارس صناعية منتجة وكانت مكتملة المرافق ، وعلى كلٍ فالزوايا فى العصر القرمانلى أضحت مدارس نظامية وهى مقسمة إلى ثلاثة أنواع :
ـ النوع الأول ( الزاوية البسيطة ):
بنى ليكون مدرسة ، ويخلو هذا النوع من الضريح ويقتصر على مسجد وخلاوٍ وقاعات للدرس ويسمى هذا النوع باسم الزاوية البسيطة.
ـ النوع الثانى:
يعرف باسم الزاوية الطرقية وهى التابعة لطريقة معينة مثل زاوية سيدى "عبدالسلام الأسمر" وهى تابعة للطريقة السلامية, وغالبا ما تضم هذه الزوايا ضريحا وتجمع بين العلم والتصوف وبالتالى فتلك الزاوية كانت مجرد فرع للزاوية الأم واقتصر التعليم فيها على أتباع الطريقة إذ كانوا يتدارسون العلوم الدينية بالإضافة إلى أوراد الشيخ .
ـ النوع الثالث:
ويعرف باسم زوايا الأولياء , وكانت فى الأصل عبارة عن مقصورة صغيرة بجانب جناح ، ولذلك جذبت إليها الأتباع وحبست عليها الأحباس وقد زادت تلك الزوايا نتيجة تزايد أعداد الشيوخ الباحثين عن الزعامة الروحية ، فيلجأ شيخ معين إلى الضريح ويعلن أنه خليفة الولى ويقوم بتنظيم أمور الزاوية ، ويفرق الشيخ طه الولى بين الزوايا التى يتم فيها إلقاء مختلف أنواع العلوم وهى النوع الأول الذى ذكرناه وبين النوعين الثانى والثالث بأن سمى النوع الأول زوايا المدرسين من العلماء والفقهاء ، وسمى النوعان الثانى والثالث زوايا الصوفية والفقراء
.
ونلاحظ أن الشيخ طه الولى استحى أن يسمى الزاوية مدرسة رغم أنه أسماها زوايا المدرسين.والدارس للزوايا الليبية فى العصر القرمانلى يعرف جيدا أنها أنشئت لأهداف علمية واجتماعية، وكانت تحت رعاية الولاة أو الأثرياء منذ الفتح العثمانى وحتى الغزو الإيطالى .
وقد تحدث ابن غلبون عن أحمد باشا القرمانلى (1711-1745) وجهوده فى نشر الزوايا التعليمية, فيذكر بناءه للعديد من الزوايا والجوامع.وكانت الزوايا غنية بأوقافها التى كانت توقف عليها من قبل الأعيان والأغنياء, وكان مشايخ الزوايا يستغلون الطلبة والمريدين فى عمليات الزراعة والاستصلاح, وكانت الزوايا تنشأ دائما فى أراضى صالحة للاستصلاح، وكذلك وجدت الورش داخل الزوايا ، ويحتفظ متحف الفن الإسلامي بكثير من منتجات الزاوية الأسمرية، وهو ما يشبه نظام الأديرة فى المسيحية ، وفى بعض الأحيان تكون هناك أوقاف تجارية أو عقارية موقوفة لصالح الزاوية ، وإذا كانت بالزاوية ضريح فيكون هناك دخل جديد ألا وهو النذور والصدقات وقد تكون فى شكل نقدى أو شكل عينى، وتكون هذه النذور فى معظم الوقت من الحجاج المغاربة والذين كانوا يفضلون الإقامة فى الزوايا عن الإقامة فى الفنادق والخانات ، مما سبق يتضح أن الزاوية كانت مؤسسة متكاملة لديها الاكتفاء الذاتى للصرف على كافة الأنشطة .
لعبت الزوايا الليبية دورا مهما فى نسخ القرآن الكريم وتدريس علوم الفلك والجغرافيا والتاريخ والأدب والطب ، فضلا عن قيام بعض الزوايا بدور المنارات لنشر الأفكار الصوفية.وهو ما وجد هوى فى نفس حكام القرمانليين لمواجهة الأفكار الوهابية التى بدأت تصل إلى ليبيا مع عودة الحجاج ، ومن ثم فيمكن اعتبار اهتمام حكام القرمانليين راجعا إلى أهداف سياسية وليست أهداف اجتماعية بحتة. وكانوا يوزعون تلك الزوايا وفق القبائل والبطون على طرق القوافل أو بالقرب من الأسواق، ولامانع من إيفاد بعض العيون والجواسيس وسط الطلبة وخدم الزاوية لمعرفة أفكار واتجاهات المشايخ وكذلك معرفة اتجاهات زعماء العشائر وذلك من خلال حوار أبنائهم داخل الزاوية ، واستغلت الزوايا كمراكز لحركات التمرد أثناء الخروج على الحكام وهو ما فعله عبد الجليل سيف النصر أثناء خروجه على يوسف القرمانلى ، فكانت الزوايا تعتمد فى بنائها على الأحجار الواردة من المعابد الرومانية القديمة وهو ما جعلها تبدو كقلاع محصنة ونتيجة لقوة الزوايا والتأثير الروحى لمشايخها كان أمراء القرمانليين يسعون دائما لإقامة علاقات ود معهم, وكذلك كان الخصوم السياسيون يلجؤون إلى الاحتماء بالزوايا نظرا لحرمتها.
وكما أثرت الزوايا فى الحياة العلمية والسياسية فى ليبيا فقد أثرت فى الحياة الفنية ، فقد أسهمت الزوايا الليبية فى تطور الموسيقى والغناء, فقد أبدع الصوفيون في ليبيا فى الإنشاد الديني وابتكروا ما يعرف باسم السلاميات ، وكانت تنشد مع الدفوف ، وانتشرت تلك الأشعار فى الصحراء الكبرى ، وكذلك عرفت الزوايا ما يعرف باسم الرقائق, وهى عبارة عن جلسات الذكر المعروفة عند المصريين ، ولاشك أن ذلك التطور الموسيقى والفنى كان نتيجة الاحتكاك بالحجاج المغاربة.
|