بقلم/ رانيا يوسف
السبكي او مجموعة السبكية للإنتاج السينمائي لم يختلف العديد من النقاد او الصحفيين حول قيمة ما يقدمونه للسينما المصرية، من اعمال كانت دوما تتجه نحو المتاجرة بغرائز المشاهدين واستقطاب شريحة معينه من الجمهور،و السبكية انفسهم يعترفون بهذه الحقيقة ولا يتجادلون ولا يعطون اذانهم لنا ، هم دوما يديرون ظهورهم للصحافة عدا من هلل لهم، ويستكملون مسيرتهم في تخدير الجمهور ، وحصد الغلة من ايرادات الافلام الكثيرة التي ينتجونها سنوياً، حتي اصبحوا بلغة التجارة والبزنس ملوك السوق السينمائي، ومع انحصار خطط شركات الانتاج الأخري في انجاز مشاريع افلامها بسبب الظروف الاقتصادية هذا العام، تصاعدت سيطرة السبكي علي شباك التذاكر حتي اصبح ينافس نفسه عن ثقه، واخذ يطرح اكثر من فيلم في دور العرض مطمئناً انه لن يجد من ينافسه او يخطف منه الايرادات، وقد نختلف حول مضمون ما تقدمه سينما السبكية علي مدار العام ولكن ماذا لو طلبنا منهم التنحي عن انتاج تلك الافلام الهزلية ، هل سنجد من يحل محلهم، وهم من ينعشون السوق السينمائي الذي بدا في الاحتضار، ام سنغلق دور العرض ونعمل في مهنة اخري.
المشكلة ان البدائل ليست مطروحه والمنافس الوحيد لافلام السبكي هي الافلام الامريكية التي تعرض في مصر، وحتي النجوم الشباب انصرفوا للعمل مع السبكي باعتباره المنتج الاجدر علي استكمال انتاج الفيلم دون تعثر او توقف للتصوير بسبب تعثر التمويلن واصبح السبكي يمسك عصا الانتاج السينمائي من منتصفها، من جانب يستكمل اتجاهه في تقديم سينما الهزل والابتذال ومن جانب اخر بدأ ومنذ سنوات في اغراء النجوم بالعمل معه،فقدم عدد محدود جدا من الافلام التي ارتفع مستواها الفني ولو بنسبة محدودة، الا انها لم تخلو من خلطة السبكي التجارية، مثل فيلم كبارية والفرح اللذين حصدوا للسبكي ولأول مرة منذ دخوله عالم الانتاج السينمائي علي جائزة من الدولة في المهرجان القومي للسينما وحصدها فيلم كباريه، وعاد من جديد ليقدم المعادلة التي ترضي اغلب الاطراف، حيث طرح منذ اسابيع قليلة ماضية فيلمين كوميديين لنجوم شباك وهما احمد مكي ومحمد سعد، ولم ينتظر ان ينتهي من جمع ايراداتهم، وقد طرح الفيلم الثالث الذي ينضبط معه قليلاً ميزان السوق، وهو فيلم "الحرامي والعبيط" رغم ان الفيلم ايضاً يقدم نكهه كوميدية لكنه لا ينتمي بدرجة خالصة الي نوعية الفيلم الكوميدي،السبكي كمنتج اصبح مدرسة قائمة بذاتها يجب ان يبحث فيها السينمائيين عن اسباب استمرارها ونجاحها وتأثير ما تقدمه علي المجتمع، عدا ذلك فالسبكي مستمر .. والتمرد عليه ايضاً مستمر.
منذ المشهد الاول من فيلم "الحرامي والعبيط" عليك ان تحدد موقعك كمتلقي ، هل ستكون الحرامي ام العبيط، وسط صراع كل شخصية من اجل البقاء، ولكن مع تعديل مفهوم القوة عند كل منهم،الحرامي يستمد قوته من فحولة جسده، والعبيط يستمد قوته من عبطه وعدم اكتراثه بمن حوله ومن حريته التي تمنحه الفرصة لفعل اي شيء دون حساب النتائج،شخصية العبيط التي قدمها الفنان خالد صالح تعيدنا الي الشخصيات الادبية عند نجيب محفوظ، فهي ايقونة لهذا النموذج الذي كان يقدم دائما في السينما المصرية "المجذوب" الذي يعرف كل ما يدور حوله لكنه لا يبوح ،يقوده جنونه الي الامتلاك المطلق لحريته في فعل اي شيء وكل شيء، الحرامي استطاع ان يقتلع عين العبيط ليستبدلها بعينه المفقوعة، ولكن العبيط استطاع ان يقتل الحرامي ويسلبه حياته دون ان يدرك، فمن منهم الاقوي.
بالطبع ليست قضية الفيلم طرح التساؤلات حول مفهوم القوة ومن الذي يمتلكها وهل تتجسد القوة في فحولة الجسد ام في رزانة العقل او الحكمة، لان الشخصية الثانية جاءت علي عكس هذا الوصف، كما اعتدنا في التعبير الكامل عن معني القوة "انا المخ وانت العضلات" وبذلك يكتمل مفهومها ، لكن عندما يغيب العقل تسود العضلات وتسود معها الفوضي، وهذا المفهوم الذي عبر عنه الفيلم حتي اذا اختلفنا حوله، فهو رؤية هزلية لواقعنا الاكثر هزلاً، اذا سلمنا بالجملة التي جاءت علي لسان شخصية "الحرامي" الفنان خالد الصاوي ،"العبط في البلد ديه اكثر من الفراخ"، سوف يجد كل حرامي في البلد اكثر من عبيط يستعبده ويقتلع عينه، ولكن اذا وصلنا لنفس نهاية الفيلم، نجد ان العبيط حقاً هو من يترك الحرامي يحكمه ويتحكم بحياته ويسرقه ويقتلع اعضاءه.
يستعين البلطجي صلاح روستي الذي يجسد دوره الفنان خالد الصاوي بفتحي المجذوب الذي يعيش تحت السلم، ليسرق منه في البداية قرنتيه ليستبدلها بعينه التي خسرها في احد معاركه وتساعده خطيبته الممرضة ناهد التي اعادت روبي الي شاشة السينما،"وليتها ما عادت"، ثم يجد روستي ان فتحي اكبر استثمار بحياته فيقلب في اعضائه ويفككه ليبيع كل قطعة بآلاف الجنيهات، بينما يستسلم فتحي له طوعاً تارة وغصباً وتهديداً تاره اخري، وينقلب السحر علي الساحر ويكتشف صلاح روستي خيانة خطيبته له فيقرر استبدال جسد فتحي بها، ليس رفقاً به ولكن انتقاماً من خيانتها، فتقوده فرحته في التخلص منها الي الاحتفال باطلاق الرصاص في الهواء، ويحتفل معه فتحي العبيط ويقوم باطلاق النار عليه.
لم يقدم السيناريو تفاصيل تحول فتحي الي شخصية العبيط الا من خلال مشاهد الفلاش باك القليلة التي كانت تقتحم الاحداث من وقت لأخر، والتي عرضت مشهد من حياته السابقة وهو مشهد اكتشافه خيانة زوجته له، لكنه لم يوضح لنا اسباب الاعتداء عليه من جانب مجموعة من البلطجية واقتياده الي الشارع بملابس امرأه وتعذيبه علي يدهم حتي انكسرت رجولته، وفقد ابنته وتحول الي مجذوب يدور في الشوارع بحثاً عن الطعام وسط اكوام القمامة،بينما استطاع الفنان خالد صالح ببراعة الممثل المحترف ان يقود الاحداث ليس لانه محورها الاهم لكن بجذب اهتمام وتعاطف واعجاب المشاهد من خلال الشخصية التي لا يستطيع اي ممثل موهوب ان يقاوم اغراء تقمصها رغم صعوبتها، خالد صالح عايش باطن شخصية العبيط شكلاً ومضموناً، ولم يفقد للحظة هذا التوازن خصوصاً في المشاهد الفاصلة التي كانت تقوده بعض الاحداث الي تذكر ماضيه، علي العكس كان اداء الفنان خالد الصاوي الذي لم يقدم سوي مظهر البلطجي او الحرامي، وتجاهل تكوين الشخصية من الداخل، وجاءت نبرته العالية والمتعالية اعلي من ادائه الجسدي، تحديدا في المشاهد التي تطلبت منه سرعة في الاداء الحركي عند تصوير مشاهد المعارك، جاء ادائه ثقيل ومفتعل كما كنا نشاهد مشاهد الاكشن في افلام المقاولات، كان الخصم يقع علي الارض قبل ان يلمسه البطل، حتي يمكن ان نصنف شخصية صلاح روستي انه بلطجي لسان،وبينما اعادت شخصية ناهد روبي الي شاشة السينما بعد انقطاع كان اخره الدور التي قدمته في فيلم الشوق، وليتها ما عادت لتفسد ذاكرتنا بهذا الدور الذي يعتبر اول ادوارها واهمها، روبي ظهرت في الفيلم دون اي اداء يذكر ولم تجتهد لتحدد طبيعة الدور التي ستقوم به في الفيلم وكأنها "جاية تهزر شوية وتمشي"، اما المخرج محمد مصطفي اعطاها مساحة غير محدوده في حرية الحركة والتعبير دون ان يقتادها الي تحديد هويه او ملامح لشخصية ناهد، المخرج محمد مصطفي مازال نجاحه متوقف عند اول افلامه السينمائية "اوقات فراغ".
|