كتب/ منتصر لوكيلي
عندما تحط بك الباخرة في ميناء بَلَرْم، ينتابك شعور بأنك في إحدى مدن جنوب المتوسط، فتخال أنك نزلت بالناظور أو طنجة أو جزائر بني مزغنة، فسائقو سيارات الأجرة وحملة الحقائب والمتطفلون والمتلصصون والتائهون وغيرهم ممن لا يجدون غضاضة في مغازلة الركاب الوافدين، والمأخوذين برائحة المدينة المستيقظة من نوم ثقيل زاده دوار البحر ثقلا فأطبق عليهم. وما أن تأخذ طريقك في وسط المدينة، حتى تُحس وكأن الوجوه مألوفة بعض الشيء بل إن بعض من تصادفه قد يُلقي عليك التحية، ولولا بعض العادات غير المألوفة لدينا في بلداننا كمرافقة الكلاب، والتدخين خارج أبواب المحلات والمقاهي بدل التدخين داخلها، لاعتقدت أنك ما تزال في إحدى المدن التي ذكرناها أعلاه. وقرب محطة القطار وبالضبط في الحي الواقع بين كماشتي شارعي روما وماكيدو، كُتبت أسماء الأزقة باللغات الثلاث اللاتينية والعبرية والعربية، وفاء من المدينة لتاريخها الشرقي ولمسة سحرية تشدّ إليها الزوار الفضوليين والسّذج وحتى بعض الحذرين ممن تسلحوا بشعار: "ومن الحزم سوء الظن".
في قلب الأزقة الضيقة حيث لا يتسع الفضاء إلا لمن رحبت صدورهم، يمارس الصقليون مهنا لا تجدها إلا في جنوب المتوسط كإصلاح الدراجات الهوائية والنارية، ويمتلئ الفضاء بصخب الإيطاليين ودراجاتهم وأدخنتها وبصرخات المغاربة والتونسيين الهاربين من الفاقة والمسغبة واليأس، ممن فرشوا الأرض سلعا صينية الصنع، دون أن يعلموا أن هذه الجزيرة تدين لأجدادهم بالكثير؟ أفلا يعلمون أن أحد هؤلاء الأجداد وهو أبو عبد الله الإدريسي قد فرش في أرض صقلية نفسها الخرائط والدراسات الجغرافية والنباتية ؟ أفلا يعلمون أن جدهم هذا قد قام بفتح هذه البلاد بسلاح العلم بعد أن انكسرت سيوف أجدادهم الآخرين العرب والبربر، وطردهم النورمان من الجزيرة، حتى إن بعض الأزقة الصغيرة لا زالت تحمل اسم الإدريسي، ولعمري كان حريا بالإيطاليين والعرب على السواء إطلاق هذا الاسم على أكبر الجامعات.. لكن يبدو أن الملك روجر الثاني كان آخر الساسة الذين أنصفوا الرجل ووفوه بعض حقه.
مابونات ، بانارموس، بلرم، باليرمو
يطل سهل بلرم على البحر التيراني وقد أحاطت به المرتفعات والجبال، ويعود الوجود البشري فيها إلى ما قبل التاريخ، فقد اكتشفت فيها رسوم ونقوش على جدران الكهوف تُصور رقصات بطقوس معينة لشعب عاش على الجزيرة قبل أن تبدده الهجرات المتتالية. أما في العصور التاريخية فالسيكانيون هم بُناة المدينة حسب ما أورد المؤرخ اليوناني هيرودوت، حتى إذا أقبل الفينيقيون القادمون من صور سنة 734 ق.م أنشأوا مستعمرةً تجارية كانت لها علاقات تقارب وتصادم مع السيكوليين، سكان الجزء الشرقي من صقلية. ثم ما لبثت أولى المستوطنات أن تحولت إلى مدينة رائعة، أُطلق عليها اسم مابونات (Mabbonath)، التي تعني بلسان الفينيقيين "المساكن". ومع وصول سفن اليونانيين إلى صقلية بين القرنين الثامن والسادس قبل الميلاد، حملت المدينة اسم بانورموس (panormos)، لكنها ظلت فينيقية حتى الحرب البونية الأولى، والتي سقطت على إثرها صقلية تحت الحكم الروماني، حتى أن هملقار برقة وهو أدهى قادة قرطاج لم يتمكن من استعادتها عندما عسكر عند سفح جبل بليغرينو سنة 247 ق.م. ومع انقسام الإمبراطورية الرومانية، تـَبـِعـَت صقلية ومعها "بانورموس" للإمبراطورية الرومانية الشرقية، ثم ما لبث أن تناوب على حكمها الوندال والقوط، وفي عام 535 م جعل الإمبراطور جستنيان الأول منها مقاطعة بيزنطية فظلت كذلك حتى وصول الفاتحين العرب.
كانت أولى غزوات المسلمين على صقلية زمن الخليفة عثمان بن عفان عام 31 هـ/ 652 م. ومع تمكن المسلمين من بناء أسطول بحري تغيرت موازين القوى في البحر. فهاجمها عبد الله بن قيس الفزازي وغنم منها الغنائم، وغزاها بشر بن صفوان الكلبي والي إفريقية في737م. ثم أرسل عبيد الله بن الحبحاب الفهري والي أفريقية قائده حبيب بن أبي عبيدة لهجوم شامل على صقلية وسردينية عام 740م، فاستولى على سيراقوسة، وتهيأ البيزنطيون فأقاموا التحصينات وانطلقت جولات من الكر والفر بين الجانبين، حتى كانت ثورة القائد البيزنطي فيمي أويوفيميوس (Euphemius) ضد بني جلدته، فاستنجد بالأغالبة عارضا عليهم الجزية مقابل تنصيبه حاكما على صقلية، فجهز القاضي أسد بن الفرات حملة ساحقة قادها بنفسها. ونقل العرب العاصمة السياسية من سيراقوسة جنوب شرق الجزيرة إلى بلرم شمال شرق الجزيرة. وفي القرن العاشر أُلحقت صقلية بالخلافة الفاطمية، واستفاد البيزنطيون من خلافات المسلمين فاحتلوا الطرف الشرقي من الجزيرة، حتى كان تعيين حسن الكلبي أميرا فنجح في كبح ثورات البيزنطيين وبسط نفوذ بني كلب لقرن كامل، تكونت بعدها دويلات مختلفة شأنها في ذلك شأن ممالك الطوائف بالأندلس، حتى كأن الشاعر الأندلسي كان يعنيهم أيضا (مع التصرف) بقوله:
يا أهل "صقلية" شدو رحالكم/فما المقام بها إلا من الغلط
السلك ينسل من أطرافه وأرى/سلك الجزيرة مُنسلا من الوسط
وكأن قدر الثقافة العربية إذا نزلت بأوروبا أن تقوى قليلا، حتى إذا استوعبت الإثنيات والأعراق والأديان، قام أبناؤها فمزقوها شر ممزق، والمدهش أن الضعف السياسي اقترن بنهضة علمية وثقافية رائعة، فالعرب أدخلوا شجرة النخيل وطوروا نظام الري، وشجعوا الصقليين على زرع الحمضيات والقطن وشجر التوت الذي استخدموه لتربية دودة القز وصنع الحرير، وطورواا الهندسة المائية باستخدموا نظم الريّ المعتمد على النواعير والقناطر. وبقيت صقلية تحت راية الإسلام حتى وصول النورمانديون (وهم من الفايكنج القادمين من شمال أوروبا) بعدما حصلوا في العام 1059 على مباركة من البابوية الراغبة في إعادة تنصير الأراضي التي فقدتها بيزنطة. وكان روبرت جيسكارد النورماندي أول غُزاة الجزيرة عام 1060 وهي منقسمة إلى ثلاث إمارات إسلامية، واحتل روجر الأول من بعده كالابريا، فصارت ميسينا (وهي بوابة صقلية الشرقية) طوع بنانه، وزحف إلى بلرم عام 1072م فحاصرها، وأدى سقوطها إلى سقوط صقلية العربية عام 1091، حتى إذا أسدل القرن الحادي عشر ستاره كانت هيمنة المسلمين على البحر الأبيض المتوسط قد ضعفت، قبل أن تتلاشى نهائيا في القرون اللاحقة. وفي عام 1130 استلم روجير الثاني زمام الحكم من البابا أناكليتوس الثاني ووحد مملكته وعاصمتها بلرم. وما أن أفل نجم النورمانديين، حتى توالى على حكم صقلية آل أنجو وآل أراغون وملوك إسبانيا ممن إذا دخلوا أرضا أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة. فتلتها حروب فرنسا والنمسا وإسبانيا، وذهبت صقلية إلى فيتوريو أميديو الثاني (من آل سافويا) ثم عادت عام 1734 إلى آل بوربون، ولما شاركت في الحركات الثورية في بدايات القرن التاسع عشر، صب البوربونيين جام غضبهم عليها وقصفوا مدنها بالقنابل (حتى أسمى الصقليون الملك فرديناندو الرابع بـ "الملك القنبلة"). ثم حلّ بها قائد التحرير جوسيبي غاريبالدي، فانضمت إلى مملكة إيطاليا الموحدة، وفي 1947 صارت صقلية إقليماً ذاتي الحكم وعاصمتها باليرمو.
النورمان في صقلية، تقارب الشرق والغرب ومعارك الهندسة المعمارية الصامتة
إن ما يشد الأنظار والأذهان على حد سواء في مدينة بلرم هو ذلك الالتقاء الفني بين شرق عربي إسلامي وشرق مسحي بيزنطي وغرب مسيحي من شمال أوروبا، وليس هناك أبلغ من المصلّى البلاطيني capella palatina في قلب قصر النورمان بمدينة بلرم، فهو مثال استثنائي على تمازج الفنون المسيحية الشرقية والغربية والفن الإسلامي. لقد بدأ تشييد المصلى في العام 1130 في عهد روجير الثاني، ولجأ مهندسوه إلى الاستعارة من الكنائس اللاتينية والكنائس اليونانية معاً. ويتميز بوجود فضاء يُذكر بالفن البيزنطي في القبّة الواقعة على تعامد الأسكوب بالبلاط المحوري، تدعمها عقود الزوايا من الجنبات. ويتألف الجزء الغربي من الكنيسة من جناح واحد وأجزاء جانبية بخمسة أضلع. أما النمط الأيقوني فيكاد يتطابق مع نمط الكنائس البيزنطية. فصورة المسيح (بانطوكراتور) تتوسّط القبّة وتشير النقوش باللغة اليونانية والأسلوب المستخدم إلى أن هذه الفسيفساء بالتحديد من عمل صُناع بيزنطيين. كذلك رُسمت في الجناح ملحمةٌ من العهد القديم، وفي الأجزاء الجانبية مشاهدٌ من حياة القديسين بطرس وبولس وهو موضوع كنسي غربي لا يُمكن لمن اضطلع على تاريخ الفن المسيحي إلا أن يستغرب وجوده في فضاء بيزنطي، لكن الغرابة سرعان ما تنمحي حين تنتصب المقرنصات شامخة معلنة عن ثورة في الفضاء المعماري، والمقرنصات من أهم عناصر العمارة العربية الإسلاميّة، ويسمى المفرد منها في اللسان المغربي الدارج بالمقربص (بالباء بدل النون)، وهو شكل هندسي أشبه ما يكون بمحراب صغير، ويُستعمل متزاحماً متكاثراً في صفوف يلتصق بعضها ببعض، فتتصل الجدران بالسقوف والقِباب بالعقود، وتفضي من مربّع قاعدة القبّة إلى الأركان والفضاءات العليا. كما تنضم إلى مقرنصات البالاطيني النقوش الكوفية، فتبدو التيارات الفنية في المصلى كتيارات البحر الأبيض المتوسط ويتزعزع البرزخ بين حضارتين عظيمتين التقيتا، فيردد الناظر: "مرج البحرين يلتقيان، يبنهما برزخ لا يبغيان، فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ"، ثم تبدو مختلف العناصر الهندسية وكأنها تخوض معركة زخرفية ودينية في صمت، فهذا المسيح الشرقي في صيغته البيزنطية والقديسان بطرس وبولس في صيغتهما الغربية ينظرون إلى المقرنصات التي أنجزها من آمن بألوهية الإله الأحد فأحجم عن تصويره أو تجسيده، وكيف يتجرأ فيُشيّأ الله الذي ليس كمثله شيء، وهو الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤ أحد، بل إن الصانع صاغ إعجابه بعظمة الله في بحث عن التجريد وجمع بين الهندسة والعاطفة فبدت زخارفه كبيوت النحل في تراصها.. رياضيّة التصميم تتحدب وتتقعر في إيقاع ساحر، وتؤدي وظيفتها المعمارية والزخرفية بمساحاتها المتكررة حتى أن بعض مؤرخي الفن شبهوها بصواعد الكهوف ونوازلها. وعندما يهم الزائر بالخروج من القصر النورماندي، يجد نفسه أمام لوحة من المرمر كانت جزءا من آلة لرصد الساعات درست ولم يبق منها إلا نقوش باللغات الثلاث اللاتينية واليونانية والعربية، فيحس بالفخر عندما يتمكن لوحده بين عشرات السياح من أن يقرأ بالعربية ذلك الخط النسخي الجميل: "خرج أمر الحضرة الملكية العظيمة الرجارية العلية أيد الله أيامها وأيد أعلامها بعمل هذه الآلة لرصد الساعات بمدينة صقلية المحمية سنة ست وثلاثين وخمسمائة".
أما إذا غادرت القصر النورماندي ومصلاه البالاطيني، فستقودك حاسة الآثار العربية القوية إلى قصر عزيزة بلرم (Zisa)، وهو أحد أجمل الإقامات الحضرية، ويعود تشييده للنصف الثاني من القرن الثاني عشر خلال مرحلة الحكم النورماندي، ويقع في منتزه فسيح تحيط به الحدائق والفسقيات والأحواض. كما يُقرأ اسم العزيز على نقيشة تزخرف باب مدخله الأرضي. ويتصل المبنى بكنيسة صغيرة مهداة إلى القديسة س.س.ترنيتي. ومن مميزاته أن الواجهات المقطوعة تنتهي بعقود كبيرة، وإفريز منقوش بحروف كوفية، كما يتميز بتصميم مستطيل وتماثل محوري إذ تتوزع القاعات حول محور النافورة بتناسق وانتظام. أما القاعة الموجودة بالطابق العلوي فتتميز بوجود نفس التصميم، على أنها وفرت مسارا لماء الأمطار نحو حوض مرمري. وقد تم تهيئة نظام فتحات في سُمك الجدران الداخلية مع قنوات للتهوية داخل الأبراج الجانبية التي كانت تسمح بمرور الهواء، مما كان يؤمن درجة حرارة ملائمة في الداخل، حتى عندما ترتفع درجات الحرارة. ومن أجمل ما في عزيزة بلرم نظام معالجة الماء، فالماء يترقرق من قاعة المدخل إلى منحدر مزخرف وصولا إلى الفسقيات الأنيقة قبل أن ينهي مسيرته بحوض تربية الأسماك الكبير أمام القصر. وبالعودة إلى الطابق الأرضي يمكن الولوج إلى قاعة الفسقية عن طريق بهو له نفس أبعاد البناية، وقد تم تصوره على شكل إيوان مزخرف بالمقرنصات تحيط بها زخارف لجداريات ملونة تمثل تجسيمات مختلفة، وكأن المعركة التي بدأت في مصلى البالاطين تستمر في قصر عزيزة، فلا تملك سوى أن تردد وراء البحتري:
لَيسَ يُدرى أَصُنعُ إِنسٍ لِجِنٍّ / سَكَنوهُ أَم صُنعُ جِنٍّ لِإِنسِ
من مونريالي إلى بوي إون فيلي
خارج مدينة بلرم وعلى بعد ثلاثين كيلومترا من قصر النورمان، وقع اختيار الملك غيوم الثاني دي هوتفيل على موقع مونريالي لتضم ديرا بينيديكتيا، ثم رقاه عام 1183 إلى أسقفية، صارت بدورها كاتدرائية لا مثيل لها، فهي آخر مؤسسة ملكية نورماندية في صقلية، وقد نافست كنيسة البالاطيني في بلرم وكاتدرائية سيفالي بأبعادها وغنى زخارفها. بل أنها أوسع بناء مزيّن بالفسيفساء في غرب القرون الوسطى، ونجحت في وضع مشاهد بيزنطية في صدر الكنيسة ومشاهد من العهد القديم في أجنحتها. فأخذ السيد المسيح مكاناً في القبة النصفية لصدر الكنيسة، بينما وضعت أمه مريم في مكان يقع تحت القدرة الكلية، وقد أحاطت بها الملائكة. أما زخرفة الأجنحة فهي تحكي قصص العهد القديم، وكأنها كنائس روما المسيحية الأولى، وقد جرى في مونريالي عرض فصول التكوين منذ خلق العالم إلى صراع يعقوب مع الملاك. كما وُضعت لوحة تتويج غيوم الثاني على ركيزة تقع شمال- شرق المربع المركزي، تحت العرش الملكي، فيبدو المسيح جالسا في المواجهة على العرش، وحاملاً بيده كتاباً مفتوحاً كتبت عليه عبارة "أنا نور العالم" وباليد الأخرى يتوّج الملك غيوم الثاني الذي يرتدي ملابس تقليدية بيزنطية.
ويسود الاعتقاد لدى جمهور مؤرخي الفنون بأن انتهاء أوراش البناء كانت بالتزامن مع وفاة غيوم الثاني. ولا زال الرواق الملتصق بالجناح الجنوبي للكاتدرائية شاهدا على الدير الأصلي، ويتميز هذا الرواق بانتظامه وحسن تخطيطه، كما تحيط بالحديقة المركزية أربعة أروقة. بها بناء صغير لا سقف له يحيط بنبع مياه ضخم واقع في الزاوية الجنوبية الغربية. وكل رواق من جانب الحديقة محدد بستة وعشرين زوجاً من الأعمدة الصغيرة وضعت على جدران مزخرفة نظمت فيها ممرات محورية. تزيّن الزوايا مجموعة من أربعة أعمدة صغرى متقاربة، فيصير عددها الإجمالي 208، وإذا احتسبنا الركائز الإضافية صار المجموع 220 عمودا، تعلوها التيجان المزدوجة أو رباعية فتسقط عليها عقود الأروقة. وترتسم زخارف هندسية الشكل بفضل تنضيد الحجارة الملونة ، فجذوع الأعمدة ملساء تارة، ومنحوتة تارة ومزيّنة بالمرصعات أو بفسيفساء على تكوينات الهندسية. والتيجان مزينة بدورها، وتضم بعضها زخرفات بتوريق تتخللها تماثيل لطيور صغيرة ومقاطع من الكتاب المقدس. وزينة هذه الركائز هي التي جعلت شهرة هذا الدير تطبق الآفاق. وقد تذكر كاتب هذا النص ديرا مشابها زاره في مدينة بوي آن فيلاي Puy-en-Velay بفرنسا، وكاتدرائيّة سيّدة بوي آن فيلاي هي نقطة انطلاق أحد طرق الحجّ المتجهة إلى كنيسة القدّيس يعقوب دو كومبوستيل Saint-Jacques-de-Compostelle، كان الحُجّاج يَفِدون إليها بأعداد وفيرة ليكرّموا العذراء واشتهرت المدينة الفرنسية في الغرب بين القرنين العاشر والثاني عشر بغرائبها الهندسيّة. وقد تساءل مؤرّخو الفنّ عن هندسة الكاتدرائيّة، ومسألة التأثيرات الإسلاميّة التي أثارت الجدل إلى حدّ بعيد. وكان إميل مال Emile Mâle مقتنِعا بتأثير الفنّ الإسلاميّ في إسبانيا على نُصُب بوي آن فيلاي عندما كتب: ".. وإنّ واجهة الكاتدرائيّة الغريبة والمتعدّدة الألوان توقظ قبل أيّ تفكير آخر انطباعًا غامضًا بشرقيّتها... إنّ الشرفات المقوّسة ذات مفاتيح العقد السوداء والبيضاء بالتناوب تُذَكّرنا بالعقود البيضاء والحمراء في جامع قرطبة". وذهب لويس بريهيي Louis Bréhier إلى أن مهندس بوي كان مسلمًا، وإلا فهو أندلسيّ مسيحيّ على الأقل. أما ما جعل كاتب هذا المقال يُحس بفخر شديد لا يفهم مغزاه إلا من سار على خطاه، فهو أن هذه الإشكالية بالذات كان أطروحة دكتوراه بباريس في ثلاثينيات القرن الماضي لشيخ مؤرخي الفنون العربية الدكتور أحمد فكري، حيث درس تأثيرَ الأشكال الإسلاميّة في الفنّ الرومانيّ الفرنسيّ وفي بوي آن فيلاي، مقارنا بشكل خاص قبب بوي الفرنسية بقبب جامع القيروان، قبل أن يثري المكتبة العربية بما لم يجُد به غيره حول العمارة العربية الإسلامية، فسلام عليه يوم وُلد ويوم مات ويوم يبعث حيا. وبالرغم من أن بعض المؤرخين لم يدّخروا جهدا في نقض نظرية الأصول العربية لبوي أون فيلي باحثين عن بقايا ممارسات كارولينجيّة في الفنّ الرومانيّ الإقليميّ، متشبثين بكون مرجعية الغرب كانت دائما أوروبية محضة، فإننا متأكدون أن روعة الحضارة العربية الإسلامية نجحت في اختراق بعض النفوس الغربية التواقة إلى روح الشرق، فذابوا فيها عشقا، فما كاتدرائية بوي أو فيلي الفرنسية وديرها وما دير مونريالي وكاتدرائيته إلا شواهد على هذا الهيام الذي لم يُكتب له الاستمرار، وهل هيام الأوروبيين بعمارة عربية إسلامية يختلف عن هيام النورمانديين بتآليف الجغرافيا والعلوم التي دونها أبو عبد الله الإدريسي؟
بين روجر والإدريسي
يبدو كل حديث عن صقلية وبلرم ناقصا إن لم يعرج على أبي عبد الله محمد بن محمد العلي بأمر الله الإدريسي، وهو الجغرافي العربي الذي وضع "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، وقد بدأ هذا العمل العلمي بخريطة لنصفي الكرة الأرضية وضعها بطلب من ملك صقلية روجر الثاني (ويدعي أبو عبد الله أن الملك تتبع تفاصيل التأليف لخمس عشرة سنة، وهو ما لا يصدقه كاتب هذه السطور)، ثم شرح المضمون في تأليف ""كتاب روجر" أو "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق". وقد تناول الكتاب ما لم يكن في وسع الخريطة نقله: فوصف البلدان وقاس المسافات ولم تفته المساكن والعمائر. غادر الإدريسي بلاد المغرب الأقصى والأندلس ليمنح علمه لصقلية النورماندية، ربما لكون المرابطين حكام المغرب الأقصى آنذاك كانوا منشغلين عنه بحروبهم مع الموحدين وبقضايا الفقه والسياسة، فوجد في صقلية النورماندية خير مضيف، ووجد روجر في الإدريسي تلك الروح التي وصفناها من قبل، فوافقت نزهة الإدريسي اشتياق روجر للمعرفة لاختراق آفاق المعرفة. لقد شرح الإدريسي للملك موقع الأرض في الفضاء وشبهها بصفار البيضة المحاط ببياضها كما الأرض في السماء تحيط بها بالمجرَّات، واستخدم الخطوط الأفقية على الخريطة والكرة الأرضية التي صنعها، بيد أنها دُمِّرت خلال اضطرابات صقلية اللاحقة. كما قام بتحديد مصدر نهر النيل، واضعا نقطة تقاطع نهر النيل تحت خط الاستواء قبل الوصول إلى مصر، أي في المكان الذي تلتقي فيه روافد نهر النيل في السودان، من النيل الأبيض والنيل الأزرق وهما يلتقيان تحت خط الاستواء. وخريطته الشهيرة إحدى أدق خرائط العالم القديم، وتم إنشاؤها في سبعين صفحة مزدوجة، وتبدو الخريطة لغير العارفين وكأنها قد قلبت "رأسا على عقب" بينما كانت مرجعية الشريف الإدريسي تتمثل في أن الشمال لا يقع دائما في الأعلى وأن الجنوب لا يقع دائما في الأسفل، وأن أوروبا يمكن أن تكون في الأسفل بينما تكون إفريقيا في الأعلى، لقد استوعب الأوروبيون دروس الإدريسي العلمية، إلا مسألة كون أوروبا في الأعلى، فهي مُسلمة بطليموسية غير قابلة للنقاش. وما إن شرع الإدريسي في تحرير كتابه في 1154 حتى توفي الملك روجر الثاني، فأنهى التأليف في عهد الملك غيوم الأول، واختفى بعد ذلك تماماً ولم يُعثر له على أثر.
تلك كانت نزهة كاتب هذه السطور وهو مشتاق إلى المعارف في اختراق آفاق مدينة بلرم الأوروبية الجغرافيا والشرقية الروح، حيث التقت –في مرحلة تاريخية دقيقة ونادرة- إرادة سياسية أوروبية تواقة للأنوار وكعب علمي وفني عربي إسلامي لبناء صرح حضاري متميز، فكانت نهضة العمارة والجغرافيا والفنون، وسرعان ما طُويت هذه الصفحة المشرقة من تاريخ الحضارتين، ولله الأمر من قبل ومن بعد وهو أحكم الحاكمين.
|