التاريخ من أكثر أدوات بناء الأمم أثرا ففي أحداثه ما يمكن أن يبعث في النفوس الاعتزاز وما يمكن أن يجمع أبناء الوطن في لحمة واحدة يمزجها تراث مشترك ومستقبل واحد وتكتسب النفوس منه عراقة و أصالة وانتماءا وانتسابا خاصة إذا كانت الحضارة عريقة وممتدة وحافلة بالأحداث والآثار كالحضارة المصرية التي تمتد جذورها عبر الزمن فى ملحمة لا تتكرر.من اجل ذلك حرص الغزاة والمستعمرين على مر العصور على محو ذاكرة الامم وتحقير معتقداتها وفصل حاضرها عن ماضيها.
وحرص القناصل والمغامرون على نهب الآثار في طول مصر وزينت آثار مصر متاحف العالم وحرمت من جزء غال من تاريخها ،وبدأنا نأخذ تاريخنا من الأجانب الذين احتفظوا بجزء كبير من أثاره،أهمها "حجر رشيد" مفتاح اللغة المصرية القديمة الذي يقبع فى المتحف البريطاني.
واليوم .. أقف أمام " اميل كونسات تيودور بريس دافين" هذا الفنان والمعماري والمستشرق الفرنسي ،أحد أولئك الذين بهرتهم مصر ،وعانقوا ثراها ،وسجدوا فى محراب تراثها الخالد ،وعاش تحت صفاء سمائها ينتقل بين ربوعها من أقصاها إلى أدناها يرسم ويدرس ويسجل انطباعاته ويندمج مع الحياة بين دروبها ،وامتزج مع المصريون يحاكيهم زيا ويتقن لغتهم حتى اشتهر باسم عربي هو "إدريس أفندى" 0
لقد كتب "إدريس أفندى" مجلدات ضخمة عن الحضارة المصرية القديمة تضمنت ألبومات لروائع الفن الفرعوني والاسلامى ومذكرات نابضة عن الحياة والأحداث والناس لم يرى النور منها سوى شذرات ،عاش في الأقصر خمس سنوات (1838-1843 ) دارسا وباحثا، وكان يقيم بمنزل على ضفاف النيل مبنى من الطوب اللبن على أنقاض قصر"امونوبوليس" أقامه البحارة الفرنسيون الذين شاركوا فى نقل مسلة رمسيس الثاني من خدرها الآمن بمعبد الأقصر لتقف شامخة فى ميدان الكونكورد بباريس عاصمة فرنسا اشتهر ببيت فرنسا0
لقد أثمرت إقامة "إدريس افندى" بالأقصر عن اكتشافه 12 غرفة فى معبد "خونسو" ،والعثور على البردية الهيراطيقية التي اشتهرت فى علم البرديات باسمه " بردية بريس دافين"0
وكان لإدريس أفندى فضلا لا ينكر في الدفاع عن أثار مصر وحمايتها من النهب والتخريب ،حيث أقنع الباشا "محمد على" فأصدر أول فرمان يمنع التصرف فى الآثار والذي صاغه رائد التنوير الشيخ "رفاعة رافع الطهطاوي"، وكانت الآثار أيامها نهبا لكل منتهب وفى دوامة الجهل تحولت المعابد التليدة والأعمدة الشامخة الى محاجر تنقل أحجارها الضخمة لبناء معامل السكر والبارود ومشروعات الباشا حتى أن معبدين من أهم معابد مصر "تحتمس الثالث" ، "زيوس " بأرمنت فككا تماما لبناء معمل السكر وكانوا أحيانا يستخدمون الديناميت فى تفكيك هذه الأحجار.
كانت السلطات تساهم فى هذا التخريب الآثم، إذ فرض الباشا على فلاحى مصر توريد قنطار من الأحجار على كل فدان مزروع لبناء مشروعاته وكان رجال الإدارة يسوقون الفلاحين الى المعابد للحصول على هذه الأحجار المشذبة الصالحة للبناء والأقرب منالا من بطن الجبال ..وكان التراث لايمثل بالنسبة لهؤلاء الأتراك سوى بقايا أصنام وثنية كافرة يجب أن تندثر 0
ولعل الصداقة التي ربطت بين إدريس افندى وصديق الباشا محمد على ورفيق سلاحه ماهر بك الذى قدم الى الأقصر للإشراف على نقل القمح وبناء معبد للبارود فى الكرنك استطاعت أن تجذب اهتمام هذا التركى الى معالم التراث المصرى والحضارة الفرعونية وبدأ فى استيعاب القيمة التاريخية لهذه الآثار الخالدة 0
ولما أصدر محمد على باشا أوامره بتفكيك بوابات معبد "الكرنك" لاستخدام أحجارها فى منشآت معمل البارود بالكرنك استطاع إدريس افندى ان يقنع صديقه ماهر بك بأن يحفظ لمصر هذا الأثر الغالى واستجاب لرجائه وأنقذ معبد" الكرنك" من تحطيم وشيك وحفظ للحضارة الإنسانية هذا الصرح التليد 0
ورغم هذا الانجاز الكبير الذى حققه إدريس افندى للحفاظ على هذا الأثر العظيم لم يتورع عن سرقة أثر من أهم آثار معبد "الكرنك" غرفة الملوك التى أقامها "تحتمس الثالث" بمعبد "أمون" بالكرنك وبخبرة الدارس المدقق اختار اثرا من اهم تراث معبد الكرنك ثبت يسجل ملوك مصر ويضم سجلا لعدد 61 ملكا من ملوكها بصورهم وخراطيشهم ليقدمها هدية لبلاده لتحفظ بمتحف اللوفر بباريس 0
كان يخفى بدفاعه عن آثار مصر والمطالبة بحمايتها هدفا خبيثا ظل يخطط له لينفذه بدون تصريح، كان إدريس يعمل فى الليل حتى افلح فى تعبئة الاحجارفى 18 صندوقا قبل الابلاغ عنه لحاكم إسنا. وكانت الأقصر تابعة اداريا لاسنا ،وقرر الحاكم فرض الحراسة علي خيمة إدريس وبعد شهر رشا إدريس الحاكم نفسه، فسهل له نقل الصناديق الى مركبه أثناء الليل وفى اثناء رحلته التقى بعالم الاثار الكبير "بليبسوس" الذي كان فى طريقه الى الكرنك ،وجلس العالم على احد الصناديق يحتسى القهوة دون ان يدرى بسر الكنز الثمين الذى كانت تحويه الصناديق حتى القنصل الفرنسى تقاعس عن اتخاذ اى اجراء لأنه كان يعلم ان الكنز فى طريقه لفرنسا.
واستقر الكنز الثمين بمتحف (اللوفر) بباريس وكانت فرنسا تعتقد أنها أمينة على التراث المصرى وأنها صاحبة الفضل فى الكشف عن هذا السجل العظيم لملوك مصر، والذي خرج مسروقا على يد رجل أكرمته مصر.
ولا يعفى مدينة النور انها تتجمل بأثار الحضارة المصرية وتحرمنا من حقنا فى تاريحنا، فليس من المنطقى ان نتسول تاريخنا من متاحف العالم
انها دعوة لعودة كل ما سلب من آثارنا عنوة..وندعو وزارة الآثار والخارجية فتح ملف سجل الملوك لاعادته الى معبد الكرنك وكذلك "راس نفرتيتى" ،"دائرة الابراج الفلكية" ،"حجر رشيد" لانهم خرجوا بطرق غير شرعية.
إن سجل الملوك الذي سرق من الكرنك ليس مجرد أثراً عادياً ولكنه جزء من تاريخنا العظيم لايجب ان نفرط فيه.
|